تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

محاسن المسايرة

قال: فيما يُحكى عن أنوشروان أنه بينا هو في مسيرة له كان لا يسايره أحد من الخلق مبتدئاً وأهل المراتب على مراتبهم، فإن التفت يميناً دنا منه صاحب الحرس وإن التفت شمالاً دنا منه الموبذ فأمره بإحضار من أراد مسايرته. فالتفت في مسيره هذا يمينه فدنا منه صاحب الحرس فقال: فلان. فأحضره. فقال: عرفت حديث أردشير حين واقع ملك الخزر؟ وكان الرجل قد سمع من أنوشروان هذا الحديث مرة فاستعجم عليه وأوهمه أنه لا يعرفه، فحدثه أنوشراون هذا بالحديث وأصغى إليه الرجل بجوارحه كلها، وكان مسيرهما على شاطيء نهر، وترك الرجل النظر إلى موطيء قوائم دابته لإقباله على حديث أنوشروان، فزلّت إحدى رجلي دابته فمالت بالرجل إلى النهر فوقع في الماء ونفرت دابته فابتدرها حاشية الملك وغلمانه حتى أزالوها عن الرجل وجذبوه من تحتها وحملوه على أيديهم، فاغتم لذلك أنوشروان ونزل عن دابته وبُسط له هناك وأقام حتى تغدّى موضعه ذلك ودعا للرجل بثياب من خاص كسوته وألقيت عليه وأكل معه.

وقال: كيف أغفلت النظر إلى موطيء حافر دابتك؟ قال: أيها الملك إن الله جل وعز إذا أنعم على عبد بنعمة قابله بمحنة، وإنه جل ذكره أنعم عليّ نعمتين عظيمتين منهما إقبال الملك عليّ بوجهه من بين هذا السواد الأعظم، والأخرى هذه الفائدة وإقبال هذا الجيش الذي حدّث فيه عن أردشير، حتى لو رحلت من حيث تطلع الشمس إلى حيث تغرب فيه كنت رابحاً، فلما اجتمعت عليّ هاتان النعمتان الجليلتان في وقت واحد قابلتهما هذه المحنة، ولولا أساورة الملك وخدمه كنت بعرض هلكةٍ، ولو غرقت حتى أذهب عن جديد الأرض كان الملك قد أبقى لي ذكراً مخلداً باقياً ما بقي الضياء والظلام. فسر بذلك أنوشروان وقال: ما ظننتك بهذه المنزلة! فحشا فمه جوهراً ودراً ثميناً واستبطنه حتى غلب على أكثر أمره.

وحكي عن يزيد بن شجرة الرهاوي أنه بينا هو يسير مع معاوية ومعاوية يحدثه عن خزاعة ويومها وبني مخزوم وقريش، وكل هذا قبل الهجرة وكان يوم إشراف الفريقين على الهلكة حتى جاءهم أبو سفيان فارتفع ببعيره على رايته ثم أومأ بكمه إلى الفريقين فانصرفوا، فبينا معاوية يحدث يزيد بن شجرة بهذا الحديث إذ صك وجه يزيد حجر عائر فأدماه وجعلت الدماء تسيل من وجهه على ثوبه ما يمسحه. فقال له معاوية: لله أنت! أما ترى ما نزل بك؟ قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا دم وجهك يسيل على ثوبك! فقال: أعتق ما أملك إن لم يكن حديث أمير المؤمنين ألهاني حتى غمر فكري وغطى على قلبي فما شعرت بشيء حتى نبهني له أمير المؤمنين. فقال له معاوية: لقد ظلمك من جعلك في ألف من العطاء وأخرجك عن عطاء أبناء المهاجرين وحماة أهل صفين. وأمر له بمائة ألف درهم وزاد في عطائه ألف درهم وجعله بين ثوبه وجلده.

وحكي عن أبي بكر الهذلي أنه كان يساير أبا العباس السفاح إذ تحدث أبو العباس بحديث من أحاديث الفرس فعصفت الريح فرمت طستاً من سطح إلى طريق أبي العباس فارتاع من معه ولم يتحرك أبو بكر لذلك ولم تزل عينه مطابقة لعين أبي العباس. فقال له: ما أعجب شأنك يا هذا! لم ترع مما راعنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن الله جل وعز يقول: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وإنما للمرء قلب واحد، فلما غمر السرور قلبي بفائدة أمير المؤمنين لم يكن لحادث فيه مجال، وإن الله جل وعز إذا تفرد بكرامة أحد وأحب أن يبقي له ذكرها جعل ذلك على لسان نبيه أو خليفته، وهذه كرامة خصصت بها مال إليها ذهني وشغل بها فكري، فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما أحسست بها. فقال أبو العباس: لئن بقيت لك لأرفعن منك ما لا تطيف به السباع ولا تنحط عليه العقبان.

وحكي عن قباذ أنه ركب ذات يوم والموبذ يسايره إذ راث دابة الموبذ وفطن قباذ لذلك فغمّ ذلك الموبذ، فقال له قباذ في أول كلام مرّ: ما أول ما يستدل به على سخف الرجل؟ قال: أن يعلف دابته في الليلة التي يركب الملك في صبيحتها. فضحك قباذ وقال له: لله أنت ما أحسن ما ضمّنت كلامك بفعل دابتك! وبحق ما قدمتك الملوك وجعلت أحكامهم في يدك! ووقف ودعا له بدابة من خاص مراكبه وقال: تحول من هذا الجاني عليك إلى ظهر هذا الطائع لك. وحكي عن معاوية بن أبي سفيان أنه بينا هو يسير وشرحبيل بن السمط يسايره إذ راث دابة شرحبيل وساءه ذلك. فقال معاوية: يا أبا يزيد إنه كان يقال إن الهامة إذا عظمت دلت على وفور الدماغ وصحة العقل. قال: نعم يا أمير المؤمنين إلا هامتي فإنها عظيمة وعقلي ضعيف ناقص، فتبسم معاوية وقال: كيف ذاك لله أنت؟ قال: لإعلافي دابتي مكوكين من شعير. فتبسم معاوية وحمله على دابة من مراكبه.

ويقال: إن سعيد بن سلم بينا هو يساير موسى الهادي وعبد الله بن مالك أمامه والحربة بيده فكانت الريح تسفي التراب الذي تثيره دابة عبد الله في وجه موسى وعبد الله في خلال ذلك يلحظ موضع مسير موسى فيطلب أن يحاذيه فإذا حاذاه ناله من ذلك التراب ما يؤذيه حتى إذا كثر ذلك من عبد الله قال موسى لسعيد: أما ترى ما لقينا من هذا الخائن في مسيرنا هذا؟ فقال له سعيد: والله يا أمير المؤمنين ما قصر في الاجتهاد ولكنه حرم حظ التوفيق.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.