من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
الْمَلائِكَةُ وَعِيدُ الْفِطْرِ
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ، حَدَّثَنَا نصر بن أَحْمد بن أَزْهَر الْخطاب قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْفَضْلِ الْيَزِيدِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ سَالِمٍ الْبَلْخِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْحِمْصِيِّ عَنْ أَبِي تَوْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَوْسٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدِ الْفِطْرِ وَقَفَتِ الْمَلائِكَةُ ﵈ فِي أَفْوَاهِ الطُّرُقِ فَنَادَوْا: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اغْدُوا إِلَى ربٍّ رحيمٍ يَأْمر بِالْخَيرِ وَيثبت عَلَيْهِ الْجَزِيلَ، أَمَرَكُمْ بِصِيَامِ النَّهَارِ فصمتم وأطعمتم رَبَّكُمْ ﷿، فَاقْبِضُوا جَوَائِزَكُمْ، فَإِذَا صلَّوا الْعِيدَ نَادَى منادٍ مِنَ السَّماء: ارْجِعُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ رَاشِدِينَ فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ ذُنُوبُكُمْ. وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْيَوْمُ فِي السَّمَاءِ يَوْمُ الْجَائِزَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَرِ مَا يُرَغِّبُ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَاعَةِ رَبِّهِمْ وَتَأْدِيَةِ فَرْضِهِ عَلَيْهِمْ وَمَا يَرْجُونَ نَيْلَهُ مِنْ ثَوَابِهِ بِحَسَبِ مَا وَعَدَهُمْ فِي كِتَابه وعَلى لِسَان رَسُوله ﷺ.
وريثُ ابْن راعي الْإِبِل حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحسن بن جريد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم عَنْ الْأَصْمَعِي قَالَ: قدم الرَّاعِي على خَالِد بن عبد الله بن بن خَالِد بن أسيد وَمَعَهُ ابنٌ لَهُ، فَمَاتَ ابْنه بِالْمَدِينَةِ، فلمّا دخل على خالدٍ سَأَلَهُ عَنْهُ فَقَالَ: مَاتَ بَعْدَمَا زَوجته وأصدقت عَنْهُ، فَأمر لَهُ بديةِ ابْنه وصداقه، فَقَالَ الرَّاعِي:
وديتَ ابنَ راعي الإِبْلِ إِذْ حانَ يومُهُوشقَّ لَهُ قبرًا بأرضكَ لاحدُ
وَقد كَانَ مَاتَ الجودُ حَتَّى نشرتهوأذكيتَ نَار الجودِ والجودُ خامدُ
فَلَا حملتْ أُنْثَى وَلَا آب آيبٌوَلَا بلَّ ذُو سقمٍ إِذا مَاتَ خالِدُ
قَالَ القَاضِي: قَول الرَّاعِي " وديتَ ابْن راعي الإبلِ ": أَرَادَ أدّيت دِيَته، يُقالُ: وديت الْقَتِيل إِذا أدّيت دِيَته إِلَى أَهله، ووديت عَنْهُ من مَالك دِيَة جِنَايَته، وَقيل إنَّ هَذَا ممَّا عابى بِهِ الكسائيُّ مُحَمَّد بن الْحَسَن فَلم يعرف الفرقَ بَينهمَا.
وأمّا قَوْله " وشقَّ لَهُ قبرًا بأرضكَ لَاحَدَّ " فإنّ وَجه الْكَلَام فِي هَذَا أَن يُقال: شقّ شاقّ ولحد لاحدٌ، ويُقال: ألحدَ ملحد، وَذَلِكَ أنّ الشق مَا كَانَ من الْحفر فِي وسط الْقَبْر، واللحد مَا كَانَ فِي جَانِبه. بيَّن هَذَا قَول النَّبِيّ ﷺ: " اللحدُ لنا والشقّ لغيرنا ". ولكنّه لَمّا كَانَ اللَّحْد شقًّا قد ميلَ بِهِ عَن الْوسط إِلَى الْجَانِب قَالَ: وشقَّ لَهُ. وأصل اللَّحْد مأخوذٌ من الْمَيْلِ، يُقالُ فِيهِ: لحد وأَلْحَدَ فِي الدَّين وَغَيره، من الْميل. وَقد قُرئ باللغتين فِي الْقُرْآن فَقَرَأَ الْجُمْهُور: " وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ الْأَعْرَاف: ": " لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ النَّحْل: وإنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ
عَلَيْنَا فصلت: ". وَقَرَأَ الْآخرُونَ الأحرف الثَّلَاثَة بِالْفَتْح؛ ومِمّن قَرَأَ كَذَلِك حَمْزَة. وَكَانَ الْكِسَائي يقْرَأ الَّتِي فِي الْأَعْرَاف وحم السَّجْدَة بِالضَّمِّ، وَيفتح الَّذِي فِي النحلِ لوضوح دلَالَته على الْميل بقوله " إِلَيْهِ " فَكَانَ أخصَّ بالدِّلالة إِلَى معنى الْميل من " فِي ". وَقد يكون مَا اخْتَارَهُ الكسائيُّ بَعيدا فِي تفريقه بَين اللَّفْظَيْنِ إِلَى الْجمع بَين اللغتين كَمَا قَالَ الله ﷿: " فمهِّل الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا الطارق: "، وَقد كَانَ الْكِسَائي يفعل هَذَا كثيرا، من ذَلِك مَا رُويَ عَنْهُ من اخْتِيَاره فِي قِرَاءَة: " لَمْ يطمثهنَّ الرَّحْمَن: " ضم عين الْفِعْل فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ وَكسرهَا فِي الآخر. وَالَّذِي اخْتَارَهُ من الْقِرَاءَة على لُغَة من يَقُول " لحد " فِي مَوضِع وعَلى لُغَة من يَقُول " ألحد " فِي غَيره حسنٌ جميلٌ عِنْدِي.
وَقَول الرَّاعِي " وَقد كَانَ مَاتَ الجودُ حَتَّى نشرته " اللُّغَة الصَّحِيحَة " أنشر الله الميّت، فَنُشِرَ هُوَ، ونشره فَهُوَ منشور لُغَة قد قُرئ بِهَا، وَقد مضى من شرح هَذَا فِيمَا تقدّم من مجالسنا هَذِه مَا نكتفي بِهِ فنستغني عَن إِعَادَته. وَقَوله " وَلَا بلَّ من سقم ": يُقالُ بلَّ الرجلُ من مَرضه وأبلَّ واستبلَّ إِذا برأَ وصحَّ، قَالَ الشَّاعِر:
إِذا بلَّ من داءٍ بِهِ ظنَّ أنَّهنجا وَبِه الداءُ الَّذِي هُوَ قَاتله
وَقَالَ الْأَعْشَى:
وكأنَّها مَحْمُوم خَيْبَر بلَّ من أوصابِها
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع