من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
هَذَا الَّذِي تعرفُ الْبَطْحَاء وطأته
حَدَّثَنِي أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن زَكَرِيّا قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن عَائِشَة قَالَ: حَدَّثَنِي أبي أَن هِشَام بن عبد الْملك حجَّ فِي خلَافَة عبد الْملك أَو الْوَلِيد، فطافَ بِالْبَيْتِ وَأَرَادَ أَن يسْتَلم الْحجر فَلم يقدر عَلَيْهِ من الزحام، فنصب لَهُ مِنْبَر فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وأطاف بِهِ أهل الشَّام، فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذْ أقبلَ عليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ ﵈ عَلَيْهِ إزارٌ ورداء، أحسن النَّاس وَجها، وأطيبهم رَائِحَة، بَين عَيْنَيْهِ سجَّادة: أَنَّهَا ركبة عير، فَجعل يطوفُ بِالْبَيْتِ، فَإِذا بلغ الحَجَر تنحَّى الناسُ حَتَّى يستلمه هَيْبَة لَهُ وإجلالا. فغاظَ ذَلِكَ هشامًا، فَقَالَ رجل من أهل الشَّام لِهشام: من هَذَا الَّذِي قد هابه النَّاس هَذِه الهيبة وأفرجوا لَهُ عَن الحَجَر؟ قَالَ هِشَام: لَا أعرفهُ، لِئَلَّا يرغب فِيهِ أهل الشَّام، فَقَالَ الفرزدق وَكَانَ حَاضرا: لكني أعرفهُ، فَقَالَ الشَّامي: من هُوَ يَا أَبَا فراس؟ فَقَالَ الفرزدق:
هَذَا الَّذِي تعرفُ الْبَطْحَاء وطأتهوَالْبَيْت يعرفُهُ والحلُّ والحَرَمُ
هَذَا ابنُ خيرِ عبادِ الله كلِّهمُهَذَا النقيّ التيُّ الطاهرُ الْعلم
إِذا رَأَتْهُ قريشٌ قَالَ قَائِلهَاإِلَى مَكَارِم هَذَا يَنْتَهِي الْكَرم
ينمي إِلَى ذرْوَة العزِّ الَّتِي قصرتعَن نيلها عَرَبُ الإسلامِ والعجم
يكَاد يُمْسكه عرفانَ رَاحَتهركنُ الحطيمِ إِذا مَا جَاءَ يسْتَلم
يغضي حَيَاء ويُغْضِي من مهابتهوَلَا يكلَّم إِلَّا حينَ يبتسم
بكفّه خيزرانٌ ريحُهُ عبقٌمن كفِّ أروعَ فِي عرنينه شمم
مشتقةٌ من رَسُول الله نَبْعَتُهُطابتْ عناصرُهُ والْخِيمُ والشِّيم
ينجابُ نورُ الْهدى عَن نورِ غرتهكَالشَّمْسِ ينجابُ عَن إشراقها الظُّلم
حمَّال أثقالِ أقوامٍ إِذا قُدِحُواحُلْو الشَّمَائِل تَحلو عِنْده نعم
هَذَا ابنُ فاطمةٍ إنْ كنت جاهلَهبجدِّه أنبياءُ اللَّه قد ختموا
اللَّه فضَّله قِدْمًا وشرَّفهجرى بذاكَ لَهُ فِي لَوْحِهِ الْقَلَم
مَنْ جدُّه دَان فضلُ الأنبياءِ لَهُوفضلُ أمته دانتْ لَهُ الْأُمَم
عمَّ البريةَ بالإحسانِ فانقشعتعَنْهَا الغياية والإملاقُ وَالظُّلم
كلتا يَدَيْهِ غياثٌ عمَّ نفعهمايستوكفانِ وَلَا يعروهما الْعَدَم
سهلُ الخليقةِ لَا تُخشى بوادرهيزينُهُ اثْنَتَانِ الْحلم وَالْكَرم
لَا يُخْلِفُ الوعدَ ميمونٌ نقيبتهرحبُ الْفِناءِ أريبٌ حينَ يعتزم
من معشرٍ حبُّهم دينٌ وبغضهمُكفرٌ وقربهمُ مَنْجًى وَمُعْتَصَم
يُسْتَدْفَعُ السوءُ والبلوى بِحبِّهمُويسترقُّ بِهِ الْإِحْسَان وَالنعَم
مقدَّمٌ بعد ذكرِ الله ذكرهمُفِي كلِّ يومٍ ومختومٌ بِهِ الْكَلم
إِن عدَّ أهلُ التقى كَانُوا أئمتهمأَو قيلَ مَنْ خَيْرُ أهلِ الأَرْض قيلَ هُمُ
لَا يَسْتَطِيع جوادٌ بُعْدَ غايتهموَلَا يدانيهم قومٌ وإنْ كَرموا
هم الغيوث إِذا مَا أمةٌ أَزَمَتْوالأُسْدُ أُسْدُ الشَّرى والبأسُ مُحْتَدِمُ
يَأْبَى لَهم أَن يحلَّ الذمُّ ساحتَهمخيمٌ كريمٌ وأيدٍ بالنَّدى هضم
لاينقص الْعُسْرُ بسطًا من أكفهمُسيان ذَلِكَ إِن أَثروا وَإِن عدموا
أيّ الْخَلَائق لَيست فِي رقابِهم لأولية هَذَا أَو لَهُ نعم
من يعرف الله يعرفْ أوَّلَّية ذَافالدّين من بَيت هَذَا ناله الْأُمَم
قَالَ: فَغَضب هِشَام وَأمر بِحَبْس الفرزدق، فحبس بعسفان بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. فبلغَ ذَلِكَ عليَّ بن الْحُسَيْن ﵈، فَبعث إِلَى الفرزدق اثْنَي عشر ألف دِرْهَم وَقَالَ: اعذر أَبَا فراس، وَلَو كَانَ عندنَا أَكثر مِنْهَا لوصلناك بِهَا.
فردَّها وَقَالَ: يَا ابْن رَسُول الله. مَا قلتُ الَّذِي قلت إِلَّا غَضبا لله وَلِرَسُولِهِ، مَا كنت لأرزأ عَلَيْهِ شَيْئا. فردَّها إِلَيْهِ وَقَالَ: بحقي عليكَ لَمَا قبلتها، فقد رأى الله مَكَانك وَعلم نيتك، فقبلها، فَجعل يهجو هشامًا، فَكَانَ مِمَّا هجاهُ بِهِ:
أيحسبني بَين الْمَدِينَة وَالَّتِيإِلَيْهَا قلوبُ النَّاس يهوي منيبها
يقلِّب رَأْسا لَمْ يكن سيدوعينين حولاوين بادٍ عيوبها
فَبعث وَأخرجه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع