تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

معنى الفرط

وَقَول النَّبِيّ ﷺ فِي ولد الْوَالِد يَموت كَانَ لَهُ فرطا: الفرط السَّابق المتقدّم كَأَنَّهُ يَقُول إِنَّه يتقدَّم أباهُ سَابِقًا لَهُ إِلَى الْجنَّة منتظرًا لَهُ. وَقد جَاءَ فِي الْخَبَر عَن النَّبِيّ ﷺ فِي الطِّفْل أَنَّهُ يظلّ بِبَاب الْجنَّة يَقُول: لَا أَدخل حَتَّى يدْخل أبواي.

وَرُوِيَ عَنْهُ أَن السقط يكون بِبَاب الْجنَّة كَذَلِك. وأصلُ الفروطِ التقدّم، يُقال للَّذي يتقدَّم الْقَوْم فِي مَسِيرهمْ لارتياد المَاء وإعداده لَهم هُوَ فارطُ الْقَوْم، قَالَ الشَّاعِر:

فاستعجلونا وَكَانُوا من صَحابتناكَمَا تعجَّل فرّاطٌ لورَّاد

وَقَالَ آخر:

فأثارَ فارُطُهمْ حَماما جثَّماأصواتها كتراطنِ الْفُرْسِ

وَقَالَ العجَّاج:

ومنهلٍ وردتُهُ التقاطالَمْ ألقَ إِذْ وردتُه فرَّاطاً
للشاعر ابو محمد الفقعسي، من قصيدة «ومنهل وردته التقاطا»

إِلَّا الحمامَ الْوُرْقِ والغطاطا

والأرق الَّذي يشبه لَونه لون الرَّماد، وَيُقَال بعيرٌ أَوْرَق وحمامة وَرْقَاء، والجميع ورقٌ، مثل أَحْمَر وحمر وأزرق وزرق، والغطاط ضرب من القطا.

وَقَالَ الله ﷿ حاكيًا عَن نبيّه مُوسَى وَهَارُون ﵉ " قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى " طه: الْمَعْنى أَن يسْبق إِلَيْنَا من بَوَادِر فِرْعَوْن مَا نكرهه. ويُقال: فَرَطَ من فلانٍ كَلَام سوء أَي سبق وَبدر. ويُقالُ فِي دُعَاء الْمُصَلِّين على من مَاتَ من أطفالِ الْمُسلمين: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لنا فرطا، أَي سَابِقًا لنا إِلَى الْجنَّة ينتظرنا. وَرُوِيَ أَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعلى آله قَالَ لَمَّا دُفِنَ عُثْمَان بن مَظْعُون: هَذَا قبرُ فرطنا، وَإنَّهُ وضعَ حَجَرًا عِنْد رَأسه، وَكَانَ أوّلَ من دُفِنَ فِي بقعةٍ ارتادها رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعلى آله من بَقِيع الْغَرْقَد، وإنَّه إِذا مَاتَ الْمَيِّت بعده قيل: يَا رَسُول الله أَيْن ندفنه؟ يَقُول: عِنْد فرطنا عُثْمَان بن مَظْعُون. وَرُوِيَ عَن عبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم أنّ أوَّل من دُفِنَ بِالبَقِيعِ أسعد بن زُرَارَة، قَالَ الْوَاقِدِيّ: هَذَا قَول الْأَنْصَار، والمهاجرون يَقُولُونَ أوَّل من دفن بِالبَقِيعِ عُثْمَان بن مَظْعُون. وَقَالَ تَعَالَى: " لَا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النَّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ " النَّحْل:. هَكَذَا قَول أَكثر الْقُرَّاء فِي معنى أنَّهم مقدّمون إِلَيْهَا يعجّلون. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر الْمدنِي وأنَّهم مفرِّطون، بِكَسْر الرَّاء وتشديدها على وَصفهم بالتفريط، وَهُوَ الإضاعة لما فِيهِ نجاتِهم، يُقالُ فرَّط فلَان فِي أمره إِذا أهمله وأضاعَ الْأَخْذ بالحزم فِيهِ، وَمن ذَلِكَ قَول لبيد بن ربيعَة العامري:

أَقْْضِي اللبانة لَا أفرِّط رِيبَةأَو أَن يلومَ بحاجةٍ لوَّامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

وَقيل: إنَّ هَذَا فِي الأَصْل من الْبَاب الَّذي قدمنَا ذكره، وَفسّر معناهُ بِأَنَّهُ أَرَادَ لَا أقدم شكًّا وَلَا ادْع رِيبَة تتقدّمني. وَقَرَأَ نَافِع: " وأنّهم مفرطون " بِكَسْر الرّاء وتخفيفها من الإفراط، يُقال أمرٌ مفرط، وَقد أفرط الإِنْسَان وَغَيره إِذا تجَاوز الْحَد وَصَارَ بذلك مفرطًا. وَقد يرجع هَذَا إِلَى الأَصْل الَّذي قدمنَا القَوْل فِيهِ وكأنّه بَدَرَ وسبقَ إِلَى تَجاوز الْحَد فَصَارَ بذلك مفرطًا. وَقد جَاءَ عَنِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعلى آله أَنَّهُ قَالَ: " أَنا فَرَطُكُمْ على الْحَوْض " أَي السَّابِق لكم إِلَيْهِ منتظرًا ورودكم عَلَيْهِ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.