من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
أَعْرَابِي مَعَه نصيحة يدْخل على الرشيد
حَدثنَا أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن إِسْحَاق عَن أَبِيه إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي قَالَ: بَينا أَنا جَالس مَعَ الرشيد على الْمَائِدَة إِذْ دخل الْحَاجِب فَأعلمهُ أَن بِالْبَابِ أَعْرَابِيًا مَعَه نصيحة، فَأمر بإحضاره، فَلَمَّا دخل أمره بِالْجُلُوسِ على الْمَائِدَة فَفعل، وَكَانَ مَعَه صباحة وفصاحة، فَلَمَّا تمّ الْغَدَاء وَرفعت الموائد وَجَاء الْغسْل غسل يَده، ثُمَّ أَمر بِالشرابِ فأحضر، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا حالتي فِي اللبَاس، فَاسْتحْسن هَارُون ذَلِك من فعله وَأمر بِثِيَاب حسنةٍ فطرحت عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: يَا أَعْرَابِي من أَيْن؟ قَالَ: من الْكُوفَة قَالَ: أَعْرَابِي أم مولى؟ قَالَ: بل عربين قَالَ: فَمَا الَّذِي قصد بك إِلَيْنَا وَمَا نصيحتك؟ قَالَ: قصد بِي إِلَيْك قلَّة المَال وَكَثْرَة الْعِيَال، وَأما نصيحتي فَإِنِّي علمت أَنِّي لَا أصل إِلَيْك إِلَّا بهَا، قَالَ: فَأخذ إِسْحَاق الْعود فغني صَوتا يشتهيه الرشيد ويطرب عَلَيْهِ وَهُوَ:
لَيْسَ لي شَافِع إِلَيّ؟ك سوى الدمع يشفع
عِشْت بعدِي ومت قب؟لَك هَل فِيك مطمع
قسم الْحبّ خَمْسَةصَار لي مِنْهُ أَربع
فَإلَى الله أشتكيكبدا لي تقطع
فَقَالَ الرشيد كالمازح: كَيفَ ترى هَذَا يَا أَعْرَابِي؟ قَالَ: بئس وَالله مَا غنى، فَغَضب من ذلكهارون وصعب عَلَيْهِ، قَالَ إِسْحَاق: وَسقط فِي يَدي، فَقَالَ هَارُون: ويكل يَا أَعْرَابِي، وَهل يكون شَيْء أحسن من هَذَا؟ قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قولي حَيْثُ أَقُول:
لَا وحبيك لَا أصافح بالدمع مدمعا
من بَكَى شجوه استراح وإنكان موجعا
كَبِدِي فِي هَوَاك أس؟قُم من أَن تقطعا
لم تدع سُورَة الْهوىللبلى فِي مطما
قَالَ: فاستملح هَارُون ذَلِك مِنْهُ وَأمر إِسْحَاق أَن يُغْنِيه بِهِ شهرا لَا يقطعهُ عَنْهُ، وَأمر للأعرابي بِعشْرَة آلَاف درهمٍ وَصَرفه.
الْفضل بْن يحيى يودع أَصْحَابه حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى قَالَ: لما خرج الْفضل بْن يحيى إِلَى خُرَاسَان ودع أَصْحَابه ثُمَّ قَالَ:
لما دنا الْبَين بَين الْحَيّ واقتسمواحَبل النَّوَى فَهُوَ فِي أَيْديهم قطع
جَادَتْ بأدمعها سلمى وأعجلنيوَشك الْفِرَاق فَمَا أُبْقِي وَلَا أدع
يَا قلب وَيحك لَا سلمى بِذِي سلمٍوَلَا الزَّمَان الَّذِي قد مر مرتجع
أكلما مر ركب لَا يلا ئمهموَلَا يبالون أَن يشتاق من فحعوا
علقتني بهوى فيهم فقد جعلتمن الْفِرَاق حَصَاة الْقلب تنصدع
قَالَ القَاضِي: هَذِه أَبْيَات حَسَنَة. وَقَوله: واقتسموا حَبل النَّوَى من أحسن القَوْل وأظرفه.
أَبْيَات اللمصعب تعجب الرشيد حَدثنَا يزْدَاد بْن عبد الرَّحْمَن الْمروزِي قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: كَانَ هَارُون أَمِير الْمُؤمنِينَ يستنشدني كثيرا قَول أَبِي عَبد اللَّه بْن مُصعب وَيُعْجِبهُ:
وَإِنِّي وَإِن قصرت عَن غير بغضةٍمراعٍ لأسباب الْمَوَدَّة حَافظ
وَمَا زَالَ يدعوني إِلَى الصرم مَا أرىفآبى وتثنيني عَلَيْك الحفائظ
وأنتظر العتبى وأغضي على القذىأَلا ين طورا مرّة وأغالظ
وأنتظر الإقبال بالود مِنْكُموأصبر حَتَّى أوجعتني المغايظ
جربت مَا يسلي الْمُحب على الْهوىفأقصرت والتجريب للمرء واعظ
قَالَ القَاضِي: ولعمري إِن هَذِه الأبيات لمن مستحسن الشّعْر فِي مَعْنَاهَا، وَإِعْجَاب الرشيد بهَا مِمَّا ينبى عَن خلوص أدبه وصفاء قريحته.
أَبْيَات لإِبْرَاهِيم بْن الْمهْدي فِي جَارِيَة كَانَت تخدمه حَدثنَا المظفر بْن يحيى بْن أَحْمَد الشرابي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس المرثدي قَالَ حَدَّثَنَا طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّهِ الطلحي قَالَ أَنْشدني يَعْقُوب بْن عباد الزبيرِي لإِبْرَاهِيم بْن الْمهْدي، وَقد أخدمته بعض العباسيات فِي حَال استخفائه عِنْدهَا جَارِيَة وَقَالَت لَهَا: أَنْت لَهُ، فَإِن مد يَده إِلَيْك فَلَا تمتنعي وَلم يعلم بهبتها لَهُ، وَكَانَت مليحة، فجمشها يَوْمًا بِأَن قبل يَدهَا وَقَالَ:
يَا غزالا لي إِلَيْهِشَافِع من مقلتيه
وَالَّذِي أكرمت خدي؟هـ فَقبلت يَدَيْهِ
بِأبي وَجهك مَا أك؟ثر حسادي عَلَيْهِ
أَنا ضيف وَجَزَاء ال؟ ضيف إِحْسَان إِلَيْهِ
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع