تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

ومنهم ما حكاه معبد المغني

قال بينما أنا جالس إذ طرق بابي فقلت للغلام أخرج فانظر من بالباب، فخرج وعاد مستأذناً، فأذنت فدخل غلام فوضع بين يدي ثلثمائة دينار وقال غن لي:

بالله يا طرفي الجاني على كبديلتطفئن بدمعي لوعة الحزن
لا لا أبو حنّ حتى يحجبوا سكنيفلا أراه ولو أدرجت في الكفن

فعملت لهما لحناً شجياً وغنيته به فأغمى عليه فنضحت عليه الماء، فلما أفاق جعل يقبل يدي ورجلي على أن أعيد الصوت فقلت أخشى أن تموت فقال من لي بذلك فغنيته الصوت فخر مغشياً عليه فلم أزل أنضجه بالورد والطيب حتى أفاق فوضعت الدنانير بين يديه، وقلت خذها وامض عني، فقال لك مثلها إن أعدته فشرهت عيني، فقلت له إن أقمت عندي وأكلت طعامي حتى تقوي نفسك وأخبرتني بقصتك أعدته ففعل وحدثني أنه خرج غب سماء وقد سال العقيق مع فتية إلى منتزه فإذا هم بنسوة بينهن فتاة قد فضحت الشمس بعينين لا يرتدان إلا باقتناص النفس فأوقعت به وعاد مسلوب العقل فأقام لا يعرف لها خبراً حتى كاد أن يقضي عليه فقالت له قرابته، لا بأس عليك إذا أربع الوقت خرجنا بك ولا نعود إلا بخبرها، قال فلما جاء الابان خرجنا إلى المنتزه، فإذا نحن والنسوة كفرسي رهان فقلت لبعض قرابتي قولوا لهذه الجارية لقد أحسن من قال:

رمتني بسهم أقصد القلب وانتنتوقد غادرت جرحاً به وندوبا

فقالت الجارية قد أحسن من أجاب:

بنا مثل ما نشكو فصبراً لعلنانرى فرجاً يشفي السقام قريبا

فأمسكت عن الجواب وتبعتها حتى عرفت المنزل فكنا نجتمع ونتحادث إلى أن علم أهلها فحجبوها وخطبتها فامتنعوا محتجين بالشهرة فها أنا على ما ترى. قال معبد فغنيته الصوت، ومضى فلما حضرت مع جعفر غنيته إياه فطرب وسأل عنه فأخبرته القصة فأمرني بإحضاره فأحضرته إليه فطيب قلبه وذهب إلى الخليفة فحدثه بالحديث، فاستحضرتا جميعاً وطلب أن أغنيه الصوت فغنيته فطرب وكتب إلى عامله على الحجاز بإحضار الرجل وأهله، فلما حضروا أمهرها الخليفة وزوجها منه.

ومنهم رجل عذري دخل على معاوية في جمع، فلما أخذ كل مجلسه قام فأنشد:

معاوي يا ذا الحلم والفضل والعقلوذا البر والاحسان والجود والبزل
أتيتك لما ضاق في الأرض مسلكيوأنكرت مما قد أصيب به عقلي
ففرج كلاك الله عني فإننيلقيت الذي لم يلقه أحد قبلي
وخذ لي هداك الله حقي من الذيرماني بسهم كان أهونه قتلي
وكنت أرجى عدله إذا أتيتهفأكثر تردادي مع الحبس والكبل
فطلقتها من جهد ما قد أصابنيفهذا أمير المؤمنين من العدل

فاستدناه وقال له ما شأنك، قال تزوجت ابنة عمي وكانت من المبررات في الجمال والحياء، فأنفقت عليها إلى أن أملقت، فرفع أبوها القصة إلى ابن أم الحكم فضيق علي السجن والقيود حتى طلقت كارهاً، فأعطى أباها عشرة آلاف درهم وتزوج بها فأتيتك مستغيثاً بعدلك، فكتب معاوية إليه يغلظ عليه ويأمره بالتخلي عنها، ويقول في آخر الكتاب:

ركبت ذنباً عظيماً لست أعرفهفاستغفر الله من جور أمرىء زاني
قد كنت تشبه صوفياً له كتبمن الفرائض أو آيات فرقان
حتى أتاني الفتى العذري منتحباًيشكو إليّ بحق غير بهتان
أعطى الإله عهوداً لا أخيس بهاأولاً فبرئت من ديني وإيماني
إن أنت راجعتني فيما كتبت بهلأجعلنك لحماً بين عقبان
طلق سعاد وفارقها بمجتمعواشهد على ذاك نصر أو ابن ظبيان
فما سمعت كما بلغت من عجبولا فعالك حقاً فعل إنسان

فلما وقف عليه، قال وددت لو خلي بيني وبينها سنة، ثم عرضني على السيف ثم طلقها فأخرجها، فلما وصلت إلى معاوية وقد تعجب الناس من حسنها، وقالوا هذه لا تصلح لأعرابي، إنما تكون لأمير المؤمنين فعجب بها ثم استنطقها، فإذ هي فتنة فقال له هل لك عوض عنها، قال نعم إذا بان رأسي عن بدني، ثم أنشد:

لا تجعلني والأمثال تضرب بيكالمستجير من الرمضاء بالنار
أردد سعاد على حران مكتئبيمسي ويصبح في همّ وتذكار
قد شفه قلق ما مثله قلقوأشعر القلب منه أي أشعار
والله والله لا أنسى محبتهاحتى أغيب في رمس وأحجار
كيف السلو وقد هام الفؤاد بهاوأصبح القلب عنها غير صبار

فغضب معاوية من ذلك وخيرها بينه وبين ابن أم الحكم وبين ابن عمها، فأنشدت:

هذا وإن أصبح في اطماروكان في نقص من اليسار
أكبر عندي من أبي وجاريوصاحب الدرهم والدينار
أخشى إذا غدرت حر النارخل سبيلي ما به من عار
لعلنا نرجع للدياروإن عسى نظفر بالأوطار

فقال خذها لا بارك الله لك فيها وأمر أن تقيم إلى تمام العدة، فلما انقضت دفعها إليه مع ناقة وعشرة آلاف دينار.

ومنهم ما حكاه في منازل الأحباب عن بعض الحمدونية، قال صحبت المتوكل إلى الشام، وكنت مغرماً بالفراديس لظرفها، فحين بلغناها قال المتوكل هل لك في أن تتصفح الكنائس والرياض فتتنزه فيها، فقلت نعم، فأخذ بيدي وجعلنا نستقري الأماكن ونشاهد ما فيها من العجائب، وحسن ثياب النصارى، حتى خلوت براهب الكنيسة فجعل الخليفة يسأله عن كل من يمر، حتى أقبلت جارية لم يرمق أحسن منها، وبيدها مجمرة تبخر فسأله عنها فقال هي ابنتي، قال ما اسمها قال شعانين، فقال لها المتوكل يا شعانين اسقني ماء، فقالت يا سيدي ليس هنا إلا ماء الغدران، وأنا لا أستنظفه لك ولو كانت حياتي ترويك لجدت بها، وأسرعت بكوز فضة فأومأ إلي أن أشربه فشربته، ثم قال لها إن هويتك تساعديني، فقالت أنا الآن بإمرتك وأما إذا صدق المحب في المحبة فما أخوفني من الطغيان أما سمعت قول الشاعر:

كنت لي في أوائل الأمر حباًثم لما ملكت صرت عدوّا
أين ذاك السرور عند التلاقيصار مني تجنباً ونبوأ

فطرب حتى كاد يشق ثوبه، ثم قال لها هبيني نفسك اليوم فصعدت به إلى غرفة مشرفة على الكنائس، وجاء الراهب بخمر لم ير مثله وعاف المتوكل طعامهم فاستحضر أطعمة من عنده، فلما أخذ منه الشراب أحضرت آله وغنت:

يا خاطباً مني المودة مرحباًروحي فداؤك لا عدمتك خاطبا
أنا عبدة لهواك فاشرب واسقنيواعدل بكأسك عن جليسك إذ أبى
قد والذي رفع السماء ملكتنيوتركت قلبي في هواك معذبا

فأرغبها حينئذ فأسلمت وتزوجها فكانت من النساء عنده.

ويقرب من ذلك ما حكي عن الوليد بن يزيد أنه عشق نصرانية، وراسلها فأبت عليه فكاد أن يطيش عقله فتنكر يوم عيد للنصارى، وبايع صاحب بستان تتنزه فيه بناة النصارى فأدخله، فلما رأته قالت للبواب من هذا؟ قال لها مصاب، فجعلت تمازحه حتى اشتفى بالنظر إليها، فقيل أتدرين من هذا؟ قالت لا، قالوا لها هو الخليفة، فأجابت حينئذ وتزوج بها وفيها يقول:

أضحى فؤادك يا وليد عميداًصباً قديماً للحسان صيودا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أضحى فؤادك يا وليد عميدا»
من حب واضحة العوارض طفلةبرزت لنا نحو الكنيسة عيدا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أضحى فؤادك يا وليد عميدا»
ما زلت أرمقها بعيني وامقحتى بصرت بها تقبل عودا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أضحى فؤادك يا وليد عميدا»
عود الصليب فويح نفسي منرأى منكم صليباً مثله معبودا
فسألت ربي أن أكون مكانهوأكون في لهب الجحيم وقودا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أضحى فؤادك يا وليد عميدا»

وفي ذلك يقول أيضاً لما اشتهر أمره بها:

ألا حبذا سعدى وإن قيل إننيكلفت بنصرانية تشرب الخمرا
يهون علينا أن نظل نهاراإلى الليل لا أولى نصلي ولا عصرا

وكان يقال لم يبلغ مدرك هذا المبلغ لأنه لم يطلب إلا أن يكون صليباً في الزنار.

ومثل ذلك ما حكي عن ابن العباس بن المفضل أنه عشق نصرانية، بدير سرماجيس فكان لا يفارق البيع شغفاً بها، فوجدها يوماً في بستان فجلست معه أسبوعاً فقال في ذلك:

رب صهباء من شراب المجوسقهوة بابلية خندريس
للشاعر عبد الله الربيعي، اقرأ القصيدة
قد تجليتها بناي وعودقبل ضرب الشماس بالناقوس
للشاعر عبد الله الربيعي، اقرأ القصيدة
وغزال مكحل ذي دلالساحر الطرف سامري عروس
للشاعر عبد الله الربيعي، اقرأ القصيدة
قد خلونا بظبية نجتليهيوم سبت إلى صباح الخميس
بين ورد وبين آس جنىوسط بستان دير سرماجيس
للشاعر عبد الله الربيعي، اقرأ القصيدة
يتثنى في حسن جيد غزالفي صليب مفضض أبنوس
كم لثمت الصليب في الجيد منهاكهلاك مكلل بشموس
للشاعر عبد الله الربيعي، اقرأ القصيدة

وبقرب من ذلك ما حكاه الصلاح الصفدي في تاريخه، قال رأيت بحماة رجلاً وافر الحظ من الخط وقد أوثقه المؤيد ليكتب عنده، فكان لا يمكنه من الخروج فحكى أنه علق نصرانية بشيزر فكان يكتب إلى المغرب بحماة ثم يذهب إليها فيجلس معها إلى الصباح ويأتي وأقام على ذلك طويلاً، وأنها قالت له يوماً أن أحببتني فاكو على رأسك صليباً ففعل وأنا رأيته.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في أحوال عشاق الجواري والكواعب وذكر ما صدر لهم من العجائب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.