من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
فمنهم صخر بن عمرو
وكان من أشجع العرب وأكرمهم وأجملهم، وكانت تحبه سلمى بنت عوف بن ربيعة بن حارث الرياحي، وصخر هذا هو أخو الخنساء المشهورة فيه بالشعر.
وكان عاهد سلمى على أن لا تتزوج بعده وهو كذلك عاهدها، وكان يقول إذا نظر إليها لا أكره الموت إلا أنه يفرق بيني وبين هذه. فلما كان اليوم المشهور بيوم الكلاب وهو الذي تحارب فيه بنو عوف وبنو الحرث، التقى صخر مع ربيعة بن ثور العوفي الأسدي بعدما غلبت بنو الحرث على بني أسد ونهبتهم فطعن ربيعة صخراً، وكان رمح صخر قصيراً فأصاب ربيعة في بطنه حلقاً من الدرع فمرض صخر سنة بالطعنة، فكانت أمه تلاطفه وقصرت سلمى في خدمته، فسمع يوماً امرأة تقول لأمه كيف حال صخر؟ فقالت نحن بخير ما دمنا نرى وجهه، وسألت امرأته أخرى فقالت لا حي فيرجى ولا ميت فينعى، فغم لذلك وأنشد:
فأي امرىء ساوى بأم حليلةفلا عاش إلا في عنا وهوان
وحكى في النزهة أنه جلس يوماً ليستريح وقد رفع سجف البيت فرأى سلمى واقفة تحدث رجلاً من بني عمها وقد وضع يده على عجيزتها فسمعه يقول لها أيباع هذا الكفل فقالت عن قريب.
فقال صخر لأمه علي بسيفي لأنظر هل صدىء أم لا فأتته به فجرده وهم بقتل سلمى، فلمى دخلت رفع السيف فلم يستطع حمله فبكى وأنشد:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعهوقد حيل بين العير والنزوان
وهذا مثل يضرب للعجز والبيت والذي قبله من قصيدة لصخر وأولها:
أرى أم صخر لا تمل عيادتيوملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازةعليك ومن يغتر بالحدثان
آهم بأمر الحزم لو أستطيعهوقد حيل بين العير والنزوان
لعمري لقد نبهت من كان نائماًوأسمعت من كانت له أذنان
فلو مت خير من حياة كأنهامحلة يعسوب برأس سنان
فأي امرىء ساوى بأم حليلةفلا عاش إلا في شقي وهوان
ولما اشتد غمه وطال مرضه نتأت قطعة موضع الطعنة، فقيل له اقطعها فحموا له حديدة فأدخلوها فيها فقيل كيف صبرك فأنشد:
فإن تسأليني هل صبرت فإننيصبور على ريب الزمان أريب
ثم مات فتزوجت سلمى بعده، وقيل سبب موته أنه سكر مع بلعاء بن ربيعة، وكان الآخر جميلاً عند يهودي فحسدهما على الحسن فسقاهما في الشارب سماً والصحيح الأول.
ومن لطيف شعر الخنساء في صخر قولها:
قذى بعينك أم بالعين أعوارأم اقفرت إذ خلت من أهلها الدار
كأن عيني لذكراه إذا خطرتفيض يسيل على الخدين مدرار
تبكي لصخر هي العبر أو قد ثكلتودونه من جديد الترب أستار
تبكي خناس على صخر وحق لهاإذ رابها الدهر إن الدهر ضرار
وما عجول على بويحنّ لهلها حنينان اعلان وأسرار
ترتع ما غفلت حتى إذا ذكرتفإنما هي اقبال وادبار
يوماً بأوجع مني حين فارقنيصخر وللدهر أحلاه وأمرار
لا بد من ميتة في صرفها غيروالدهر في صرفه حول وأطوار
يا صخر وراد ماء قد تبادرهأهل الموارد ما في ورده عار
يمشي السبنتي إلى هيجاء معضلةله سلاحان أنياب وأظفار
وأن صخراً لمولانا وسيدناوإن صخراً إذا يشتو لنحار
وأن صخر التأتم الهداة بهكأنه علم في رأسه نار
لم تره جارة يمشي بساحتهالريبة حين يخلي بيته الجار
ولا تراه وما في البيت ياكلهلكنه بارز بالصخر مهمار
طلق اليدين بفعل الخير ذو فخرضخم الدسيعة بالخيرات امار
وقالت أيضاً:
ألا يا صخر إن أبكيت عينيفقد ضحكتني زمناً طويلا
بكيتك في نساء معولاتوكنت أحق من أبدى العويلا
رفعت بك الخطوب وأنت حيفمن ذا يرفع الخطب الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيلرأيت بكاءك الحسن الجميلا
وأدركت الخنساء الاسلام، وحسن إسلامها، فقالت لها عائشة يوماً أتبكين صخراً وهو في النار، فقالت هو أشد لجزعي عليه وادعي للبكاء فعد من الأجوبة المسكتة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع