من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
هَذَا وَأَبِيك الشّرف
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم عَنِ الْعُتْبِي عَن أَبِيه قَالَ: ابتنى مُعَاوِيَة بِالْأَبْطح مَجْلِسا فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَمَعَهُ ابْنة قرظة، فَإِذا هُوَ بِجَمَاعَة على رحالٍ لَهُم، وَإِذا شَاب مِنْهُم قد رفع عقيرته يُغني:
من يساجلني يساجل ماجداأَخْضَر الْجلْدَة فِي بَيت الْعَرَب
قَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: عَبد اللَّه بْن جَعْفَر، قَالَ: خلوا لَهُ الطَّرِيق فليذهب. ثُمَّ إِذا هُوَ بِجَمَاعَة فيهم غُلَام يُغني:
بَيْنَمَا يذكرنني أبصرننيعِنْد قيد الْميل يسْعَى بِي الْأَغَر
قُلْنَ تعرفن الْفَتى قُلْنَ نعمقد عَرفْنَاهُ وَهل يخفى الْقَمَر
قَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: عمر بْن أَبِي ربيعَة، قَالَ: خلوا لَهُ الطَّرِيق فليذهب. قَالَ: ثُمَّ إِذا هُوَ بِجَمَاعَة وَإِذا رجل مِنْهُم يسْأَل فَقَالَ: رميت قبل أَن أحلق، وحلقت قبل أَن أرمي، لِأَشْيَاء أشكلت عَلَيْهِم من مَنَاسِك الْحَج، فَقَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: عَبد اللَّه بْن عمر، فَالْتَفت
إِلَى بنت قرظة فَقَالَ: هَذَا وَأَبِيك الشّرف، هَذَا وَالله شرف الدُّنْيَا وَشرف الْآخِرَة.
تعليقات وفوائد قَالَ القَاضِي: وَقد رُوِيَ من طَرِيق آخر أَنه قَالَ هَذَا وَالله الشّرف لَا مَا نَحن فِيهِ، وَرُوِيَ أَنه قَالَ: كَاد الْعلمَاء يكونُونَ أَرْبَابًا. وَالشعر الْمُتَقَدّم فِي هَذَا الْخَبَر: الْمَشْهُور مِنْهُ أَنه للفضل بْن الْعَبَّاس بْن عتبَة بْن أَبِي لهبٍ وَرِوَايَته الْمَعْرُوفَة:
وَأَنا الْأَخْضَر من يعرفنِيأَخْضَر الْجلْدَة فِي بَيت الْعَرَب
من يساجلني يساجل ماجدايمْلَأ الدَّلْو إِلَى عقد الكرب
وَقد ذكر أَن الفرزدق قالن لما أنْشد هَذَا الْبَيْت: مَا يساجلك إِلَّا من عض بِهن أمه. وَأما تَعْظِيم مُعَاوِيَة شَأْن عَبد اللَّه بْن عمر من أجل الْعلم فقد أحسن القَوْل فِيهِ وأنصف، ومنزلة الْعلمَاء فِي الْمُسلمين وفقههم فِي الدَّين أَعلَى وَأظْهر وَأبين وَأشهر من أَن يحْتَاج فِيهَا إِلَى إطناب وإطالةٍ وإسهاب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع