من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
بعض أَنْوَاع السّير
قَالَ القَاضِي: " أوضعُ النقضَ سيرَهُ الرتكانا " أَنَّهُ يحمل على سرعَة السّير، قَالَ الله تَعَالَى: " وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ التَّوْبَة: " قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الإيضاعُ سرعَة السّير، يُقالُ: أوضعتُ بَعِيري وأوضعتُ نَاقَتي إِذا أسرعت، فَإِذا كَانَت هِيَ الفاعلة قلت: وضعت النَّاقة تضعُ وضعا، ويُقال وضع الرجلُ يضعُ إِذا سَار أسْرع سير، قَالَ دُرَيْد بْن الصمَّة:
يَا لَيْتَني فِيهَا جذعأخب فِيهَا وأضع
من الخبب والوضع. وَقد اخْتلف فِي بَيت عمر بن عبد الله بن أبي ربيعَة:
تبالهنَ بالعرفان لما عرفننيوقلن امرءٌ باغٍ أكلَّ وأوضعا
فراوه قوم هَكَذَا وَجعلُوا أكلَّ من الكلال، وَهُوَ من الذروح والإعياء، وَقَالُوا: إنَّه كدّ فِي بغاء نَاقَته، وأوضع فِي طلبَهَا، وأسرعَ مَعَ الكلال ليدركها، فاجتمعَ عَلَيْهِ الكلالُ والإيضاعُ. ورواهُ آخَرُونَ: " وقلنَ امْرُؤ باغٍ أضلَّ وأوضعا " بِمعنى أَنَّهُ أضلَّ بعيره فجدَّ فِي بغائه وأوضع فِي طلبه. وَقَوله: " النَّقْض " يريدُ الَّذِي قد هزله السّير فصارَ نِقْضًا بَالِيًا ويَجمع أنقاضًا. والزفيان كنحوه. وَقَوله: " امْرَأَة طوالة " يَعْنِي طَوِيلَة، وَهَذَا مِمَّا جَاءَ على فعيلٍ وفُعَال، يُقال رجل طويلٌ وطُوَال وطوَّال، قَالَ الراجز:
جَاءُوا بصيدٍ عجبٍ من العجبْأزيرقِ الْعَينَيْنِ طوَّال الذنبْ
ويُقال: أَمر عجبٌ وعُجَاب، قَالَ الله ﷿: " إنَّ هَذَا لشيءٌ عُجَابٌ ص: " وَمثله كَبِير وكبَّار، قَالَ الله تَعَالَى: " وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا نوح: " وَمن الْكُبَار قَول الْأَعْشَى:
كحلفةٍ من أبي رياحٍيسْمعهَا لاههُ الْكُبَارُ
وَهَذَا بَاب وَاسع واستقصاؤه يطول وَله مَوضِع هُوَ أولى بِهِ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع