من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
يَوْم بؤس وَيَوْم نعيم
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ، أَخْبَرَنَا عبد الرَّحْمَن قَالَ، قَالَ عمّي: سمعتُ
يُونُس يَقُول: كَانَ الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء جد النُّعْمَان بن الْمُنْذر ينادمه رجلَانِ من الْعَرَب خالِدُ بن الْمفضل وَعَمْرو بن مَسْعُود الأسديان، وهما اللَّذَان عَنى الشَّاعِر بقوله:
أَلا بكر الناعي بِخَيْرَيْ بني أَسدبِعَمْرو بن مسعودٍ وبالسيد الصمدْ
فَشرب لَيْلَة مَعَهُمَا فراجعاه الْكَلَام فأغضباهُ فَأمر بِهما فجُعلا فِي تابوتين ودفنا بِظَاهِر الْكُوفَة، فلمّا أصبح سألَ عَنْهُمَا فَأخْبر بذلك، فندم وركبَ حَتَّى وقف عَلَيْهِمَا وَأمر بِبِنَاء الغريين، وَجعل لنَفسِهِ يَوْمَيْنِ، يَوْم بؤس وَيَوْم نعيم فِي كلِّ عَام، فَكَانَ يضعُ سَرِيره بَينهمَا فَإِذا كَانَ فِي يَوْم نعيمه فأوّل من يطلُعُ عَلَيْهِ وَهُوَ على سَرِيره يُعطيه مائَة من الْإِبِل، إبل الْمُلُوك، وَأول من يطلع عَلَيْهِ يَوْم بؤسه يُعْطِيهِ رأسَ ظَرِبَان.
قَالَ القَاضِي: الظربان دابٌ مُنْتِنَة الرّيح.
وَيَأْمُر بِهِ فَيُذْبَحُ ويغرَّى بدمه الغريان. فَلم يزل بذلك مَا شَاءَ الله. فَبينا هُوَ ذَات يومٍ من أَيَّام بُؤسه إِذْ طلعَ عُبَيْد بن الأبرص، فَقَالَ الْملك: أَو أجلٌ بَلَغَ إناه. قَالَ: أَنْشدني يَا عُبَيْد، فقد كَانَ يُعجبني شعرك، فَقَالَ: حالَ الجريض دون القريض، وَبلغ الحزامُ الطبيين، فَقَالَ أَنْشدني:
أقفر من أهلِهِ مَلْحُوبُفالْقُطَّبياتُ فالذَّنوب
فَقَالَ:
أقفر لَهُ أهلهِ عبيدُفاليومَ يُبْدِي وَلَا يُعيد
عنّت لَهُ شقوةٌ نكودوحان مِنْهُ لَهَا ورودُ
فَقَالَ: أَنْشدني هَبَلتكَ أمكَ، قَالَ: المنايا على الحوايا، فاقل بعض الْقَوْم: أنْشد الْملك هبلتك أمك، قَالَ: لَا يرحل رحلك مَن لَيْسَ مَعَك، قَالَ لَهُ آخر: مَا أَشد جزعك من الْمَوْت، فَقَالَ:
لَا غرو من عيشةٍ نافدهوَهل غير مَا ميتةٍ واحدَه
فأبلغ بنيَّ وأعمامهمبأنّ المنايا هِيَ الراصدَه
لَهَا مدّةٌ فنفوسُ العبادِإِلَيْها وَإِن كرهت قاصدَه
فَلَا تَجزعوا لِحمام دنافللموت مَا تَلِدُ
الوالده
فَقَالَ لَهُ الْمُنْذر: لابدّ من الْمَوْت، وَلَو عرض لي أبي فِي يومي هَذَا لَمْ أجد بدًّا من ذبحه، فأمّا إِذْ كنت لَهَا وَكَانَت لَك فاختر من ثَلَاث خصالٍ: إِن شِئْت من الأكحل، وَإِن شِئْت من الأبجل، وَإِن شِئْت من الوريد. فَقَالَ: ثَلَاث خِصَال مقادها شَرّ مقاد، وحاديها شرُّ مَا حاد، وَلَا خير فِيهَا لمرتادِ، فَإِن كنت لَا بدَّ قاتلي فاسقني الْخمر حَتَّى إِذا ذهلتْ لَهَا ذواهلي، وَمَاتَتْ لَهَا مفاصلي، فشأنكَ وَمَا تُرِيدُ. فَأمر لَهُ الْمُنْذر بحاجته من الْخمر، فلمّا
أخذت مِنْهُ وَقرب ليذبح أنشأ يَقُول:
وخيَّرني ذُو البؤسِ فِي يومِ بُؤْسِهِخِصَالا أرى فِي كلّها الموتَ قد بَرقْ
كَمَا خيِّرت عادٌ من الدّهرِ مرَّةًسحائبَ مَا فِيهَا لذِي خيرةٍ أَنَقْ
سحائبُ ريحٍ لَمْ توكَّل ببلدةٍفتتركها إِلَّا كَمَا لَيْلَة الطلقْ
فَأمر بِهِ ففُصد فلمّا مَاتَ طلي بدمه الغريّان.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع