من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
الْكُسُوف والخسوف
قَالَ الْقَاضِي: وَرَدَ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ. وَقِيلَ فِيهِ الْكُسُوفُ وَالانْكِسَافُ بِالْكَافِ وَاللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ: خَسَفَ الْقَمَرُ بِالْخَاءِ، قَالَ اللَّهِ ﷿ " وَخسف الْقَمَر ط، وَجَاء عَنِ النَّبيّ ﷺ: " أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يُكْسَفَانِ لِمَوْتِ أحدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، وَإِنَّمَا هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﷿، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ " فِي خبرٍ ذُكِرَ فِيهِ أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِهِ.
وَقَد اخْتلف اللغويون فِي هَذَا فَقَالَ بَعضهم: يُقَالُ: كسفت الشَّمْس إِذا لحق الْكُسُوف بَعْضهَا وخسفت إِذا استغرق الْكُسُوف جَمِيعهَا.
وقَالَ بَعضهم: يُقَالُ: كسفت الشَّمْس وَخسف الْقَمَر، وَقيل: هما لُغَتَانِ بِمَعْنى وَاحِد، وقَالَ أَوْس بْن حجر فِي عَبْد اللَّه بْن فَضَالَة:
ألم تكسف الشَّمْس شمس النهار والنجم للجبل الْوَاجِب
ويروى: الْبَدْر فِيمَا أروي.
وَالصَّلَاة عِنْد الْكُسُوف سنة مَعْرُوفَة، وَقَد اخْتلف فِي صفتهَا وَعدد ركعاتها، والجهر والمخافتة فِي الْقِرَاءَة فِيهَا، وَكَانَ مَالك يرى الِاجْتِمَاع لَهَا فِي كسوف الشَّمْس دون الْقَمَر، وَكَانَ غَيره يرى الِاجْتِمَاع للصَّلَاة فِي الخسوفين مَعًا، وقَالَ جرير يرثي عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز:
الشَّمْس طالعةٌ لَيست بكاسفةٍتبْكي عَلَيْك نُجُوم اللَّيْل والقمرا
وَقَد اخْتلف الروَاة فِي رِوَايَة هَذَا الْبَيْت، فَرَوَاهُ البصريون: الشَّمْس طالعة لَيست بكاسفةٍ، وَرَوَاهُ الْكُوفِيُّونَ الشمسُ كاسفةٌ لَيست بطالعةٍ، وَرَوَاهُ بعض الروَاة: ويبكي عَلَيْك نُجُوم اللَّيْل والقمرا، وَرَوَاهُ بَعضهم: يبكي عَلَيْك نُجُوم اللَّيْل والقمرا.
وَقد اخْتلف أَصْحَاب الْمعَانِي وَأهل الْعلم من الروَاة وذووا الْمعرفَة بالإعراب من النُّحَاة فِي تَفْسِير وُجُوه هَذِهِ الرِّوَايَات وقياسها فِي الْعَرَبيَّة.
وَفِي ذكر ذَلِكَ طولٌ لَا يحْتَملهُ هَذَا الْموضع، وَقَدْ ذَكرْنَاهُ فِي مَوضِع هُوَ أولى بِهِ، عَلَى أنني سأذكر عِنْد آخر تَفْسِير مَا فِي هَذَا الْخَبَر طرفا يشرف عَلَى جملَة هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ اللَّه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع