من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
عامر بن سعيد بن راشد
وينسب إلى كعب بن الأميل الطائي، كان يهوى ابنة عمه جميلة بنت واثلة بن راشد.
قال في النزهة إن ولادتهما كانت في ليلة واحدة ونشآ غير متفرقين حين بلغا الحلم وقد اشتد كلف كل منهما بصاحبه وكان سعيد ذا ثروة وكان أخوه واثلة قد اتفق معه على تزويج ابنته من عامر فاتفق أن وقع بين تميم ومزينة فانتهبت مزينة فلم يترك لسعيد ثنية ولا ناب ووقع فيه جراح كثيرة، فمات أثر الوقعة بأيام وقد أملق أهله فامتنع وائلة من تزويج عامر وحجبت جميلة عنه فاختبل واعتوره الجنون وقال الشيزري لم يمنعه منها لاملاقه، وإنما كان أبوه يمنعه عن أن يشيع عشقها.
فلما مات أشاعه في العرب وشبب بها فامتنع عمه لما سبق لك بيانه من عادة العرب ولما اشتد به الحال أشار النساء على والدته ان تعرض عليه العذريات. فكان كلما رأى واحدة يشكرها ثم يتنفس الصعداء، ويقول ماء ولا كصداء المثل السابق. فلما كان بعد مدة قدم رجل من طيء على واثلة فخطب جميلة منه وذكر النسب فزوجها منه، فلما زفت إليه وقع عامر على الوساد فاعتزلت به أمه عن العرب لئلا يرى الزفاف.
قال الأخفش سعيد بن مسعدة، خرجت في طلب ضالة لي، فوقفت على هذا البيت أو قال نزلنا على ما لطيء فإذا أنا بخيمة منفردة فقصدتها، وأخرج الحكاية في نديم المسامرة عن أبي عمرو بن العلاء عن تميمي، فأسندها إلى الأصمعي، وأخرج الدقاق عن لاسدي أن المباشر للحكاية هو الأصمعي، وعلى كلا التقديرين، فمحل الاتفاق أن الرجل حين انتهى إلى البيت رأى عجوزاً عليها بقية الجمال ساهية متفكرة، وفي كسر البيت شخص كالخيال مسجى عليه قطيفة. قال فسألتها عنه، فقالت هو ولدي وشأنه كذا وأعادت القصة ثم قالت هل لك أن تعظه، فوعظته وزهدته حتى قلت له أنها امرأة كغيرها ألا ترى كيف يقول كثير:
هل وصل عزة إلا وصل غانيةفي وصل غانية من وصلها خلف
فقال هو مائق يعني أحمق، وأنا وامق يعني صادق الألفة، فلست كهو إنما أنا كأخي تميم يعني جميل حيث يقول:
ألا لا يضير الحب ما كان ظاهراًولكن ما أخفى الفؤاد يضير
ألا قاتل الله الهوى كيف قادنيكما قيد مغلول اليدين أسير
ثم أنشد:
ألا ما للملحة لا تعودأبخل بالمليحة أم صدود
مرضت فعادني عوّاد قوميفما لك لم ترى فيمن يعود
فقدتك بينهم فبكيت شوقاًوفقد الالف يا أملي شديد
فلو كنت المريضة لا تكونيلعدتكم ولو كثر الوعيد
ولا استبطأت غيرك فاعلميهوحولي من ذوي رحمي عديد
ثم فاضت نفسه فجزعت، فقالت العجوز لا تخف فقد استراح مما كان فيه ولكن إن أحببت كمال الصنيعة فانعه إلى الأبيات ففعلت، فخرجت جارية عليها أثر العرس وهي أجمل من رأيت فتخطت رقاب الناس حتى وقفت عليه فقبلته وأنشدت:
عداني أن أزورك يا منايامعاشر كلهم واش حسود
أذاعوا ما علمت من الدواهيوعابونا وما فيهم رشيد
فأما إذ حللت ببطن أرضوقصر الناس كلهم اللحود
فلا بقيت لي الدنيا فواقاولا لهم ولا أثري عديد
ثم خرت مية فخرج شيخ وهو يقول لئن لم أجمع بينكما حبين لأجمعن بينكما ميتين ودفنهما في قبر.
هذا ما اتفق عليه سوى الوعظ فلم يرو عن الأخفش وبعض تغيير في الأبيات فإن الأخفش لم يرو الثالث وروى التميي لم تعدني أي بدل لا تعود.
ومرضت فعادني أهلي جميعاً. وفي النزهة فما استبطأت غيرك وهو الأقعد وفي قولها عن التميمي: عداني أن أعودك يا حبيبي. معاشر فيهم وفيها أنها قالت له حين نعى بفيك الحجر المصلت من تنعي. قلت فلاناً. قالت أو قد مات. قلت نعم. وعن الأصمعي أنه حين سأله عن حاله لم ينطق فقال له من حوله أذكر له الشعر فأنشد:
سبق القضاء بأنني لك عاشقحتى الممات وأين منك مذاهبي
فأنشد:
أخلو بذكرك لا أريد محدثاًوكفى بذلك نعمة وسرورا
أبكي فيطربني البكاء وتارةيأتي فيأتي من أحب أسيرا
فإذا أتى سمج بفرقة بينناأعقبت منه حسرة وزفيرا
وفيها قال أنه عامر بن غالب وجميلة بنت أميل:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع