تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

حذف ألف الِاسْتِفْهَام

قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر: وَلَا أَدْرِي طلقت امْرَأَتي أم لَا، والفصيح وَلَا أَدْرِي أطلقت، غَيْر أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي مَوَاضِع بِغَيْر ألف اكْتِفَاء بِدلَالَة أم، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:

تَرُوح من الحَيِّ أم تَبْتَكِرْوماذا يَضُرُّك لَوْ تنتِظر

وَقَالَ آخر:

لَعَمْرك مَا أَدْرِي وَإِن كنتُ دارياشُعَيْبُ بْن سَهْم أم شُعَيب بْنِ مِنْقَرِ
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «لعمرك ما أدري وإن كنتُ داريا»

وَقَالَ ابْن أبي ربيعَة:

فوَاللَّه مَا أَدْرِي وَإِن كنتُ داريابِسبع رَمَيْن الجَمْر أم بِثَمَانِ

وَقد أجَاز قَوْمٍ حذف ألف الِاسْتِفْهَام وَإِن لَمْ تكن أم فِي الْكَلَام، وتأولوا مثل هَذَا فِي الْقُرْآن، كَقَوْلِه " هَذَا رَبِّي " واستشهدوا بقول الْهُذلِيّ:

رَفَوْني وَقَالُوا يَا خُوَيلدُ لمْ تُرَعفقلتُ وأنكرتُ الْوُجُوه: هُمُ هُمُ؟

وَقَول ابْن أبي ربيعَة:

ثُمَّ قَالُوا: تحبها؟ قلت بهراًعدد الرَّمْل والحصى والتُّرابِ وَأنكر هَذا بعض نظار

النَّحْوِيين، إِذْ فِيهِ عِنْدَهُ التباس الْخَبَر والاستخبار، وَقَالَ: الأبيات

عَلَى الْخَبَر دون الِاسْتِفْهَام.

وَقد أحسن زُفَر فِي فَصله بَيْنَ هَؤُلاءِ الثَّلَاثَة فِيمَا أفْتَوا بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَفِيمَا ضربه لسائله من الأمثل، وأمّا قَول أبي حنيفَة فَهُوَ محضُ النّظر ومَرُّ الْحق، وَلَا يجوز أَن يحكم عَلَى امْرِئ فِي زَوجته بِطَلَاقِهَا بَعْدَ صِحَة زوجيِّتها، ويقين الْعلم بِثُبُوت النِّكَاح بَينه وَبَينهَا، بظنِّ عَرَض لَهُ وحُسْبان أَنَّهُ أوقع الطَّلَاق فِي حالٍ يتَغَيَّر فِيهَا الْفَهم، ويزولُ مَعهَا التَّمْيِيز، وَهُوَ أبعد عِنْدَ ذَوي الأفهام، من أضغاث الأحلام، ورؤيا الراقد فِي الْمَنَام، من حَال الصِّحَّة الَّتِي تلْزم فِيهَا الْأَحْكَام، وتجري فِيهَا الأقلام، فأمّا مَا قَالَ سفيانُ الثّوريّ فَإِنَّهُ أَشَارَ بالاستظهار والتوقفة وَالْأَخْذ بالحزم والحيطة وَهَذِه طَريقَة أَهْلَ الْوَرع الْمُتَّقِينَ، وَذَوي الِاسْتِقْصَاء عَلَى أنفسهم من أَهْلَ الدِّين، وفُتيا أَبِي حنيفَة فِي هَذَا عين الْحق وجُلُّ الْفِقْه، وَأي هَاتين المحجّتين سلك من نزلت بِهِ هَذِهِ النَّازِلَة، وعرضَتْ لَهُ هَذِهِ الحادثةُ فَهُوَ مُصيبٌ محسن عَلَى مَا بَينا فِيهَا من الفَضْل بَيْنَ المنزلتين، وأمّا مَا أفتى بِهِ شريك وتعجّب زفُر مِنْهُ وَاقع فِي موقعه، وَلَا وَجه فِي الصِّحَّة لمّا أَشَارَ بِهِ، وَقد أصَاب زُفرٌ أَيْضا فِي الْمثل الَّذِي ضربه لَهُ، وَأرى أنَّ شَرِيكا توهم أنَّ الرّجْعَة لَا تتَحَقَّق إِلَّا مَعَ تحقق الطَّلَاق، فَأمر باستئناف تَطْلِيقَة لتصح الرّجْعَة بعْدهَا، وَهَذَا مَا لَا يحِيل فَسَاده، وَلَو كَانَ كَمَا نرى أَنَّهُ توهمه لما أثرت الرّجْعَة إِلَّا فِي التطليقة الَّتِي أوقعهَا وتيقنها دون الَّتِي أشْفق من تقدمها وَهُوَ عَلَى غَيْر يَقِين مِنْهَا، وَلَو أنَّ رَجُلا وكّل رَجُلا فِي طَلَاق زَوجته، ثُمَّ غَابَ الْوَكِيل فأشفق من تطليقه إِيَّاهَا عَلَيْهِ، وَأشْهد على رَجعتهَا وَهُوَ غَيْر عَالم بوقوعها، ثُمَّ تبين أَنَّهَا وَقعت قَبْلَ مُرَاجعَته لصحّت رجعته، وَكَذَلِكَ لَوْ كتب إِلَى زَوجته بِطَلَاقِهَا إِذَا وصل إِلَيْهَا كِتَابه، ثُمَّ أشهد عَلَى الرّجْعَة بَعْدَ الْوُصُول وَقبل انْقِضَاء الْعدة، لكَانَتْ الرّجْعَة صَحِيحَة لوقوعها بَعْدَ الطَّلَاق الَّذِي لَمْ يكن عَالما بِهِ.؟

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الْعشْرُونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.