من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
ومنهم ما حكاه في النزهة ونقله هنا مجهولاً
أن كعب بن مسعدة الغفاري، قال خرجت أنا ومالك بن غفيلة العذري نمشي في القمر إذا بنسوة تقول إحداهن أي والله هو، ثم قربن منا فقالت إحداهن قل لصاحبك:
ليست لياليك في حاج بعائدةكما عهدت ولا أيام ذي سلم
فقالت قد سمعت فأجب قال قد انقطعت فأجب أنت فقلت ولم يحضرني غيره:
فقلت لها يا عز كل مصيبةإذا وطنت يوماً لها النفس ذلت
وانصرفنا فما استقريت إلا وجارية تقول أجب المرأة التي كلمتك، فلما صرت إليها، قالت أنت المجيب. قلت نعم، قالت فما أقصى جوابك قلت لم يحضرني غيره فقالت لم يخلق الله أحب إلي من الذي كان معك فقلت علي أن أحضره إليك، فقالت هيهات فضمنته في الليلة القابلة ورجعت فرأيته في منزلي فأخبرني بالقصة كالمكاشف فقلت له قد ضمنت لها حضورك الليلة القابلة فلما كان الوقت مضيناً فإذا بالمجلس قد طيب وفرش فجلسنا فتعاتبا فأنشدته أبيات أميمة امرأة ابن الدمينة.
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتنيوأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتنيلها غرضاً أرمي وأنت سليم
فلو كان قول يكلم الجسم قد بدابجسمي من قول الوشاة كلوم
فأجابها:
غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخنوفي بعض هذا للمحب عزاء
جزيتك ضعف الودّ ثم صرمتنيفحبك في قلبي إلى اذاء
فالتفتت إلي وقالت ألا تسمع فغمزته فكف ثم أنشدت:
تجاهلت وصلي حين لاحت عمايتيفهلا صرمت الحبل إذ أنا أبصر
ولي من قوى الحبل الذي قد قطعتهنصيب ولي رأي وعقل موفر
ولكنما آذنت بالصرم بغتةولست على مثل الذي جئت أقدر
فأجابها:
لقد جعلت نفسي وأنت احترمتهاوكنت أعز الناس عنك نطيب
وفي روضة القلوب بدل هذا البيت:
لقد كنت أنهي النفس عنك لعلهاإذا وعدت بالنأي عنك تطيب
وفيها أنه قبلها وأنشد:
دمعي عليك من الجفون سكوبوالقلب منك مروع مكروب
لا شيء في الدنيا ألذ من الهوىإن لم يخن عهد الحبيب حبيب
فأجابته:
خلوتم بأنواع السرور هناكموأفردتموني للصبابة والحزن
وعذبتموني بالصدود وإننيلراض بما ترضونه لي من الغبن
والمشهور أنهما لم يأتلفا بعد بل حين أنشد لقد كنت أنهي النفس البيت، قالت له أو كنت تفعل ما فيك خير بعدها وافترقا، فقالت لكعب ما قلت لك أنك لا تفي بضمانك، ولكن إذا كان السحر فأتني. قال كعب فجئت فإذا أنا بالصباح فسألت جارية فقالت حين خرجتما جعلت في عنقها انشوطة وخنقت نفسها، فلحقناها فخلصناها فجلست ساعة تحادثنا وتفتكره فتقول إنه لقاسي القلب، ثم شهقت فماتت.
وبلغ الشاب فلزم قبرها فجاء به في النوم، فقالت هلا كان هذا قبل، فمات من وقته.
قال في النزهة وأصل هذه الحكاية، أن هذه المرأة كانت من عذرة، واسمها سعدى وكانت وهذا الفتى على أعظم رتبة من شدة تعلق كل منهما بصاحبه، وكان في الحي رجل يحبها وهي لا تحبه فغار منهما فوشي به إلى أهلها فحجبوها منه فتراسلا بالمحبة وبلغه فأرسل زوجته عن لسانها إلى مالك بشتم وقطيعة ولم يعرف أنها زوجة ذلك الرجل، ولم تدر الزوجة تفصيل الأمر، وكانت عند مالك أنفة.
فخرج إلى مكة ناقضاً للعهد، فلما بلغ زوجة ذلك الرجل وجه الحيلة، وما أخفاه زوجها أخبرت سعدى بما تم فخرجت على وجهها إلى مكة حتى اجتمعت به وتم بينهما ما سمعته.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع