تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

ومنهم ما أخرج الحافظ عن ابن دريد عن عبيد النعالي غلام أبي الهذيل

قال رجعت من تشييع جنازة وقد اشتدت الهاجرة فملت إلى ظل أتفيأ به، فسمعت صوتاً مطرباً فطرقت الباب أستسقي الماء، فخرج شاب على أحسن صورة غير أن العلة لم تبق إلا رسمه فأدخلني إلى موضع أنيق بالفرش، وجاءت جارية فغسلت رجلي ثم بعد يسير جاءت بالطست فقلت قد غسلت قالت نعم، ولكن اغسل يديك للغداء، فغسلت وجاءوا بطعام فأقبل يضاحكني ويأكل متغصصاً والعبرة تخنقه، ثم جاء بشراب فسقاني وشرب، ثم قال قم بنا إلى نديم إلي، فدخلت معه إلى بيت لطيف فيه قبر قد صب حوله الرمل، فجلسنا فشرب وسقاني ثم أنشد يقول:

أطأ التراب وأنت رهن حفيرةهالت يداي على صداك ترابها
إني لا غدر من مشى إن لم أطأجفون عيني ما حييت جنابها
لو أن حشو جوانحي متلبسبالنار اطفأ حرها وأذابها

ثم أكب على القبر مغشياً عليه، فجاءه خادم فرش عليه الماء فأفاق، وسقاني وأنشد:

اليوم ثاب لي السرور لأننيأيقنت أني عاجلاً بك لاحق
فغدا أقاسمك البلا ويسوقنيطوعاً إليك من المنية سائق

ثم قال قد وجب عليك حقي، فاحضر غداً جنازتي فدعوت له بطول البقاء وانصرفت فقال عققتني إن لم تقل:

جاور خليلك مسعداً في رمسهكيما ينالك في البلا ما ناله

فانصرفت عنه فلم أعرف نوماً حتى أصبحت فأتيته فإذا هو قد مات، فدفن إلى جانبها قلت نقل في عجيب الاتفاق وليس من شأنه هذا إن هذا الشاب كان يهوى ابنة عمه ومنع عنها زماناً، ثم مات أبوها فتزوج بها فأقام معها ثلاث ليال ثم حمت ساعة من نهار فجلس وأخذ رأسها على ركبته، فشربت الماء فشهقت وماتت فدفنها في بيته، وأقام يبكي وقد هجر الطعام والشراب واللبس والنوم، فكانت مدته إلى أن لحق بها ثلاثة عشر يوماً.

وأيضاً من نظير المسلسل ما روي عن يونس النحوي، قال نزلت بصديق لي ببادية يقال له مالك العذري فإذا نحن بامرأة تقول قد تكلم فاستبشر النساء بذلك، فسألت صديقي عن الخبر، فقال رجل منا أجب ابنة عمه وتزوجها رجل وحملها إلى الحجاز فصار ملقى على فراشه من نحول لا ينطق، فقلت أحب أن أنظره فقمنا حتى وقفنا عليه، فقالت أمه يا ولدي هذا عمك مالك ففتح عينيه وأنشد:

ليبكني اليوم أهل الود والشفقلم يبق من مهجتي إلا شفا رمق
اليوم آخر عهد بالحياة فقدأطلقت من ربقة الأحزان والقلق

ثم تنفس فإذا وميت فقمنا عنه، فلما رجعنا إذا نحن بشابة بيضاء ناعمة الثياب تبكي بحرقة وجزع فسألناها عن السبب فأنشدت:

اليوم أبكي لصب شف مهجتهطول السقام وأضنى جسمه الكمد
يا ليت من خلف القلب المقيم بهعندي فأشكو إليه بعض ما أجد
انشر تربك أسرى لي النسيم بهأم أنت حيث يناط السحر والكبد

ثم شهقت شهقة وماتت، فإذا هي تهوى الشاب قلت. قال في النزهة عن الرياشي عن يونس هذا، قال اجتمعت بصديق بعد ذلك اليوم، بمدة لا تزيد عن شهرين.

فقال لي أتعرف الشاب الذي مات يوم كذا. قلت نعم، قال قدم علينا الحجازي زوج ابنه عمه فأخبر أن المرأة من لدن حملها لم تنفك عن المرض، حتى قضيت يوم كذا فإذا هو اليوم الذي مات فيه الشاب.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في أحوال عشاق الجواري والكواعب وذكر ما صدر لهم من العجائب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.