تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

تَفْسِير الحَدِيث

قَالَ أَبُو بكر: قَوْله " كأنَّها عروق الأَرطى ": الأرطى شجرٌ، وَاحِدهَا أَرْطَاة، وعروق

الارطى عروقحمر، وَكَذَلِكَ عروق السدر، فشبَّه الإبلَ بعروق الأرضي لحمرتِها، وَذَلِكَ أَن أشرفَ الإبلِ عِنْد الْعَرَب حمرها. وَفِيهِ قَول آخر وَهُوَ أَنَّهُ شبَّه الْإِبِل بعروق الأرطى لضمرها، وَذَلِكَ أَن ضمرها يدل عل نجابتها وكرمها، والعربُ تشبِّه الثورَ وَالْحمار بعروق الأرطى فِي الضمر، قَالَ الشَّاعِر فِي صفة حمَار:

خاظٍ كعرق السدر يسبق غَارة الخوص النجائب
للشاعر حبيب الأعلم، اقرأ القصيدة

يَعْنِي بالخاظي الْحمار الممتلئ السَّرِيع. وَقَالَ ذُو الرمة يذكر ثورًا يحْفر عَن أصل شَجَرَة:

توخَّاه بالأَظلافِ حَتَّى كأنَّمايثير الكثابَ الْجُعْدَ عَن متنِ مِحْمَلِ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «قف العيس في أطلال مية فاسأل»

الكثاب مَا يكثب من الرمل، والمحمل وَاحِد حمائل السَّيْف، يشبه حمرةَ عروقِ الشَّجَرَة بحمرة حمائل السَّيْف. والوذر جمع الوذرة وَهِي قِطْعَة لحم مجتمعة، والهبرةُ تشبهها إِلَّا أنَّها أكبرُ مِنْهَا، وَجمع الهبرة هبر. قَالَ القَاضِي: وفضلُ حُمْرِ الإبلِ على غَيرهَا مَشْهُور، وَمن مَعْرُوف كَلَامهم قَول قَائِلهمْ: كَذَا وَكَذَا أحبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعم، فخصُّوا حمرها لشرفها. والأرطى شجرٌ مَعْرُوف عِنْد الْعَرَب، وَهِي شَجَرَة مستطيلة الْوَرق الْوَاحِدَة مِنْهَا أَرْطَاة، وَقَالَ العجاج:

باتَ إِلَى أرطاةِ حقفٍ أَحْقَفَا

وَقَالَ الشماخ فِي الْجمع.

إِذا الأرطى توسَّد أبرديهخدودُ جوازئٍ بالرمل عين
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»

وَقَالَ آخر:

وَلَوْلَا جنونُ الليلِ أدركَ ركضنابِذِي الرِّمث والأَرْطَى عياضَ بنَ ناشب

وَالشَّاهِد فِي هَذَا كَثِير جدًّا.

قَالَ القَاضِي: وَألف أرطى أثبتَ للإلحاق بالأربعة كجعفر وَسَلْهَب، وَهُوَ ثلاثيٌّ أَصله " أرط " يدلُّ على هَذَا قَوْلهم أديمٌ مأروط، أَي مدبوغٌ بالأرطى، وَإِذا سميت بِهِ رجلا لَمْ تصرفه فِي الْمعرفَة لشبهه ألف التَّأْنِيث وَأَنه معرفَة، وَانْصَرف فِي النكرَة ليفرق بَين ألف التَّأْنِيث وَبَين الْألف الزَّائِدَة لغير التَّأْنِيث.

وَفِي هَذَا الْخَبَر من حسن مخالقة النبيِّ ﷺ وجميلِ عشرته وكريم شيمته، وتأنيسه عكراش بن ذُؤَيْب وتواضعه لله بمؤاكلته، وتعليمه كَيفَ يَأْكُل أَنْوَاع الطَّعَام مؤتَلِفِه ومختلفه، مِمَّا يباهي شرِيف مَنْزِلَته، ويوازي جلالة مرتبته.

وحقَّ على كلِّ ذِي لبّ وَدين وفطرةٍ سليمَة من أهل الدَّين تقيُّل فعله واتِّبَاع سَبيله والانتهاء إِلَى مَا نَدَبَ إِلَيْهِ والتأدّب بِما اخْتَارَهُ. وَفِيمَا جَاءَ فِي هَذَا الْخَبَر أنَّ النَّبِيّ ﷺ بعد أَن أكلَ وَغسل يَدَيْهِ وَمسح بِهما وَجهه وذراعيه قَالَ: هَكَذَا الْوضُوء مِمَّا غيرت النَّار،

وَهَذَا يدلُ على أَن النَّبِيّ ﷺ أَرَادَ بِما أَمر بِهِ من الْوضُوء مِمَّا غيرت النَّار وَمَا مسَّت النَّار الْأَدَب والتنظفَ دون الْوضُوء الْمَفْرُوض على من قَامَ إِلَى الصَّلَاة. وآراء الْمُحدثين، وترتيبُ الْأَخْبَار فِيهِ تتضمنه كتبنَا فِي الْفِقْه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلِسُ السَّادس وَالثَمانون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.