تجاوز إلى المحتوى

من «الموشح» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)

٤- الأعشى أبو بصير

أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعىّ عن الأعشى- أعشى بنى قيس بن ثعلبة- أفحل هو؟ قال: لا، ليس بفحل. قلت له: ما معنى الفحل؟ قال: يريد أنّ له مزية على غيره كمزية الفحل على الحقاق، قال: وبيت جرير يدلّك على ذلك، ثم أنشد:

وابن اللبون إذا ما لزّ فى قرنلم يستطع صولة البزل القناعيس
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الهدملة من ذات المواعيس»

حدثنى عمر بن بنان الأنماطى، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الأعلم، قال: حدثنا محمد بن سلّام، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا ابن سلّام، وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: لم يكن للأعشى بيت نادر على أفواه الناس مع كثرة شعره كأبيات أصحابه.

حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن يزيد المبّرد، قال: أنشد عبد الملك بن مروان بيت الأعشى:

أتانى يؤامرنى فى الصّبوح ليلا فقلت له غادها

فقال: أساء؛ ألا قال: هاتها.

كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أبو بكر الباهلى، عن أبى عبيدة، قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أربعة من كبار الشعراء غلبوا بالكلام، منهم الأعشى هجا ابن عمه جهنّام فقال:

دعوت خليلى مسحلا ودعا لهجهنّام جدعا للحمار المصلّم

ومسحل: شيطان الأعشى ويروى:

جدعا للهجين المذمّمفما بوّأ الرحمن بيتك بالعلا

بأكناف شرقىّ المصلّى المحرّم

فقال جهنّام: لكن فناؤك به واسع يا أبا بصير. فغلبه.

ونابغة بنى جعدة حين يقول لعقال بن خويلد:

فما يشعر الرّمح الأصمّ كعوبهبثروة رهط الأبلخ المتظلم

فقال عقال: لكن حامله يا أبا ليلى يشعر فيقدعه. فغلبه.

والأخطل قال لشقيق بن ثور- قال عمر: ويقال قاله لسويد بن منجوف:

وما جذع سوء خرّق السوس جوفهلما حمّلته وائل بمطيق

فقال شقيق: أبا مالك، أردت هجائى فمدحتنى، والله ما تحمّلنى ذهل أمرها وقد حمّلتنى أنت أمر وائل طرّا. فغلبه.

وفضالة بن شريك؛ قال لعبد الله بن الزبير:

وما لى حين أقطع ذات عرقإلى ابن الكاهليّة من معاد

فقال ابن الزبير: عيّرنى بشرّ جداتى، وهى خير عماته. فغلبه.

وحدثنى علىّ بن أبى منصور، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: لقى الأعشى عمرو بن عبد الله بن المنذر- وهو جهنّام- فشتم جهنّام الأعشى؛ فقال الأعشى:

فما أنت من أهل الحجون ولا الصّفاولا لك حقّ الشّرب من ماء زمزم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألا قل لتيا قبل مرتها اسلمي»

فقال له جهنّام: لكنك يا أبا بصير من أهله.

وقال له الأعشى فى هذه القصيدة:

وما بوّأ الرحمن بيتك فى العلابأجياد شرقىّ الصّفا والمحرّم

فقال له جهنّام: لكنك يا أبا بصير عريض المباءة بها. فغلبه بالكلام.

حدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثت عن الأصمعى أو غيره- والأغلب علىّ أنه الأصمعى- أنه سمع قول الأعشى:

كأنّ مشيتها من بيت جارتهامرّ السحابة لا ريث ولا عجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

فقال: لقد جعلها خرّاجة ولّاجة، هلّا قال كما قال الآخر:

ويكرمها جاراتها فيزرنهاوتعتلّ عن إتيانهن فتعذر

أخبرنى محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى عمن ذكره.

وحدثنى على بن عبد الرحمن الكاتب، قال: حدثنى يحيى بن على، قال: حدثنى أبو هفّان، قال: زعم الأصمعى أنّ محمد بن عمران الطّلحى القاضى قال: تناظر ربعىّ ومضرىّ فى الأعشى والنابغة، فقال المضرى للربعى: شاعركم أخنث الناس حين يقول:

قالت هريرة لما جئت زائرهاويلى عليك وويلى منك يا رجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

فقال الربعى: أفعلى صاحبكم تعوّل حيث يقول:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطهفتناولته واتّقتنا باليد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

لا، والله ما أحسن هذه الإشارة إلا مخنّث.

حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال:

حدثنا محمد بن موسى بن يحيى بن زيد بن النجّار الحنفى اليمامى، قال: حدثنى أبو بردة الثقفى اليمامى، قال: أدركت الناس وهم يزعمون أن أكذب بيت قالته العرب فى الجاهلية قول أعشى بنى قيس بن ثعلبة:

لو أسندت ميتا إلى نحرهاعاش ولم ينقل إلى قابر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»

قال أحمد بن أبى طاهر: كان الأعشى راوية المسيّب بن علس، والمسيب خاله، وكان يطرد شعره ويأخذ منه.

قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى: من الأشعار الغثّة الألفاظ، الباردة المعانى، المتكلّفة النسيج، القلقة القوافى، المضادّة للأشعار المختارة؛ قول الأعشى:

بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعاواحتلّت الغمر فالجدّين فالفرعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»

لا تسلم منها خمسة أبيات؛ ونذكرها ليوقف على التكلف الظاهر فيها:

بانت وقد أسأرت

فى النفس حاجتهابعد ائتلاف وخير الود ما نفعا
تعصى الوشاة وكان الحبّ آونةممّا يزيّن للمشغوف ما صنعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»
وكان شىء إلى شىء فغيّرهدهر يعود على تشتيت ما جمعا
وأنكرتنى وما كان الذى نكرتمن الحوادث إلا الشيب والصّلعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»
قد يترك الدهر فى خلقاء راسيةوهيا وينزل منها الأعصم الصّدعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»
وما طلابك شيئا لست مدركهإن كان عنك غراب الجهل قد وقعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»

وذكرها بأسرها.

وقال: فهذه القصيدة ستة وسبعون بيتا التكلف فيها ظاهر بيّن إلا فى ستة أبيات، وهى:

تقول بنتى وقد قرّبت مرتحلايا ربّ جنّب أبى الأتلاف والوجعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»
بذات لوث عفرناة إذا عثرتفاللعن أدنى لها من أن أقول لعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»
بأكلب كسراء النّبل ضاريةترى من القدّ فى أعناقها قطعا
يا هوذ إنك من قوم أولى حسبلا يفشلون إذا ما آنسوا فزعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»
أغرّ أبلج يستسقى الغمام بهلو قارع الناس عن أحسابهم قرعا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «جَاءَ البَرِيدُ بِقرطاسٍ يَخبُّ بِهِ»
لا يرقع الناس ما أوهى وإن جهدواطول الحياة ولا يوهنون ما رقعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»

قال: وفيها خطأ ظاهر، ولكنها بالإضافة إلى سائر الأبيات نقية بعيدة من التكلف.

والذى يوجبه نسج الشعر أن يقول: يا ربّ جنب أبى الأتلاف والأوجاع، أو التلف والوجع.

ومثل هذه القصيدة فى التكلف وبشاعة القول قوله أيضا فى قصيدة:

لعمرك ما طول هذا الزمن

فإن يتبعوا أمره يرشدواوإن يسألوا ماله لا يضن
للشاعر الأعشى، من قصيدة «لعمرك ما طول هذا الزمن»
وما إن على قلبه غمرةوما إن بعظم له من وهن
للشاعر الأعشى، من قصيدة «لعمرك ما طول هذا الزمن»
وما إن على جاره تلفةيساقطها كسقاط اللّجن
للشاعر الأعشى، من قصيدة «لعمرك ما طول هذا الزمن»
ولم يسع فى الحرب سعى امرئإذا بطنة راجعته بمكن
عليها وإن فاته أكلةتلافى لأخرى عظيم العكن
يرى همّه أبدا خصرهوهمّك فى الغزو لا فى السّمن

فمثل هذا الشعر وما شاكله يصدئ الفهم ويورث الغم.

قال: ومن الأبيات المستكرهة الألفاظ، المتفاوتة النسج، القبيحة العبارة، التى يجب الاحتراز من مثلها قول الأعشى أيضا:

أفى الطّوف خفت علىّ الرّدىوكم من رد أهله لم يرم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»

أراد لم يرم أهله.

قال: وقوله:

وأنكرتنى وما كان الذى نكرتمن الحوادث إلا الشيب والصّلعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»

فأى نكرة تكون أنكر من هذا عندها؟

وقوله:

رأت رجلا غابر الوافدينمنتشل النّحض أعشى ضريرا

وقوله:

صدّت هريرة عنّا ما تكلّمناجهلا بأمّ خليد حبل من تصل؟
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»
أإن رأت رجلا أعشى أضرّ بهريب المنون ودهر خائن خبل

قال: وقوله:

فرميت غفلة قلبه عن شاتهفأصبت حبّة قلبها وطحالها

وقوله:

استأثر الله بالوفاء وبالعدل وولّى الملامة الرجلا

أراد الإنسان.

قال: وينبغى للشاعر أن يحترز فى أشعاره ومفتتح أقواله مما يتطيّر منه، أو يستجفى من الكلام والمخاطبات، مثل ابتداء الأعشى بقوله:

ما بكاء الكبير بالأطلالوسؤالى وهل تردّ سؤالى
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ما بكاء الكبير بالأطلال»
دمنة قفرة تعاورها الصيف بريحين من صبا وشمال
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ما بكاء الكبير بالأطلال»

ومثله قول ذى الرّمّة:

ما بال عينك منها الماء ينسكبكأنّه من كلى مفريّة سرب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

قال: وينبغى للشاعر أن يتفقّد مصراع كلّ بيت حتى يشاكل ما قبله. فقد جاء من أشعار القدماء ما تختلف مصاريعه، كقول الأعشى:

وإن امرءا أهداك بينى وبينهفياف تنوفات ويهماء خيفق
لمحقوقة أن تستجيبى لصوتهوأن تعلمى أنّ المعان موفّق
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أرقت وما هذا السهاد المؤرق»

فقوله:

وأن تعلمى أنّ المعان موفق

غير مشاكل لما قبله.

وكقوله:

أغرّ أبيض يستسقى الغمام بهلو قارع الناس عن أحسابهم قرعا

فالمصراع الثانى غير مشاكل للأول، وإن كان كلّ واحد منهما قائما بنفسه.

وكقوله طرفة:

ولست بحلّال التّلاع مخافةولكن متى يسترفد القوم أرفد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

فالمصراع الثانى غير مشاكل للأول.

أخبرنى محمد بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: حدثنى عمر بن شبّة فى قول الأعشى:

ونبّئت قيسا ولم آتهوقد زعموا ساد أهل اليمن

فعيب عليه أو عابه قيس نفسه؛ فردّه فقال:

ونبئت قيسا ولم آتهعلى نأيه

حدثنى عبد الله بن أحمد، عن أبى العباس المبرد، قال: قال الأعشى:

وتبرد برد رداء العروس بالصّيف رقرقت فيه العبيرا
وتسخن ليلة لا يستطيعنباحا بها الكلب إلا هريرا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «غشيت لليلى بليل خدورا»

فتقبّل هذا الكلام واستحسن؛ ثم قيل فى عيبه: إنه أتى به فى بيتين وطوّل به الخطاب.

وأجود منه قول طرفة:

تطرد البرد بحرّ ساخنوعكيك القيظ إن جاء بقر

وقيل: هذا أجمع وأخصر.

أخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنى حذيفة بن محمد الطائى، قال: حدثنا الأصمعى، قال: كنا فى حلقة يونس، فجاءنا مروان بن أبى حفصة، فقال: أيكم يونس؟ فأومأ إليه، فجلس فقال: أصلحك الله، إنى أرى أقواما يقولون الشعر، لأن يكشف أحدهم عن سوءته فيمشى فى الطريق أحسن به من أن يظهر مثل ذلك الشعر؛ وقد قلت شعرا أعرضه عليك؛ فإن كان جيدا أظهرته، وإن كان رديئا سترته. وأنشده:

طرقتك زائرة فحىّ خيالها

قال: فقال له: يا هذا، اذهب فأظهر هذا الشعر؛ فأنت والله فيه أشعر من الأعشى- يريد فى قوله:

رحلت سميّة غدوة أجمالها

فقال له مروان: قد سؤتنى وسررتنى؛ فأما الذى سررتنى به فلارتضائك الشعر، وأما الذى سؤتنى به فلتقديمك إياى على الأعشى. قال: نعم، إن الأعشى قال:

فرميت غفلة عينه عن شاتهفأصبت حبّة قلبها وطحالها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

والطحال لا يدخل فى شىء إلا أفسده، وأنت لم تقل ذاك.

وأخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، عن جده، عن عافية بن شبيب، قال: قال مروان: لما قلت قصيدتى:

طرقتك زائرة فحىّ خيالها

قصدت باب الخليفة، فجعلت طريقى على البصرة، فمررت ببشّار فأنشدته إياها، فقال: أحسنت، أنت أشعر فيها من الأعشى فى قصيدته التى على رويّها.

قال عبد الله بن المعتز: عابوا على الأعشى قوله:

ونبئت قيسا ولم آتهوقد زعموا ساد أهل اليمن

فعابوه بهذا الشك. ويقال: إن قيسا أنكر ذلك عليه فجعل مكان: «وقد زعموا»: «على نأيه».

قال: ومما استضعف من معانيه قوله:

فرميت غفلة عينه عن شاتهفأصبت حبّة قلبها وطحالها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

وقد عابه قوم بذلك، لأنهم رأوا ذكر القلب والفؤاد والكبد يتردّد كثيرا فى الشعر عند ذكر الهوى والمحبة والشوق، وما يجده المغرم فى هذه الأعضاء من الحرارة والكرب، ولم يجدوا الطحال استعمل فى هذه الحال؛ إذ لا صنع له فيها، ولا هو مما يكتسب حرارة وحركة فى حزن ولا عشق، ولا بردا وسكونا فى فرح أو ظفر؛ فاستهجنوا ذكره.

قال: وعابوا عليه الإيطاء فى قوله:

وهل تطيق وداعا أيّها الرجل

وقوله:

ويلى عليك وويلى منك يا رجل

قال: وعابوا عليه استعماله الألفاظ العجمية فى شعره.

وأنكروا عليه قوله:

لو أسندت ميتا إلى نحرهاعاش ولم ينقل إلى قابر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»

قال: وأخبرنى بعض شيوخنا أنه أدرك الناس وهم يزعمون أن هذا البيت أكذب بيت قالته العرب.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من أولا- الشعراء الجاهليون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.