من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
قصَّة عَجِيبَة فِي البراعة فِي علم النُّجُوم
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس البرتي، قَالَ: حُدِّثْتُ أَن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن طَاهِر كَانَ مولودًا بحدِّ السرطان، فَلَمَّا أَن كَانَ ذَات لَيْلَة جمع أَهْل بَيته، فَقَالَ: إِنِّي مولودٌ بِحَدّ السرطان، وَإِن طالع السّنة السرطان، وَإِن الْقَمَر اللَّيْلَة ينكسف فِي السرطان وَهِي لَيْلَة الْأَحَد، فَإِن نجوت فِي هَذِهِ اللَّيْلَة فسأبقى سِنِين، وَإِن تكن الْأُخْرَى فَإِنِّي ميتٌ لَا محَالة. فَقَالُوا لَهُ: بل يُطِيل اللَّه تَعَالَى.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة دَعَا غُلَاما لَهُ، كَانَ قَدْ علمة النُّجُوم، فأصعده إِلَى قبَّة لَهُ فَأعْطَاهُ بَنَادِق واصطرلابًا، وقَالَ لَهُ: خُذ الطالع فَكلما مضى من انكساف الْقَمَر دقيقة فاقذف إِلَى ببندقة حَتَّى أَعْلَم ذَلِكَ.
وَجلسَ محمدٌ مَعَ أَصْحَابه فَجعل الْغُلَام كلما مضى من انكساف الْقَمَر دقيقة رمى إِلَيْهِ ببندقة، فَلَمَّا انكسف من الْقَمَر ثُلثه قَالَ لأَصْحَابه: مَا تَقولُونَ فِي رَجُل قَاعد مَعكُمْ يقْضِي ويمضي وَقَدْ ذهب ثلث عمره، وَقَالُوا لَهُ: بل يُطِيل اللَّه تَعَالَى عمرك أَيهَا الْأَمِير.
فَلَمَّا مضى من الْقَمَر ثُلُثَاهُ عمد إِلَى جواريه فَأعتق مِنْهُنَّ من أحبّ، ووقف من ضيَاعه مَا وقف، وقَالَ لَهُم: " مَا تَقولُونَ فِي رَجُل معلم يقْضِي ويمضي، وَقَدْ ذهب ثلثا عمره، فَقَالُوا لَهُ: بل يُطِيل اللَّه عمرك أَيهَا الْأَمِير، فَلَمَّا مضى من الثَّالِث دقيقتان قَالَ لَهُم مُحَمَّد إِذا استغرق الْقَمَر فأمضوا إِلَى أَخِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن طَاهِر، ثُمّ قَامَ فاغتسل وَلبس أَكْفَانه وَتحفظ وَدخل إِلَى بيتٍ لَهُ وردَّ عَلَيْه الْبَاب واطضجع، فَلَمَّا استغرق الْقَمَر فِي الانكساف فاضت نَفسه، فَدَخَلُوا إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ ميت، فَانْطَلقُوا إِلَى عُبَيْد اللَّه أَخِيهِ ليعلموه فَإِذا عُبَيْد اللَّه أَخُوهُ فِي طيارة عَلَى الْبَاب قَدْ سبقهمْ، فَقَالَ لَهُم: أمات أَخِي؟ قَالُوا: نعم، فَقَالَ: مَا زلت آخذ لَهُ الطالع حَتَّى استغرق الْقَمَر فِي الْكُسُوف، فَعلمت أَنَّهُ قَدْ قبض، ثُمّ دخل فأكبَّ عَلَى أَخِيه باكيًا طَويلا ثُمّ خرج وَهُوَ يَقُولُ:
هد ركن الْخلَافَة الموطودزَالَ عَنْهَا السرادق الْمَمْدُود
حط فسطاطها الْمُحِيط عَلَيْهَاهوت أطنابها فَمَال العمود
يَا كسوفين لَيْلَة الْأَحَد النحس أضلتكما النُّجُوم السُّعْود
أحد كَانَ حَده، من نحوسٍ جمعتحَدهَا إِلَيْهِ الأحود
أحدٌ كَانَ حَده مثل حد السيف وَالنَّار شب فِيهَا الْوقُود
كسف الْبَدْر والأمير جَمِيعًافانجلى الْبَدْر والأمير عميد
عاود الْبَدْر نوره لتجلي - يه وَنور الْأَمِير لَا يعود
أظلمت بعده الْخلَافَة والدنيَا عَلَيْهَا كآبة وجمودُ
لأمور قَدْ كَانَ دبر مِنْهَامبرما وَقَدْ مضى وَمِنْهَا عنيد
قَدْ بكاه الْعرَاق والشرق والغرب فمنهما تهائمٌ ونجود
وَبكى حاسدوه حزنا عَليّهـ وَبكى بعده الْعَدو الحقود
يَا ابْن عَبْد الْإِلَه لَمْ يَك للموت إِلَى مَنْ سواك عَنْك محيد
قَالَ: فَلَمَّا حمل عَلَى السرير أنشأ يَقُولُ:
تداوله الأكف عَلَى سريأَلا للَّه مَا حمل السرير
أكف لَو تمد إِلَيْهِ حَياإِذا رجعت وأطولها قصير
تباشرت الْقُبُور بِهِ وأضحىتبكيه الأرامل وَالْفَقِير
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع