من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
القَوْل فِي فاضت نَفسه وفاظت
وَقَول الرَّاوِي فِي هَذَا الْخَبَر: فَلَمَّا استغرق الْقَمَر فِي الإنكساف فاضت نَفسه، مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَاتَ وَفَارق الْحَيَاة وَخرجت نَفسه، وَفِي هَذِهِ اللَّفْظَة لُغَتان محكيتان عَنِ الْعَرَب بالظاء وَالضَّاد عَلَى مَا سنبينه إِن شَاءَ اللَّه.
وَقد يُقَال: فاذ وفاز فِي هَذَا الْمَعْنى فِي أحرف كَثِيرَة.
وَقَد اخْتلف أَهْل الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ فِي مَوَاضِع مِمَّا يَأْتِي فِيهِ فاظ وفاض، وَأَنا أذكر مَا حضرني من جملَة القَوْل فِيهِ مِمَّا حُكيَ عَنِ الْعَرَب، وَمَا أروى من مَذَاهِب اللغويين فِيهِ، غَيْر مستقصٍ لجَمِيع مَا روينَاهُ لِسَعَتِهِ وغيبة كثيرٍ مِنْهُ، وَمن يقف عَلَى مَا أثْبته من هَذَا الْبَاب هَاهُنَا يشرف عَلَى مَعْرفَته، ويشرك الْعلمَاء بِهِ فِي إِدْرَاك جملَته أَوْ معظمه، إِن شَاءَ اللَّه.
فمما روينَاهُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاه مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن الطُّوسيّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدة، عَنِ الْكسَائي، قَالَ: يُقَالُ: فاظت فسه وفاض الميتُ نَفْسَهُ، وأفاظ اللَّه تَعَالَى نَفْسَهُ، قَالَ: وَبَعض بني تَمِيم يَقُولُ: فاضت نَفسه بالضاد.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: قَالَ أَبُو الْحَسَن وأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن الْحَكَم، عَنْ أَبِي الْحَسَن اللحياني، قَالَ: يُقَالُ: فاظ الْمَيِّت بالظاء، وفاض الْمَيِّت بالضاد.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِي: قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن وسيم، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوب بْن السّكيت، قَالَ: يُقَالُ: فاظ الْمَيِّت يفوظ، وفاظ يفيظ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الجهم، عَنِ الفَرَّاء، قَالَ: يُقَالُ: فاظ الْمَيِّت نَفسه بالظاء وَنصب النَّفْس، قَالَ أَبُو بَكْر، وأنشدني أَبِي، قَالَ: أَنْشدني أَبُو عِكْرمَة الضَّبِّيّ:
وفاظ ابْن حَضْرَة عانيًا فِي بُيُوتنَايمارس قدا فِي ذِرَاعَيْهِ مصحبًا
" الْمُصْحَب ": الَّذِي عَلَيْه وَبَرُه.
وقَالَ رُؤْبة:
لَا يَدْفِنُونَ مِنْهُمُ من فَاظَا
قَالَ القَاضِي: وقَالَ ابْن السِّكِّيت فِي كتَاب الْأَلْفَاظ، ويُقَالُ: فاظ الرَّجُل وفاظت نَفسه تفيظ فيظاًوفووظاً، وَقَالَ رؤبة:
لَا يفنون مِنْهُمُ من فَاظَا
أَيّ من هلك.
وقَالَ الْكسَائي: فَاظَ هُوَ نَفْسُه، وأَفَظْتُهُ أَنَا نَفْسَه، قَالَ: وقَالَ أَبُو عُبَيْدة: وَمن الْعَرَب من يَقُولُ فاضت نَفسه بالضاد، وَأنْشد لبَعض الرُّجَّاز:
اجْتمع النّاس وَقَالُوا عُرْسُزَلَحْلَحَاتٌ مائراتٌ مُلْسُ
فَفُقِّئتْ عينٌ وفاضَتْ نفسُإِذا قصاعٌ كالأكُفِّ خَمْسُ
قَالَ: وقَالَ الْكسَائي: ناسٌ من تَمِيم يَقُولُونَ: فاضت نَفسه تفيض.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِي، قَالَ: وحَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْد، عَنْ أبي عُبَيْدة، قَالَ: أَتَيْنَا رَجُلا من بني مَخْزُوم، وَكَانَ مَوْلَى ضاحية بني تَمِيم، فَوَافى دُكَيْنُ الراجز، فَقَالَ: للبواب: إِنِّي أُلاع إِلَى السجْن أدْخِلني، فَأبى البواب أَن يُدْخِلَه، فَوقف دُكَيْن الراجز عَلَى دكانٍ وَقَد انْصَرف بعضُ الْقَوْم، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
اجْتمع النَّاس وقَالُوا عُرْسُإِذا قصاع كالأكَفِّ خَمْسُ
زَلَحْلَحاتٌ قَدْ جُمِعْنَ مُلْسُفَفُقِّئَتْ عينٌ وفاظت نفسُ
فَقَالَ لَهُ البواب: من أَنْت لَا حيَّاك اللَّه؟ قَالَ: أَنَا دُكَيْنُ الراجز، فَأدْخلهُ.
قَالَ أَبُو بَكْر، قَالَ لي أَبِي، قَالَ أَحْمَد بْن عُبَيْد: أُلاع مَعْنَاهُ: أتوقَّدُ حِرصًا عَلَيْه، ويحترق فُؤَادِي طلبا لَهُ، قَالَ القَاضِي: من هَذَا قَول الْأَعْشَى:
ملمعٍ لاعَةِ الْفُؤَاد عَلَى الجحش فَلاهُ عَنْهَا فَبِئْسَ الفَالي
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الزَّلَحْلحات: الَّتِي تجول وَتذهب فكَأَنَّها لَا تَقَرُّ فِي مَوضِع وَاحِد - وَجرى بَيْنَ الْأَصْمَعِي وَأبي عُبَيْدة فِي هَذَا الْبَاب تَشَاجُرٌ ومُنَازَعة - وفاظت نفس، فَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْعَرَب لَا تَقُولُ: فاظت نَفسه وَلا فاضت نَفسه، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ: فاظ الرَّجُل إِذا مَاتَ وطَنَّ الضِّرس.
وقَالَ أَبُو عُبَيْدة: كذب الْبَاهِلِيّ - يَعْنِي الْأَصْمَعِي -: مَا هُوَ إِلا فاظت نفس.
قَالَ القَاضِي: قَول الْأَصْمَعِي: وطنَّ الضِّرس إخبارٌ مِنْهُ، لِأَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة فِي تَمام هَذَا الْبَيْت: وَطن الضرس مَكَان وفاظت نفس، وَقَدْ أَتَى فِي هَذَا أَربع رِوَايَات: فاظت نفسٌ وفاضت نفسٌ، وَطن الضرس وطَنَّتْ ضرس، وَاسْتشْهدَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة من رَأَى تَأنيث الضِّرس عَلَى معنى تَأْنِيث السِّنِّ.
وقَالَ أَبُو حَاتِم فِي الضرس: رُبمَا أنَّثوه عَلَى معنى السِّنِّ، قَالَ: وَأنكر الْأَصْمَعِي تأنيثه، قَالَ: وأنشدنا قَول دُكَيْن الراجز: ففقئت عينٌ وطنت ضِرسُ إِنَّمَا هُوَ: وطَنّ الضرس، قَالَ: فَلم يفهمهُ الَّذِي سَمعه، وَأَخْطَأ سَمعه.
قَالَ أَبُو بَكْر: قَالَ أَصْحَاب الْكسَائي والفَرَّاء وَمن نقل عَنْهُمَا، فَقَالَ: فاضت نَفسه
وفاظت نَفسه، وفاظ الْمَيِّت نَفسه وأفاظه اللَّه نَفسه.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر: قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق القَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا نصر بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ، عَنْ أبي عَمْرو بْن الْعَلَاء، قَالَ: يُقَالُ: فاظ الْمَيِّت وَلا يُقَالُ: فاظت نَفسه، وعَلى قَول من أجَاز فاضت نَفسه تفيض، قَالَ الشَّاعِر:
كَادَت النّفْسُ أَن تفيضَ عَلَيْهِإِذْ ثَوَى حَشْوَ ريطةٍ وبُرُودِ
قَالَ القَاضِي: وَأرى أَن من قَالَ: فاض الْمَيِّت مَكَان فاظ، أَخذه من قَوْلهم: فاظ الْإِنَاء إِذا طفح فَخرج مِنْهُ بعض مَا فِيهِ، وفاض الدمع: إِذا انحدر وسال، فَكَأَن النَّفْس لما ضَاقَ بهَا الْحَيّ لَمْ يحملهَا فَفَاضَتْ وسالت، يُقَالُ: نفس سَائِلَة، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْس:
ففاضتْ دُموعُ العَيْنِ منِّي صبَابةًعَلَى الَّنْحر حَتَّى بَلَّ دَمْعِيَ مَحْمَلِي
وقَالَ الْأَعْشَى:
مِن ديارٍ بالهَضْبِ هَضْبِ القَلِيبِفَاضَ مَاءُ الشُّئُونِ فَيْضَ الْغُرُوبِ
أنشدنا أَبُو مُحَمَّد بْنُ الْحَسَن بْن عُثْمَان الْبَزَّار، قَالَ: أَنْشدني مُحَمَّد ابْن الرُّومِي مَوْلَى الطاهري. فِي أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن جرير الطَّبَرِيّ:
كَانَ بَحْرًا من الْعُلُوم فَلَمَّافاضَ بالنَّفْس غاضَ بحرٌ مَعِينُ
من لَهُ بَعْدَهُ إِذا هُوَ لَا هُوَمَثْلُهُ غَيْرُهُ عَلَيْه أمينُ
وقَالَ ابْنُ السّكيت، وقَالَ الأَصْمَعِيّ: وَجَب الرَّجُل فَهُوَ وَاجِب إِذا مَاتَ، وَأنْشد لقيس بن الخطيم:
أطاعت بَنو عوفٍ أَمِيرا نَهَاهُمعَنِ السِّلْمِ حَتَّى كَانَ أوّلَ وَاجِبِ
قَالَ القَاضِي: فعلى هَذَا التَّأْوِيل قَدْ يُحمل الجبلَ الواجبُ الَّذِي فِي الْبَيْت، الَّذِي قدمنَا رِوَايَته عَنْ أَوْس بْن حجر: أَن يَكُون مَعْنَاهُ: الْمَيِّت، وَمَعْنَاهُ عِنْدِي: الْوَاقِع السَّاقِط، وَمن قَوْلهم: وَجَبَتِ الشَّمس إِذا سقط الْقُرْصُ، وقَالَ اللَّه ﵎: " فَإِذا وَجَبت جنوبها ".
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع