تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

ومنهم هدية بن الخشرم

وكان معروفاً بالشجاعة والنجدة والجلادة والصبر والمروءة، وله أخ اسمه حوط وأخت اسمها سلمى تزوج بها زيادة بن اليزيد الذبياني، وهو رئيس قومه فراهنه أخو هدبة يوماً على اطلاق جملين يوماً وليلة في القيظ وحملوا الماء، فأخذت أخت هدبة ماء زوجها إلى أخيها فقصرت لذلك ابل زيادة فسبها فغضب حوط فثار بينهما شر.

وعلم هدبة فبيت زيادة فقتله ورفع الأمر إلى سعيد بن العاص عامر معاوية على المدينة وقد هرب هدبة فحبس عمه، فجاء وسلم نفسه ومضى أخو زيادة فشكا إلى معاوية فأرسل إلى سعيد أن يقود هدبة إن قامت البينة، فكره الحكم وأرسلهم إلى معاوية فسال هدبة عن الخبر فقال تريده نثراً أو نظماً فقال نظماً فأنشد:

ألا يا قومي للنوائب والدهرللمرء يردي نفسه وهو لا يدري
وللأرض كم من صالح قد تراكمت عليه فوارته بلماعة قفر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

إلى أن ذكر القصة التي ذكرناها، وأنه قتله. فقال معاوية قد أقررت فهل للمقتول ولد قالوا نعم. قال ردوه حتى يبلغ فحبس ثلاث سنين. فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها أرسل إلى زوجته، وكانت من أجمل النساء وكان بها مغرماً، فحضرت إليه في طيب وثياب فاخرة، فحادثها ليلة، وراودها عن نفسها فأجابت فحين تمكن وسمعت الحديد اضطربت فتنحى عنها وأنشد:

أأدنيتني حتى إذا ما جعلتنيلدى الخصر أو أدنى استقلك راجف
رأت ساعدي غول وتحت ثيابهجآجيء يدمي حزها والحراقف

وحين أخرج للقتل مر على زوجة مالك بن عوف، فقالت في سبيل الله شبابك وصبرك وشعرك فأنشد ارتجالاً:

تعجب حبي من أسير مكبلصليب العصا باق على الرسفان
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
فلا تعجبي مني حليلة مالككذلك يأتي الدهر بالحدثان
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

ونظر إلى زوجته فجزع وأنشد:

أقلي عليّ اللوم يا أم بو زعاولا تجزعي مما أصاب فاوجعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
ولا تنكحي إن فرق الدهر بيننااغم القفا والوجه أليس بانزعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
كليلاً سوى ما كان من حد ضرسهلدى الزاد مبطان العشيات أروعا
ضروبا بلحييه على عظم زورهإذا الناس هشوا للفعال مقنعا
وتحلى بذي أكرومة وحميةوصبراً إذا ما الدهر عض فأسرعا
وكوني حبيباً أو لأروع جاهدإذا ضنّ أعشاش الرجال تبرعا

وجعل الناس يستخبرون خبره وهو يجيب كلاً عن سؤاله وينشد الأشعار وهم يتعجبون، فقال له عبد الرحمن بن حسان أتزوج هذه بعدك يريد زوجته فقال إن كنت بالشروط التي ذكرتها لها وأنشد أقلى على اللوم الأبيات ثم نظر إلى زوجة مالك وقد قالت له كيف تصبر عن هذه فأنشد:

وجدت بها ما لم تجد أم واحدولا وجد حبي بابن أم كلاب
رأته طويل الساعدين شمردلاكما اشترطت من قوة وشباب

فمالت إلى شفرة جزار فجدعت بها أنفها وشفتيها، قال ابن عساكر وأذنيها وأقبلت عليه، فقالت أهذا حال من تتزوج قال لا الآن طاب الموت ثم التفت إلى أبويه فرآهما في أسوأ حال قد تهيآ للحزن فأنشدهما.

أبلياني اليوم صبراً منكماإن حزناً إن بدا بادىء شر
لا أراني اليوم إلا ميتاًإن بعد الموت دار المستقر
اصبر اليوم فإني صابركل حي لقضاء وقدر

وأراد سعيد أن يفديه بمائة ناقة حمراء سليمة، فقال أخو زيادة لو ملت لي قبتك هذه مالاً ما فديته لقوله:

لنجدعن بأيدينا أنوفكمويذهب القتل فيما بيننا هدرا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

فسلمه إليه، فلما أراد قتله أرسل إلى عائشة لتستغفر له ثم صلى ركعتين وأقبل على الناس وقال لولا أن يقال جزع لأطلتهما.

قال السيوطي في شرح الشواهد ثم قال للقاتل أحد سيفك وثبت جنانك وباعد بين قدميك وأجد الضربة، ثم قال بلغني أن القتيل يعقل فإن كان كذلك فإني قابض رجلي وباسطهما ثلاثاً. فلما رمى عنقه فعل ذلك.

وفي شرح الشواهد أنه أول قتيل في الاسلام قوداً وخطبت بعد ذلك زوجته على ما بها من التشويه فتزوجت وتزينت ورؤيت ولها ولدان قد قاربا الترعرع.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في أحوال عشاق الجواري والكواعب وذكر ما صدر لهم من العجائب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.