من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسم المكاتبات
قال: وقال كعب العبسي لعروة بن الزبير: قد أذنبت ذنباً إلى الوليد بن عبد الملك وليس يزيل غضبه شيء فاكتب إليه. فكتب: لو لم يكن لكعب من قديم حرمته ما يغفر له عظيم جريرته لوجب أن لا تحرمه التفيؤ بظل عفوك الذي تأمله القلوب، ولا تعلق به الذنوب وقد استشفع بي إليك فوثقت له منك بعفو لا يخلطه سخط، فحقق أمله فيّ وصدق ثقتي بك مغتنماً للشكر مبتدئاً بالنعمة. فكتب إليه الوليد: قد شكرت رغبته إليك وعفوت عنه لمعوله عليك، وله عندي الذي تحب إن لم تقطع كتبك عني في أمثاله وفي سائر أمورك.
قال: وكتب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى بعض إخوانه: أما بعد فقد عاقني الشك عن عزيمة الرأي، ابتدأتني بلطف من غير خبرة ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب طمعني أوّلك في إخائك وأيسني آخرك من وفائك، فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطراحاً ولا في غدو انتظار منك على ثقة، فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الرأي فيك ما أقمنا على ائتلاف وافترقنا على اختلاف.
قال: وسخط مسلمة بن عبد الملك على العريان بن الهيثم فعزله عن شرطة الكوفة فشكا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه: فإن من حفظ نعم الله رعاية حق ذوي الأسنان، ومن إظهار شكر الموهوب له صفح القادر عن الذنوب، ومن تمام السودد حفظ الودائع واستتمام الصنائع، وقد كنت أودعت العريان نعمة من نعمك فسلبتها عجلة سخطك، وما أنصفته إذ غصبته على أن وليته ثم عزلته وخليته، وأنا شفيعه فأحب أن تجعل له من قلبك نصيباً ولا تخرجه من حسن رأيك فيضيع ما أودعته ويتوى ما أفدته. فعفا عنه.
قال: وغضب سليمان بن عبد الملك على أبي عبيدة مولاه فشكا إلى سعيد بن المسيب ذلك، فكتب إليه: أما بعد فإن أمير المؤمنين في الموضع الذي يرتفع قدره عن أن تعصيه رعيته وفي عفو أمير المؤمنين سعة للمسلمين. فرضي عنه.
قال: وطلب العتابي من رجل حاجة فقضى له بعضها وماطله ببعض. فكتب إليه: أما بعد فقد تركتني منتظراً لرفدك وصاحب الحاجة محتاج إلى نعم هنيئة أو لا مريحة، والعذر الجميل أحسن من المطل الطويل، وقد كتبت:
بسطت لساني ثم أوثقت نصفهفنصف لساني بامتداحك مطلق
فإن أنت لم تنجز عداتي تركتنيوباقي لسان الشكر باليأس موثق
قال: ولما بنى المهدي بريطة ابنة أبي العباس كتب إليه يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري: أدام الله لك جميل عاداته عندك وأوتر ما يجري به القدر لك ولا زالت يد الله تحوطك في المحبوب وتدرأ عنك المكروه، وهنئت بهذه النعمة ومليتها أمناً من زوالها بطول البقاء والمدة. فقالت له ريطة: ما لهذا الكلام ثمن!
فقال: وكيف ونحن أطلقنا بإحساننا إليه وإنعامنا عليه لسانه فينا وسنزيده من الثواب لثنائه علينا.
قال: وأمر الرشيد جعفر بن يحيى أن يعزل أخاه الفضل بن يحيى عن الخاتم ويقبضه إليه قبضاً لطيفاً، فكتب إلى أخيه: قد رأى أمير المؤمنين أن تنقل خاتم خلافته عن يمينك إلى شمالك، فكتب إليه الفضل: ما انتقلت عني نعمة صارت إليك ولا خصتك دوني.
أحمد بن يوسف الكاتب قال: أمرني المأمون أن أكتب إلى الآفاق في الاستكثار من المصابيح في المساجد، فلم أدر كيف أكتب لأنه شيء لم أسبق إليه فأسلك طريقته ومعناه، فأتاني آت في منامي وقال لي: اكتب: فإن فيها أنساً للمجتهدين، واضاء للسائلين، ونفياً لتكامن الريب، وتنزيهاً لبيوت الله ﷿ عن وحشة الظلم. فكتب بذلك.
قال: وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون في رجل من بني ضبة يستشفع إليه في زيادة في منزلته وجعل كتابته تعريضاً: أما بعد فقد استشفع بي فلان يا أمير المؤمنين لتطولك في إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته والسلام. فكتب إليه المأمون: قد عرفنا توطئتك له وتعريضك لنفسك وأجبناك إليهما ووافقناك عليهما.
وحدثنا عبد الله بن ميمون قال: تأخر الجاري من الرزق لإبراهيم بن إسحاق الموصلي عنه في أيام المأمون فكتب إليه: يا أمير المؤمنين ما فوق جودك في العاجلة مرتقى لآمالنا ولا إلى غير دولتك متطلع لقلوبنا فلم تتأخر الإفادات عنا ويعسر نيل المحبوب علينا. فقال المأمون: ما سمعت في التصريح والإشارة بالطلب أحسن من هذا، وأمر بإخراج فائته وبجائزة ثلاثمائة ألف درهم.
قال: وأولم المأمون على بعض ولده فكتب إليه إبراهيم بن المهدي: لولا البضاعة تقصر عن الهمة لأتعبت السابقين إلى البر وخفت صحيفتها وليس لي فيها ذكر فبعثت بالمبتدإ به ليمنه وبركته والمختوم به لنظافته وطيبه جراب ملح وجراب أشنان.
وكتب إبراهيم بن المهدي إلى صديق له بعث إليه بهدية: لو كانت التحفة على حسب ما يوجبه حقك بنا أداء حقك ولكنه على ما يخرج من حد الحشمة ويوجب الأنس، وقد بعثت إليك بكذا.
وحدثنا أبو الودغ قال: أول كتاب ورد على المأمون بالخلافة كتاب الحارث بن سباع الخراساني، فإنه كتب إليه: قد أظلنا أمير المؤمنين بخلافته تحت جناح الطمأنينة وبلغنا بها مدى الأمنية، فأدام الله له من كرامته ما يتطأمن له أقاصي وأداني رعيته وجعله أعز خليفة وجعلنا أسمع وأطوع رعيته. فقال المأمون للفضل بن سهل: أتعرف ما قيمة هذا الكلام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: وما هي؟ قال: تلقيك به بالسرور. فأعجبه قوله واستحسنه.
قال: وكتب عبد الله بن طاهر إلى المأمون من خراسان: بعدت داري عن أمير المؤمنين وعن ظل جناحه وعن خدمته وإن كنت حيث تصرفت لا أتفيأ إلا به وقد اشتد شوقي إلى النظر إلى رؤيته المباركة والتزين بحضور مجلسه وتلقيح عقلي بحسن رأيه، فلا شيء عندي آثر من قربه، وإن كنت في سعة من عيش وهبه الله جل ذكره لي به، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في المصير إلى دار السلام لأحدث عهداً بالنعم عليّ وأتهنأ بالنعمة التي أقرها لدي فعل. فأجابه المأمون: قربك إلي يا أبا العباس حبيب وأنا إليك مشتاق وإنما بعدت دارك عن أمير المؤمنين بالنظر لك والتخير لحسن العاقبة، فالزم مكانك واتبع قول الشاعر:
رأيت دنو الدار ليس بنافعيإذا كان ما بين القلوب بعيدا
وحدثنا خصيف بن الحارث عن أبي رجاء قال: قدم مع المأمون رجل من دهاقين الشاش وعظمائهم على عدة سلفت من المأمون له من توليته بلداً وأن يضم إليه مملكته، فطال على الرجل انتظار خروج المأمون وأمره له بذلك، فقصد عمرو بن مسعدة وسأله إنفاذ رقعة إلى المأمون من ناحيته. فقال عمرو: اكتب ما شئت فإني أوصله. قال: فتول ذلك عني يكن لك عليّ نعمتان. فكتب عمرو: إن رأى أمير المؤمنين أن يفك أسر عبده من ربقة المطل بقضاء حاجته أو يأذن له في الانصراف إلى بلده فعل إن شاء الله تعالى. فلما قرأ المأمون الرقعة دعا عمراً فجعل يعجبه من حسن لفظها وإيجاز المراد فيها. قال عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين؟ قال: الكتاب له في هذا في الوقت بما سأل لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه وبجائزة مائة ألف درهم صلة عن دناءة المطل وسماجة الإغفال. ففعل عمرو ذلك.
وحدثنا إسماعيل بن أبي شاكر قال: لما أصاب أهل مكة سنة ثمان ومائتين السيل الذي شارف الحجر ومات تحت هدمه خلق كثير كتب عبد الله بن الحسن العلوي وهو والي الحرمين إلى المأمون: يا أمير المؤمنين إن أهل حرم الله وجيران بيته وألّاف مسجده وعمرة بلاده قد استجاروا بفيء معروفك من سيل تراكمت أحداثه في هدم البنيان وقتل الرجال والنسوان واجتياح الأموال وجرف الأمتعة والأثقال، حتى ما ترك طارفاً ولا تالداً يرجع إليهما في مطعم وملبس، قد شغلهم طلب الغذاء عن الاستراحة إلى البكاء على الأمهات والأولاد والآباء والأجداد، فأجرهم يا أمير المؤمنين بعطفك عليهم وإحسانك إليهم تجد الله مكافئك عنهم ومثيبك عز الشكر لك منهم. قال:: فوجه إلهيم المأمون بالأموال الكثيرة. وكتب إلى عبد الله: أما بعد فقد وصلت شكيتك لأهل حرم مكة إلى أمير المؤمنين فتلافاهم الله بفضل رحمته وأنجدهم بسيب نعمته وهو متبع ما أسلفه إليهم بما يخلفه عليهم عاجلاً وآجلاً إن أذن الله جل وعز في تثبيت عزمه على صحة نيته فيهم. قال: فكان كتابه هذا أسرّ إلى أهل مكة من الأموال التي أنفذها إليهم.
قال أحمد بن يوسف: دخلت على المأمون يوماً ومعه كتاب يعجب به كتبه إليه عمرو بن مسعدة، فالتفت إليّ وقال: أحسبك مفكراً فيما رأيت. قلت: نعم، وقى الله أمير المؤمنين المكروه. قال: إنه ليس بمكروه ولكني قرأت كلاماً نظير الخبر خبرني به الرشيد، سمعته يقول: البلاغة التقرب من معنى البغية والتباعد من حشو الكلام ودلالة بالقليل على الكثير، فلم أتوهم أن هذا الكلام يسبك على هذه الصيغة حتى قرأت هذا الكتاب، والله لأقضين حق هذا الكلام، وكان الكتاب استعطافاً على الجند فيه كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من أجناده وقواده في الطاعة والموالاة والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند، وقد تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم. قال: فأمر بإعطائهم لثمانية أشهر.
قال: ولما بعث طاهر بن الحسين برأس محمد الأمين كتب إليه: آتى الله أمير المؤمنين من شكره ما يزيد به في نعمته عليه وأياديه لديه، فقد كان من قدر الله جل وعز في إعانة أمير المؤمنين على الظفر بحقه وسلامة الأولياء ووفاة محمد بن الرشيد ما لا دافع له من القضاء في الخلق والاستبداد بالأمر لنفوذ مشيئته فيما أحب من إعزاز وإجلال وموت وحياة، فليهنيء أمير المؤمنين فوائد تطوّل الله عليه وليعزه عن أخيه الرضى بما يؤول إليه أهل الأرض والسماء من الانقراض والفناء. فكان المأمون يقول: والله لسروري بتعزيته أوقع بقلبي من تهنئته.
قال: وكتب إليه الفضل بن سهل: أما بعد فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة فقد فرّق الكتاب بينه وبينه في الولاية والحرمة لقول الله جل وعز فيما اقتص علينا من نبإ نوح حيث يقول: إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح، ولا صلة لأحد في معصية الله ولا قطيعة فيما كانت القطيعة في ذات الله. وكتبت إلى أمير المؤمنين: وقد قتل الله جل وعز المخلوع ورداه رداء نكثه وعجّل لأمير المؤمنين ما كان ينتظر من وعده، فالحمد لله الذي رد إلى أمير المؤمنين معلوم حقه، وكبت المكايد له في خفر عهده ونقض عقده حتى رد بذلك أعلام الدين إلى سبيلها بعد دروسها والسلام.
قال: وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر: أما بعد فإن المأمون أحله الله دار كرامته رآك لأكثر الذي أنت له فيه أهلاً وقد جمع الله لك إلى حسن رأيه كان فيك جميل رأيي لما محضته من حسن الطاعة وكرم الوفاء وشكر الإحسان، وقد اتصلت الأخبار بأنك في كفاية من أولياء أمير المؤمنين وأموال خراسان وفي منعة من خاصتك وعامتك عن أن ينالك عدوك أو أحد ممن يخالفك بسوء، فاكتب بشرح ذلك إلى أمير المؤمنين ليعرفه إن شاء الله. فلما وصل كتابه قال عبد الملك لكاتبه إسماعيل بن حماد: ما تقول في هذا الكتاب؟ قال: كتاب تعريض بأنك خارج من طاعته مالك أمر نفسك دونه. قال: فأجبه عنه. فكتب إليه: أما بعد يا أمير المؤمنين فإن حزب الله وإن قلوا وأنصار المؤمنين وإن ضعفوا فهم الغالبون، وما أنا بشيء في ملاقاة عدو أوثق مني بعز دولة أمير المؤمنين، فأما الأيدي فقليلة والأموال فنزرة وفي الله وفي أمير المؤمنين أعظم الغنى. فقبل عذره وحسن موقع كتابه منه.
قال: وكتب أحمد بن إسرائيل إلى الواثق، وقد عزله عن ديوان الخراج وأمر بتقييده ليصحح حساباته: يا أمير المؤمنين بم يستحق الإذلال من أنت بعد الله ورسوله موئل عزه وإليك مفزع أمله، ولم تزل نفسه راجية لابتداء إحسانك إليه وتتابع نعمك لديه، وعينه طامحة إلى تطولك عليه ورفعك منه والزيادة في الضيعة إليه، فهب له يا أمير المؤمنين ما يزينك واعف عما لا يشينك، فما به عنك معدل ولا على غيرك معول. فأمر بإطلاقه.
قال: وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من العمل: شكري لك على ما أريد الخروج منه شكر من نال الدخول فيه.
وكتب عليّ بن هشام إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ما أدري كيف أصنع، أغيب فأشتاق وألتقي فلا أشتفي ثم يحدث لي اللقاء نوعاً من الحرقة للوعة الفرقة.
وكتب معقل إلى أبي دلف: فلان جميل الحال عند كرام الرجال وأنت إن لم ترتبطه بفضلك عليه غلبك فضل غيرك عليه.
وكتب رجل إلى أخ له: أما بعد فقد بان لنا من فضل الله جل وعز ما لا نحصيه لكثرة ما نعصيه وما ندري ما نشكر أجميل ما نشر أم قبيح ما ستر أم عظيم ما أبلى أم كثير ما عفا، غير أنه يلزمنا في الأمور شكره ويجب علينا حمده، فاستزد الله من حسن بلائه بشكرك إياه على حسن آلائه.
وكتب رجل إلى أخ له: أوصيك بتقوى الله الذي ابتدأك بإحسانه وأتم عليك نعمه بأفضاله وصبر عليك مع اقتداره ولا يغررك إمهاله فإنه ربما كان استدراجاً، عافانا الله وإياك من الاغترار بالامهال فإنه ربما كان استدراجاً، عافانا الله وإياك من الاغترار بالامهال والاستدراج بالإحسان.
قال: وكتب أبو هاشم الحراني إلى بعض الأمراء: عوضي من أمل الأمير متأخر، والصبر على الحرمان متعذر.
وكتب رجل إلى محمد بن عبد الله: إن من النعمة على المثني عليك أن يخاف الإفراط ولا يأمن التقصير ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب ولاينتهي من المدح إلى غاية إلا وجد في فضلك عوناً على تجاوزها، ومن سعادة جدك أن الداعي لك لا يعدم كثرة المادحين ومساعدة من النية على ظاهر القول.
وكتب رجل إلى أبي عبد الله بن يحيى: رأيتني فيما أتعاطاه من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر المضيء الزاهر الذي لا يخفى على ناظر، وأيقنت أني حيث أنتهي من القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن إثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.
قال: وكتب المهلب بن أبي صفرة إلى عبد الملك بن مروان لما هزم الشراة: أما بعد فإنا لقينا المارقة ببلاد الأهواز وكانت للناس جولة ثم ثاب أهل الدين والمروءة ونصرنا الله جل وعز عليهم ونزل القضاء بأمر جاوزت النعمة فيه الأمل فصاروا ردية رماحنا وضرائب سيوفنا وقتل رئيسهم في جماعة من حماتهم وذوي النيات منهم وجلا الباقون عن عسكرهم، وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأولها تماماً وكمالاً، والسلام.
وكتب المهلب إلى الحجاج في فتح الأزارقة: الحمد لله الكافي بالإسلام ما وراءه الذي لا تنقطع مواد نعمته حتى ينقطع من خلقه مواد الشكر، وإنا كنا أُعطينا من الله جل وعز على عدونا حالين يسرنا منهم أكثر مما يسوءنا ويسوءهم منا أكثر مما يسرهم، فلم يزل الله جل وعز يزيدنا وينقصهم ويعزنا ويخذلهم حتى بلغ الكتاب أجله وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.
أخبرنا ابن أبي السرح أن الحجاج أغزى جيشاً فظفروا وأن صاحب جيشه كتب إليه: الحمد لله الذي جعل لأوليائه أمام نصره موعداً قوّى به قلوبهم وقدم إلى أعدائه بين يدي خذلانه إياهم وعيداً أرعب به مفاصلهم وزعزع معه قلوبهم.
فلما بلغ هذا الموضع طوى ما كان نشره من الكتاب ولم يقرأ ما بعده ثم التفت إلى الرسول فقال: غيّرنا هذا الكلام المبتدأ به، إن العدو ولّى من غير حرب! فقال: صدق الأمير صدّق الله ظنه وأصاب أصاب الله رأيه.
قال: وكتب مروان بن محمد إلى عبد الله بن علي يوصيه بحرمة، فكتب إليه عبد الله: يا مائق إن الحق لنا في دمك والحق علينا في حرمك.
وكتب علي، رضوان الله عليه، إلى زياد ابن أبيه: لئن بلغتني عنك خيانة لأشدنّ عليك شدة أدعك فيها قليل الوفر ثقيل الظهر.
قال: وكتب رجل إلى أبي مسلم حين خرج: أحسن الله لك الصحبة وعصمك بالتقوى وألهمك التوفيق، إن الأرض لله يورثها من عباده من يشاء والعاقبة للمتقين، فسر فيها راغباً إلى الله ورسوله والرضى من هذه الأمة بالكتاب والسنة.
واعلم أن التقوى أسّ ما تبني عليه أمرك، فإن ضعف الأساس تداعى البنيان ودخل الأعداء من كل مكان، فتألف الأعلام من الرجال وسرواتهم وتصفّح عقولهم ومروءاتهم، فكلما ارتضيت رجلاً ففره عن عزائم رأيه واصرف نظرك إلى تصرّف حاله، وإن وجدته على خلاف ما أنت عليه فلا تعجل بإلقاء أمرك إليه فتدخل الوحشة منك والنفور عنك، لكن اقرعه بالحجة في رفق وسقه إلى شرك المحجة في لين حتى يتكشف لك ثوب الظلمة عن النور وتظهر لك وجوه الأمور، فإنه سيكثر أعوانك على الحق ويسهل لك منهاج الطرق. فإذا كثرت العدة من أصحابك وأمكنتك الشدة على أعدائك فحارب الفئة الباغية والأئمة الطاغية الذين أباحوا حمى المسلمين وأجروا عليهم أحكام الفاسقين وقادوهم بجرائر المهن واستذلوهم في البر والبحر.
واعلم أن من عرف الله جل وعز لم ير لأهل البغي جماعة ولا لأئمة الضلالة طاعة. وكلما غلبت على بلدة فامسك عن القتل وأظهر في أهله العدل لتسكن إليك النفوس ويثوب نحوك الناس وينتشر فعلك في الخاصة والعامة فتستدعي أهواءها وتستميل آراءها وتهش إليك من الآفاق نفوس عرانين الكرم ومصابيح الظلَم من ذوي الأحساب الكريمة والبيوت القديمة التي شرفها الإسلام وزينها الإيمان لتزرع بذلك لك المحبة في قلوب العباد ويكونوا لك دواعي في نواحي البلاد. تمم الله لك أمرك وأعلى كعبك.
قال: ولما استقامت المملكة لأبرويز وانقضى ما بينه وبين بهرام جوبين أمر أن تكتب تلك الحروب والوقائع إلى منتهاها ففعلت الكتبة ذلك وعرضته على أبرويز فلم يرض صدره. فقال غلام من أولاد الكتّاب: إن أمر الملك كتبت صدره. فقال: شأنك.
فتناول القلم وكتب: إن الدهر لم يخل في تارات عقبه وتصرفه ووجوه تنقله في حالات من العجائب ولم تنصرم فيه فنونها على طول مداه ولم يزل في تقلب عصريه وصفحات أزمنته وطبقات أحايينه تحدث فيه جلائل الأمور وغرائب الأنباء وتنجم فيه قرون وتعقب فيه أعقاب بعد أسلاف وتعفو آثار، وله في تلونه تصريف أنباء معجبة وأحاديث فيها معتبر وعظة ومختبر، ومن أعاجيب ذلك أمر بهرام بن بهرام ولقبه جوبين، فعرضه على أبرويز فأعجبه ذلك وأمر برفع درجته وتقديمه وتعظيمه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع