تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب الرابع الهواء والريح والنسيم والحر والبرد والظل

محمد بن علي ﵄: ما هبت الريح ليلا ولا نهارا إلا قام رسول الله ﷺ وقعد، وقال: اللهم إن كان بك اليوم سخط على أحد من خلقك بعثتها تعذيبا له، فلا تهلكنا في الهالكين. وإن كنت بعثتها رحمة فبارك لنا فيها.

فإذا قطرت قطرة قال: رب لك الحمد، ذهب السخط، ونزلت المرحمة.

هبت ببغداد ريح عاصف، جاءت بما لم تأت به ريح قط فألفي المهدي ساجدا يقول: اللهم احفظ فينا نبيك، ولا تشمت بنا أعداءنا من الأمم، وإن كنت يا رب أخذت العامة بذنبي، فهذه ناصيتي بيدك، يا

أرحم الراحمين. فلما أصبح تصدق بألف ألف درهم، وأعتق مائة رقبة، وأحج مائة رجل. وفعلت الخيزران وجلة خاصته وقواده مثل ما فعل.

فكان الناس بعد ذلك إذا ذكروا الخصب قالوا: أخصب من صبيحة ليلة الظلمة.

مطرف ﵀: لو حسبت الريح عن الناس لأنتن ما بين السماء والأرض.

الصبا موصوفة بالطيب والروح، لانخفاضها عن برد الشمال، وارتفاعها عن حر الجنوب.

السري الموصلي:

معان كأنفاس الرياح بسحرةتمر بنّوار الرياض فتعبق
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «طوى الشوق لولا بارق يتألق»

آخر:

أما ترى الجو يجلي في مسمكةوالأرض تختال في أبرادها القشب
إذا ألح حسام البرق مؤتلقافي الومض جد خطيب الرعد في الخطب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «شفاه قربا وقد أشفى على العطب»
والريح وسنى خلال الروض دانيةفما يراع لها مستيقظ الترب

نسيم الريح نسيب الروح.

مرض غسان بن عباد حين ولي الرقة فما كان ينجح فيه دواء، فقال طبيبه: أبو عباد مرضه سببه الهواء، فبعث إلى بغداد فحمل الهواء فكان يفتح كل يوم في وجهه جرابا حتى برىء.

أبو حنيفة الدنيوري: بعض الرياح أقل هبوبا من بعض، فالدبور قليلة الهبوب، وكذلك الشمال الليل هي أقل هبوبا من الجنوب. وقلما تهب الشمال وهي إذا ضرب الليل ضعفت أو سقطت، ولذلك تقول العرب في أحاديثها: إن الجنوب قالت للشمال إن لي عليك فضلا، أنا أسري وأنت لا تسرين. فقالت الشمال إن الحرة لا تسري.

[شاعر]:

تمنين الطلاق وأنت عنديبعيش مثل مشرقة الشمال

يعني بعيش طيب، فإن المشرقة الشمالية يعد لها التقاء الحر والروح عليها.

حر تصلّى فيه الحزباء ولا تصلى فيه الحرباء.

عمر بن أبي ربيعة المخزومي:

ويوم كتنور الطواهي سجرتهوألقين فيه الجزل حتى تضرما
قذفت بنفسي في أجيج سمومهوبالعنس حتى ابتل مشفرها دما

سمعها أخوه الحارث قال: الله أكبر قد أخذت في فن آخر، فلما سمع:

أؤمل أن ألقى من الناس عالمابأخباركم أو أن ألمّ مسلما

قال: إنك لفي ضلالك القديم.

حر يشبه قلب الصب، ويذيب دماغ الضبّ.

علي ﵁: توقوا البرد في أوله، وتلقوه في آخره، فإنه يفعل في الأبدان كفعله في الأشجار، أوله يحرق، وآخره يورق.

رأى الأصمعي رجلا يختال في أزيّر في يوم قرّ، فقال له: من أنت يا مقرور؟ قال: أنا ابن الوحيد أمشي الخيزلي ويدفئني حسبي.

سئل رجل عريان عما يجد في يوم قرّ، فقال: ما علي منه

كبير مؤونة، قيل: كيف؟ قال: دام بي العري فاعتاد بدني ما تعتاده وجوهكم.

قيل لأعرابي: ما أشد البرد، فقال: إذا صفت الخضراء، ونديت الغبراء، وهبت الجربياء.

دخل أبو العيناء على ابن عبد الرحمن بن خاقان في يوم شات، فقال: كيف تجد هذا اليوم؟ فقال: تأبى نعماؤك أن أجده.

أعرابي: أصبحت الشمال تتنفس الصعداء.

هبت ريح شديدة فقيل: قامت القيامة. فقال زبدة المخنث:

هذه قيامة على الريق بلا خروج الدجال ولا دابة الأرض ولا طلوع المهدي نسأل الله بركة قدومه.

أبو الحسن الطوسي صاحب الأصمعي:

هجم الشتاء ولا أملك إلا رواية العربية
وقميصا لو هبّت الريح لم تبق على عاتقي منه بقية

كان للمتوكل بيت مال يسميه بيت مال الشمال كلما هبت الريح شمالا تصدق بألف درهم.

القاضي التنوخي:

وليلة ترك البرد البلاد بهاكالقلب أشعر يأسا فهو مثلوج
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فأن بسطت يدا لم تنبسط خصراوأن تقل فيقول فيه تثبيج
فنحن فيها ولم نخرس ذوو خرسونحن فيها ولم نفلج مفاليج

قيل لأعرابي: ما أعددت للبرد؟ قال: طول الرعدة».

فنظمه ابن سكرة الهاشمي:

قيل ما أعددت للبرد فقد جاء بشدة
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
قلت دراعة عريتحتها جبة رعدة
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة

آخر:

إني لأرجو أن تموت الريحفاقعد اليوم واستريح

هو قول ذرّاء ودّ أن تهدأ الريح فيهدأ من الذراية.

تقول العرب: أبرد الأيام الأحص الورد، والأزبّ الهلّوف. فالأحص الورد: المصحي الذي تصفر شماله وتحمر آفاقه.

والأزب الهلوف: الذي تهب نكباؤه، ويكثر جهامه وقتامه من قولهم لحية هلّوفة كثيرة كبيرة.

وكلّ البرد الأيدي بالنحور، وأجمد الريق على الثغور.

قد أخضر الوجه لو جعلت ضحىنارا تأجج فوق الوجه ما احترقا

الجاحظ: الماء ليس يجمد للبرد فقط، فقد تكون الليلة باردة جدا ولا تجمد الماء، وتجمد التي هي أقل بردا منها، وقد يختلف جمود الماء في الليلة الساكنة وذات الريح.

قال: وقد أخبرني من لا ارتاب بخبره أنهم كانوا في جبل يستغنون فيه عن لبس المبطنات، ومتى صبوا الماء في إناء من زجاج جمد من ساعته، فليس جمود الماء بالبرد فقط، ولا بد من شركة ومقادير، واختلاف جواهر ومقابلات، كسرعة البرد في بعض الأدهان وإبطائه عن بعض، وكاختلاف عمل البرد في الماء المغلي والمتروك على حاله، وقد رأيت أنا بالبادية الماء قد بلغ به البرد إلى حد ما كدت أطيق أن أباشره بثغري حصرا، وهو مع ذلك على حالة لم يعمل فيه الجمود. وربما جمد ماء جيحون حتى بلغ غلظ الجمد فيه قيد ذراع فصاعدا، وشربه سهل لذيذ، لا يتكره الشارب أن يعبه عبا.

تقول العرب: الشتاء ذكر، والصيف أنثى، وذلك لقسوة الشتاء وشدته، ولين الصيف وهونه. ومن عادتهم أن يذكروا كل صعب

قاس، قالوا: داهية مذكار، أذا كانت ذات مخاوف وإفزاغ، ويوم باسل ذكر. قال:

فإنك قد بعثت عليك نحساشقيت به كواكبه ذكور

جعلها ذكورا لكون نحسها أفظع وأشد. والصيف وأن تلظى قيظه، وحمي صلاؤه، فهو بالقياس إلى الشتاء وهوله هين عندهم، لما يلقونه من البرح والبؤس الشديد، ولذلك قالت أم الحسن حين سئلت أيما أشد الشتاء أم الصيف؟ ومن يجعل الأذى كالزمانة ؟ وروي: وما جعل البئيس إلى الأذية! ولذلك تجدهم لا يعدون أن يصفوا أوار الصيف، فإذا صاروا إلى الشتاء وعجوا من وطئه عجيجا، ونوهوا باسم من آسى فيه وواسى، وأوقد نويرة، وبذل طعيما.

ابن المعتز:

والريح تجذب أهداب الإزار كماأفضى الشفيق إلى تنبيه وسنان

وله:

ونسيم يبشر الأرض بالقطر كذيل الغلالة المبلول ووجوه البلاد تنتظر الغيث انتظار المحب رجع الرسول أبو الفتح البستي:

سبحان من خص الفلز بعزةوالناس مستغنون عن أجناسه
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «سبحان من خص الفلز بعزة»
وأذل أنفاس الرياح وكل ذينفس فمفتقر إلى أنفاسه

يقال للبرد المستطاب: برد الورد، وهو برد الربيع. كما يقال للبرد الكريه: برد العجوز. ويقال: إن برد الربيع مونق، وبرد الخريف موبق.

ابن خالويه:

إذا همذان اعتادها البرد وانقضىبرغمك أيلول وأنت مقيم
فعينك عمشاء وأنفك سابلووجهك مسود البياض بهيم
وأنت أسير برد تمشّى تعلةعلى السيف تحبو مرة وتقوم
بلاد إذا ما الصيف أقبل جنةولكنها عند الشتاء جحيم

هاج برد يحول بين الكلب وهريره، والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره.

لما خلع المستعين قيل له: اختر بلدا تحله، فاختار البصرة، فقيل: هي حارة، فقال: أترونها أحر من فقد الخلافة! المأمون: من مروءة الرجل أن يوجد منه رائحة الطرفاء أيام الشتاء.

رائحة الطرفاء رائحة الظرفاء.

أبو حنيفة الدينوري: قيل للعواء عواء البرد، لأن البرد مسترعف بها، فإذا هي طلعت لم يأت إلا وهي منه في شباب، إلى أن يتناهى في بركي الشتاء.

وقال: لا يزال البرد راكدا يفري الفريّ، والثريا ترتقي، حتى إذا رئيت عشاء قد قممت، والشعريان قد استقلتا، وطلعت نثرة الأسد، فذلك حين وقعت عقارب البرد وتناهى قرصه وشدته.

تقول العرب: إذا رأيت الشعريين، يحوزهما الليل، فهناك لا يجد القرّ مزيدا.

وحوز الليل إياهما أن يكونا في حيزه فتطلعا بعد غروب الشمس، وتغيبا قبل طلوعها، فلا يكون للنهار فيهما نصيب، وذلك من لدن طلوع الهرارين إلى أن ينوء الذراع. وهو أخلص صميم الشتاء وأصرحه.

ويقولون: إذا أمسى النجم قم راس، فليله فتى وفاس.

يعنون أن الفتى يحتطب فيها بالفأس، لأنه لا بد له من الصلاء.

الأصمي: رأيت أعرابيا قد حفر قرموصا وقعد فيه في أول الشتاء، فقلت: ما صيرك إلى هذا؟ قال: شدة البرد، وأنشأ يقول:

أيا رب هذا البرد أصبح كالحاوأنت بصير عالم لا تعلم
لئن كنت يوما ما جهنم مدخليففي مثل هذا اليوم طابت جهنم

قيل لأعرابي في الشتاء: أما تصلّي: قال: البرد شديد، وما عليّ كسوة أصلّي فيها، وقال:

إن يكسني ربي قميصا وريطةأصلّ وأعبده إلى آخر الدهر
وإن لا يكن إلا بقايا عباءةمخرقة مالي على البرد من صبر

كلما كان الساتر أشد اكتنازا، كان الظل أشد سوادا. وليس يكون ظل أبرد ولا أشد سوادا من ظل جبل.

في ديوان المنظوم:

شتاء تقلص الأشداق منهوبرد يجعل الولدان شيبا
وأرض تزلق الأقدام فيهافما تمشي بها إلا دبيبا

وفيه:

أقبلت يا برد بوجه أجرديفعل بالأوجه فعل المبرد
أظلّ في البيت كمثل المقعدمنقبضا تحت الكساء الأسود
لو قيل لي أنت أمير البلدفهات للبيعة كفا تعقد

لكنت كالأقطع لم أخرج يدي

عائشة: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يبتسم. وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه.

فقلت: يا رسول الله الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية. فقال: يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا.

أبو هريرة: سمعت رسول الله يقول: الريح من روح الله.

ابن عباس: إن الملائكة لتفرح بذهاب الشتاء، رحمة بالمساكين.

أنس: يرفعه: استعينوا على قيام الليل بقائلة النهار، واستعينوا على صيام النهار بسحور الليل، واستعينوا على حر الصيف بالحجامة، واستعينوا على برد الشتاء بأكل التمر والزبيب.

الخدري، يرفعه: إذا كان يوم حار. فإذا قال الرجل: لا إله إلا الله، ما أشد حر هذا اليوم! اللهم أجرني من حر جهنم، قال الله

لجهنم: إن عبدا من عبيدي قد استجارني من حرك، وأنا أشهدك أني قد أجرته. وإذا كان اليوم شديد البرد، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم! اللهم أجرني من زمهرير جهنم، قال الله لجهنم: إن عبدا من عبيدي استجارني من زمهريرك، وإني أشهدك أني قد أجرته. قالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة برده.

بابي بن دكين:

إذا الريح من قصد العقيق تنسّمتونحن بمجراها شفى النفس طيبها
فيا جبلي غوري تهامة خلّيانسيم الصبا يخلص إليّ هبوبها
فإن الصّبا ريح إذا ما تنفستعلى كبد حرى تجلت كروبها

يحيى بن ذي الشامة المعيطي:

جاء الشتاء وليس عندي درهموبمثل ذلك قد يصاب المسلم
لبس العلوج خزوزها وفراءهاوكأنني بفناء مكة محرم

أبو صفوان بن عوانة: وضوء المؤمن في الشتاء يعدل عبادة الرهبان كلها.

محمد بن عبد العزيز: البرد عدوّ للدين.

جليس عيسى ﵇ في ظل خباء عجوز فقالت: من الذي جلس في ظل خبائنا؟ قم يا عبد الله. فقام فقعد في الشمس فقال: لست أنت أقمتني، إنما أقامني الذي لم يرد أن أصيب من الدنيا شيئا.

وقع أعرابي إلى أرض أصبهان في أيام الربيع، فاستطاب الهواء، وأنس بالأشجار، فلما جاء الشتاء قحلت الأشجار، وثلجت الأقطار، فجعل يرتعد من البرد وتخفق أحشاؤه، فقال:

بأصبهان شعثت أموريلما تقضى الصيف ذو الحرور
ورمت الآفاق بالهريروللثلج مقرونا بزمهرير
جاءت بشر مجنب عافورلولا شعار البرة البرور
أم الكبير وأبي الصغيرلم يدف مقرور من التخصير

والشمس فيها فرح المقرور

البرة: الشمس، والمجنب: الكثير، والعافور: المهلك، من قولهم:

وقع في عاثور شر، وعافور شر.

كان علي ﵇ يخرج في الشتاء، والبرد شديد في إزار ورداء خفيفين. وفي الصيف في القباء المحشو والثوب الثقيل لا يبالي، فقيل له، فقال: قال رسول الله يوم خيبر حين أعطاني الراية، وكنت أرمد، فتفل في عيني، اللهم أكفه الحر والبرد فما آذاني بعد حر ولا برد.

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.