من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
من شُهَدَاء الْهوى
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَبَّاس بْن الفَرَج الرياشي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن سَلام، قَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَتًى من بني أُميَّة من ولدَ سَعِيد بْن عُثمان بْن عَفّان وَكَانَ يختلفُ إِلَى قَيْنة لبَعض قُرَيْش، وَكَانَ طَريرًا ظريفًا، وَكَانَت الْجَارِيَة تُحِبُّه وَلَا يَعْلَمُ بحبها، فَأَرَادَ يَوْمَا أَن يشكو ذَلِكَ، فَقَالَ لبَعض إخوانه: امضِ بِنَا إِلَى فُلَانَة، وانطلقا فدخلا إِلَيْهَا وتوافى فتيَان من قُرَيْش وَالْأَنْصَار، فَلَمّا جَلَست مجلسها واحتجرت بمزهرها، قَالَ الأمويُّ تغنين:
أحبكمُ حبًّا بكلِّ جوارحيفَهَل لكمُ عِلْم بِمَا لكمُ عِنْدي
وتَجْزُون بالودِّ المضاعَفِ مثلهفَإِن الْكَرِيم من جزى الْوُدَّ بالْوُدِّ
قَالَتْ نَعَمْ، وَأحسن مِنْهُ، وغنت:
للَّذي ودنا الْمَوَدَّة بالضعف وفَضْل البَادِي بِهِ لَا يُجَازَى
لَو بدا بِنَا لكم مَلأ الأرض وأقطارَ شامِها والْحِجَازَا
فَعجب الْقَوْم من سرعته مَعَ شغل قلبه، وَمن ذهنها وَحسن جوابها فازداد بهَا كَلَفًا، وصَرَّح عَمَّا فِي قلبه فَقَالَ:
أَنْت عُذْر الْفَتى إِذا هتك السِّتر وَإِن كَانَ يُوسُفَ المَعْصُومَا
من يَقُمْ فِي هَوَاكِ يَقْصُر عَنِ اللّومِ وإمّا زَالَ كَانَ مَلُوما
وَبلغ عُمَر بْن عبد الْعَزِيز وَهُوَ عَلَى المَدِينَةِ خَبَرهَا، فاشتراها بِعشر حدائق ووهبها لَهُ وَمَا يُصلحها، فَمَكثت عِنْدَهُ حولا ثُمَّ مَاتَت فرثاها، فَقَالَ:
قَدْ تمنيت جنَّة الْخلد بالجهد فأُدخلْتُها بِلَا اسْتِئْهَالِ
ثُمَّ أخرجتُ إِذْ تطعمت بالنعمة مِنْهَا والمَوْتُ أَحْمَدُ حَالِيَ
وَكرر هَذَا الشّعْر مرَارًا وقَضَى، فدُفنا مَعًا، فَقَالَ أشعب: هَذَان شَهِيدا الْهوى انحرو
اعَلَى قَبره سبعين نحرة كَمَا كبر رَسُول الله ﷺ عَلَى قبر حَمْزَة سبعين تَكْبِيرَة.
قَالَ: وَبلغ أَبَا حَازِم فَقَالَ: لَوْ مُحِبٌّ فِي اللَّه ﷿ يبلغ فِي الْحبّ هَذَا الْمبلغ فَهُوَ وَلِيٌّ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع