من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
لَا يَسْتَحْيي أَحَدُكُمْ من التّعَلُّم
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْفَتْح القلانسي، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن أبي عَمْرو الشَّيْبَانيّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أبي عَبْد الرَّحْمَن الطَّائِي، قَالَ: قَالَ لي عَبْد اللَّه بْن زَيْدُ القَيْسيّ: بَينا أَنَا وَاقِف عَلَى رَأس ابْن هُبَيْرة وَبَين يَدَيْهِ سِمَاطَانِ من وُجُوه النّاس إِذْ أقبل شَاب لَمْ أر فِي مثل جماله وكماله، حَتَّى دنا من ابْن هُبَيْرة فَسلم عَلَيْهِ بالإمرة فَقَالَ: لَهُ: أصلح اللَّه الْأَمِير، امرؤٌ قدحته كُربة، وأوحشته غُربة، ونأتْ بِهِ الدَّار، وَحل بِهِ عَظِيم، خَذَله أخلاؤُه، وشمت بِهِ أعداؤه، وأسلمه الْبعيد، وجفاه الْقَرِيب، فَقُمْت مقَاما لَا أرى لي مُعَولا ولَا حازبا إِلَّا الرَّجَاء لله تَعَالَى وحُسن عَائدة الْأَمِير، وَأَنا أصلح اللَّه الْأَمِير مِمَّن لَا تُجهل أسرته وَلَا تضيع حرمته، فَإِن رَأَى الْأَمِير - أصلحه اللَّه - أَن يسدَّ خَلتي وَيجْبر خصاصتي يفعل، فَقَالَ ابْن هُبَيْرة: مَنِ الرَّجُل؟ قَالَ: من الَّذِينَ يَقُولُ لَهُم الشَّاعِر:
فَزَارةُ بَيت العزِّ والعزُّ فِيهِمُفَزَارَة قَيسٍ حَسْبَ قيس فَعَالُها
لَهَا الْعِزَّة القصوى مَعَ الشّرف الَّذِيبناه لقيس فِي الْقَدِيم رِجالُها
وَهل أحدٌ إِن مدَّ يَوْمَا بكفهإِلَى الشَّمْسِ فِي مجْرى النُّجُوم ينالها
لهيهات مَا أعيا القرونَ الَّتِي مَضَتمآثر قيس واعتلاها فعالها
فَقَالَ ابْن هُبَيْرة: إِن هَذَا لأدبٌ حَسَنٌ مَعَ مَا أرى من حَداثة سنك، فكم أَتَى لَك من السن؟ قَالَ: تسع وَعِشْرُونَ سنة، فلحن الْفَتى، فَأَطْرَقَ ابْن هُبَيْرة كالشامت بِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَو لَحّان أَيْضا مَعَ جميل مَا أَتَى عَلَيْهِ منطقك؟ شِنْتَه وَالله بأقبح الْعَيْب، قَالَ: فأبصر الْفَتى مَا وَقع فِيهِ، فَقَالَ: إِن الْأَمِير أصلحه اللَّه عظُم فِي عَيْني وملأت هيبته صَدْرِي، فَنَطَقَ لساني بِمَا لَمْ يعرفهُ قلبِي، فوَاللَّه إِلَّا مَا أقالني الْأَمِير عثرتي عِنْدَمَا كَانَ من زلتي، فَقَالَ ابْن هُبَيْرة: وَمَا عَلَى أَحَدكُمْ أَن يتَعَلَّم الْعَرَبيَّة فيقيم بهَا أوَدَه، ويَحْضُرَ بهَا سُلْطَانَه، ويُزَيّن بهَا مشهده، وينوءَ بهَا عَلَى خصمة، أَوَ يَرْضَى أَحَدُكُمْ أَن يكون لِسَانه مثل لِسَان عَبده أَوْ أكّاره؟ وَقد أمرنَا لَك بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، فَإِن كَانَ سَبَقَك لسَانك وَإِلَّا فَاسْتَعِنْ بِبَعْض مَا أوصلناه إِلَيْك، وَلَا يستحيي أَحَدُكُمْ من التَّعَلُّم، فَإِنَّهُ لَوْلَا هَذَا اللِّسَان لَكَانَ الإِنْسَان كالبهيمة الْمُهْملَة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: أَوْ كالصورة الممثلة، قتل اللَّه الشَّاعِر حَيْث يَقُولُ:
ألم تَرَ مِفْتَاح الْفُؤاد لسانَهُإِذَا هُوَ أبْدى مَا يَقُولُ من الفَمِ
وكائِنْ ترى من صاحبٍ لَك مُعْجَبزيادتُه أَوْ نَقْصُه فِي التَّكَلُّم
لسانُ الْفَتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهفَلم يبْق إِلَّا صُورَة اللَّحْم والدمِ
قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر: فَإِن رَأَى الْأَمِير يفعل، فَالْأَحْسَن: فَإِن رَأَى فعل، أَوْ فَإِن ير يفعل ليتفق لفظ الشَّرْط وَلَفظ الْجَزَاء، وَفعل الْجَزَاء مُسْتَقْبل فِي الْمَعْنى وَإِن أَتَى بِهِ بِلَفْظ الْمُضِيّ، ومجيئه مختلط عَلَى مَا فِي هَذَا الْخَبَر صَوَاب، وَقَالَ زُهَيْر:
وَمن هاب أَسبَاب المنايا يَنَلْنَهُوَلَو نَالَ أَسبَاب السَّمَاء بسُلّمِ
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع