من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
بعض مَا كَانَ يلقاه أَتبَاع البرامكة
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْعَبَّاس الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن أَبِي سَعْد، عَنْ هَاشِم بْن مُوسَى أَخِي مسرور الْكَبِير، قَالَ: حَدَّثَنِي عمي مسرور، قَالَ: لما أُصِيب يَحْيَى بْن خَالِد بْن بَرْمَك بَعَثَنِي هَارُون إِلَى جَارِيَة لَهُ كَانَتْ قَدْ ترهبت، مغنية يُقَالُ لَهَا قُرْب، وَكَانَت صاحبةَ أَمر يَحْيَى بْن خَالِد، فَقَالَ: ائْتِنِي بهَا، فدخلتُ عَلَيْهَا وَعَلَيْهَا لِبَاسُ الصُّوف، فَقلت: أجيبي أَمِير الْمُؤْمِنِين، فَقَالَت: أَنَا أَعْلَم لِمَ يَدْعُوني، وَهَذَا أمرٌ قَدْ تركتُه لِلَّهِ تَعَالَى فأحبُّ أَن تحتال لي، فأعلمتُها أَلا حِيلَة فِي ذَلِكَ.
قَالَ: فدعتْ بأثوابٍ فلبستْها ثُمّ تَقَنَّعت بسَبْعَةِ أخمرة، قَالَ: فَجئْت بهَا فدخلتُ بهَا عَلَيْه. فأقعدها ثُمّ قَالَ: هاتِ عُودًا، قَالَ: فجئتُه بِهِ، قَالَ: ادْفَعْهُ إِلَيْهَا، فَقَالَت: يَا أَمِير
الْمُؤْمِنِين! هَذَا أمرٌ تركتُه لِلَّهِ تَعَالَى ونويتُ أَلا أَفعلهُ بعد يَحْيَى بْن خَالِد، قَالَ: فألحّ فأبَتْ، فَقَالَ: يَا مَسْرُور! خُذْ مَقْرَعة وقِفْ عَلَى رَأسهَا فَإِن أبَتْ فاضربْ رَأسهَا أبدا، قَالَ: فَأَبَتْ، فضربتُها، حَتَّى تقطَّعَت السَّبْعَةُ أَخْمرة، فنظرتُ إِلَى شَعْرِها والدَّمُ قَدْ خرج من رَأسهَا، فَقَالَت: أفعل، ثُمّ تناولت الْعُودَ، فغنَّتْ:
لما رأيتُ الدِّيَارَ قَدْ دَرَسَتْأيْقنتُ أَن النَّعِيمَ لَمْ يَعُدِ
قَالَ: فواللَّهِ مَا فرغتُ حَتَّى نظرت إِلَى دموع هَارُون عَلَى لحيته، ثُمّ قَالَ: انصرفي فَقَامَتْ من بَيْنَ يَدَيْهِ وَهِي تبْكي، فَقَالَ لي: يَا مسرور! الحقها بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَقل لَهَا: يَقُولُ لَك أَمِير الْمُؤْمِنِين: اصرفيها فِيمَا تحتاجين إِلَيْهِ، واجعليني فِي حلٍّ، فَقَالَت: يَا مسرور لَا حَاجَة لي فِيهَا، وَهُوَ فِي حلٍّ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع