تجاوز إلى المحتوى

من «الموشح» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)

٩- النابغة الجعدى

حدثنا على بن سليمان الأخفش، عن أبى العباس ثعلب، قال: قال الأصمعى:

قلت لبعضهم: ما تقول فى شعر الجعدى؟ قال: صاحب خلقان، عنده مطرف بألف وخلق بدرهم.

وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا أبو بكر الباهلى، عن الأصمعى، قال ذكر الفرزدق نابغة بنى جعدة فقال: صاحب خلقان، يكون عنده مطرف بألف، وخمار بواف.

وحدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى إبراهيم بن عبد الصمد، قال:

حدثنا الكرانى، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع، قال: حدثنى الأصمعى، قال: حدثنى أبو عمرو بن العلاء، قال: سئل الفرزدق عن الجعدى، فقال: صاحب خلقان يكون عنده مطرف بألف، وخمار بواف.

قال الأصمعى: وصدق الفرزدق؛ بينا النابغة فى كلام أسهل من الزلال، وأشدّ من الصخر إذ لان فذهب. ثم أنشدنا له:

سما لك همّ ولم تطربوبت ببثّ ولم تنصب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»
وقالت سليمى أرى رأسهكناصية الفرس الأشهب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»
وذلك من وقعات المنونففيئى إليك ولا تعجبى
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»
أتين على إخوتى سبعةوعدن على ربعى الأقرب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

وبعده أبيات. ثم يقول بعدها:

فأدخلك الله برد الجنان جذلان فى مدخل طيّب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

فلان كلامه، حتى لو أنّ أبا الشّمقمق قال هذا البيت لكان رديئا ضعيفا.

قال الأصمعى: وطريق الشعر إذا أدخلته فى باب الخير لان. ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا فى الجاهلية والإسلام، فلما دخل شعره فى باب الخير من مراثى رسول الله ﷺ وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهم، لان شعره. وطريق الشعر هى طريق الفحول؛ مثل امرئ القيس وزهير والنابغة، من صفات الديار والرّحل، والهجاء والمديح، والتشبيب بالنساء، وصفة الحمر والخيل، والافتخار. فإذا أدخلته فى باب الخير لان.

حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام، قال: كان الجعدىّ مختلف الشعر مغلّبا. قال الفرزدق: مثله مثل صاحب الخلقان؛ يرى عنده ثوب خزّ وثوب عصب، وإلى جنبه سمل كساء.

وإذا قالت العرب: مغلّب، فهو مغلوب. وإذا قالوا: غلّب، فهو غالب.

غلّبت ليلى على الجعدى، وغلّب عليه أوس بن مغراء القريعى، ولم يكن إليه فى الشعر ولا قريب. وغلّب عليه عقال بن خويلد العقيلى، وكان مفحما بكلام لا بشعر.

وهجاه سوّار بن أوفى القشيرى وفاخره؛ وهجاه الأخطل بأخرة.

أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، قال: أفحم النابغة ثلاثين سنة بعد قوله الشعر؛ ثم نبغ فقال. والشعر الأول من قوله جيد، والآخر كأنه مسروق، وليس بجيد.

قال أبو حاتم: قال النابغة الجعدى، وهو ابن ثلاثين سنة، فقال ثلاثين سنة، ثم أفحم ثلاثين سنة، ثم نبغ فقال ثلاثين سنة أو قرابتها.

حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلّام قال: قال النابغة لعقال بن خويلد؛ وحدثنا على بن عبد الرحمن، قال:

أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قال: حكى أبو الورد الكلابى، قال:

قال النابغة لعقال بن خويلد العقيلى- وكان أجار بنى وائل بن معن بن مالك بن أعصر، وكانوا قتلوا رجلا من بنى جعدة، وكانوا يطالبونهم بدمه- فحذّر النابغة عقالا أن يصيبه فى ظلمه ما أصاب كليب وائل فى تعدّيه عليهم، وأن يقع بينهم ما وقع بين عبس وذبيان فى حرب داحس والغبراء من الشعر، فقال:

أبلغ عقالا أنّ غاية داحسبكفّيك، فاستأخر لها أو تقدّم

فقال عقال: لا، بل أتقدّم يا أبا ليلى. فقال النابغة:

تجير علينا واثلا فى دمائناكأنك مما نال أشياعها عم

فقال عقال: لا، بل على عمد يا أبا ليلى. فقال النابغة:

كليب لعمرى كان أكثر ناصراوأيسر جرما منك ضرّج بالدم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»
رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنةكحاشية البرد اليمانى المسهّم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»
وما علم الرمح الأصمّ كعوبهبنزوة رهط الأبلخ المتظلّم

فقال عقال: لكنّ است حامله تعلم.

وقال يحيى فى حديثه: لكن حامله يعلم فغلّب عليه عقال بهذا الكلام.

حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام، قال: حدثنى أبو الغرّاف، قال: قال النابغة الجعدى: إنى وأوس بن مغراء لنبتدر بيتا ما قلناه بعد، لوقد قاله أحدنا لقد غلّب على صاحبه.

قال ابن سلام: وكانا يتهاجيان، ولم يكن أوس إلى النابغة فى قريحة الشعر؛ وكان

النابغة فوقه؛ فقال أوس بن مغراء:

فلست بعاف عن شتيمة عامرولا حابسى عما أقول وعيدها
للشاعر أوس بن مغراء ، اقرأ القصيدة
ترى اللؤم ما عاشوا جديدا عليهموأبقى ثياب اللابسين جديدها
للشاعر أوس بن مغراء ، اقرأ القصيدة
لعمرك ما تبلى سرابيل عامرمن اللؤم ما دامت عليها جلودها
للشاعر أوس بن مغراء ، اقرأ القصيدة

فقال النابغة: هذا البيت الذى كنا نبتدر، وغلّب الناس أوسا على النابغة.

أخبرنى الصّولى عن أبى العيناء، عن الأصمعى، قال: أنشدت الرشيد أبيات النابغة الجعدى من قصيدته الطويلة:

فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقهعلى أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»
فتى كملت أعراقه غير أنهجواد فلا يبقى من المال باقيا
أشمّ طويل الساعدين شمردلإذا لم يرح للمجد أصبح غاديا

فقال الرشيد: ويله، ولم لم يروّحه فى المجد كما أغداه؟ ألا قال:

إذا راح للمعروف أصبح غاديا

فقلت: أنت والله يا أمير المؤمنين فى هذا أعلم منه بالشعر.

وأنكر على الجعدى قوله:

وشمول قهوة باكرتهافى التباشير من الصبح الأول
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لمن الدار كأنضاء الخلل»

يريد مع التباشير الأول من الصبح، فقدّم وأخر.

وقوله:

وما رابها من ريبة غير أنهارأت لمّتى شابت وشاب لداتيا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»

فأىّ ريبة أعظم من أن رأته قد شاب!

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من أولا- الشعراء الجاهليون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.