تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

ومنهم عمرو بن كعب بن النعمان ابن المنذر بن ماء السماء ملك العرب

المشهور

قال ابن عساكر وكان من فرسان العرب وحماتها وكرمائها وشجعانها، وان جده النعمان صاحب الخورنق هو الذي كفله حين مات أبوه وهو صغير فلما زهد النعمان في الملك كما هو مشهور، ضاع أمر الغلام. قال في الشامات فأخذه عمه أبو النجاد، فلما بلغ عنده وكان له بنت تعرف بالعقيلة، وهي من أجمل نساء العرب وأعلمهن بالأدب وأحوال العرب أياماً ووقائع، فعلقت نفس عمر بها واشتد ولوعه وزاد غرامه، خطبها إلى عمه فطلب منه مهراً يعجز عنه، فأشار عليه بعض أصحابه بالخروج إلى ابرويز بن كسرى، لما كان بين جدودهما من الوصلة.

فلما ذهب في الطريق مر بعراف، فبات عنده فاستعلم منه الأمر، فأخبره أنه ساع فيما لا يدرك، فعاد فوجد عمه قد زوج العقيلة لفزاري، فهام على وجهه إلى اليمامة، فلما بنى بها الفزاري وكان عندها من العشق لعمرو أضعاف ما عنده لها فكانت تشد الفزاري إذا جن الليل إلى كسر البيت وتبيت في الخدر، فإذا أصبح الصبح تطلقه فيستحي أن يخبر العرب بذلك، فأقام على هذا الحال سبعين ليلة.

فلما كثر توبيخ العرب له واختلاف ظنونهم به، خرج لا يدري أين ذهب، وأقامت العقيلة ببيت أبيها لا تتناول إلا الأقل مما يمسك الرمق ودأبها البكاء على عمرو وهو كذلك ولم يمكنهما الاجتماع قال الغريابي في عجيب الانفاق في تطابق أحوال القامة فمرض عمرو مرضاً كاد أن يأتي على نفسه فكان لا يرى إلا شاخصاً إلى السماء متمسكاً بسبب قد علقه بيديه من العشاء إلى الصباح وهو ينشد:

إذا جن ليلى فاضت العين أدمعاعلى الخد كالغدران أو كالسحائب
أودّ طلوع الفجر والليل قائللقد شدت الأفلاك بعد الكواكب
فما أسفي إلا على ذوب مهجتيولم أدر يوماً كيف حال الحبائب

فلما كان بعد أيام دخل عليه صديقه فوجده غاصاً بالضحك مستبشراً، فسأله فقال:

لقد حدثتني النفس أن سوف نلتقيويبدل بعد بيننا بتداني
فقد آن للدهر الخؤون بانهلتأليف ما قد كان يلتثمان

ثم شهق شهقة فاضت نفسه فيها، قال الفريابي فضبط اليوم الذي مات فيه فوجد موت عقيلة في ذلك اليوم أيضاً.

وأخرج المصنف عن ابن دريد عن الفرزدق، قال خرجت في طلب غلام آبق، فلما صرت على ماء لبني حنيفة جاءت السماء بالأمطار فلجأت إلى بيت من جريد النخل فيه جارية سوداء، فأنزلتني فلم ألبث إلا ريثما أخذت الراحة وقد دخلت لي جارية كأنها القمر، فحيت ثم قالت ممن الرجل قلت تميمي. قالت من أيها قبيلة، قلت من نهشل بن غالب، فقالت إذاً أنتم الذين يقول فيكم الفرزدق:

إن الذي سمك السماء بنى لنابيتاً دعائمه أعز وأطول
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»
بيتاً زرارة محتب بفنائهومجاشع وأبو الفوارس نهشل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»

قلت نعم، قالت قد هدمه جرير بقوله:

أخزى الذين سمك السماء مجاشعاًوأحل بيتك بالحضيض الأوهد

قال فأعجبتني فلما رأت ذلك في عيني قالت أين تؤم قلت اليمامة فتنفست الصعداء ثم قالت:

تذكرت اليمامة أن ذكرىبها أهل المروءة والكرامه
ألا فسقي المليك أجش جوناًتجود بصحة تلك اليمامه
أحيى بالسلام أبا نجيدفأهل للتحية والسلامه

قال فأنست بها فقلت أذات خدر أم ذات بعل فقالت:

إذا رقد النيام فإن عمراًتؤرقه الهموم على الصباح
تقطع قلبه الذكرى وقلبيفلا هو بالخلى ولا بصاح
سقى الله اليمامة دار قومبها عمرو يحن إلى الرواح

فقلت لها من عمرو فأنشدت:

إذا رقد النيام فإن عمراًهو القمر المنير المستنير
وما لي في التبعل من براحوإن ردّ التبعل لي أسير

ثم سكتت كأنها تسمع كلاماً ثم أنشأت تقول:

يخيل لي أبا كعب بن عمروبأنك قد حملت على سرير
فإن يك هكذا يا عمرو إنيمبكرة عليك إلى القبور

ثم شهقة شهقة فماتت.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في أحوال عشاق الجواري والكواعب وذكر ما صدر لهم من العجائب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.