من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
غسان بن جهضم
وكان مفتوناً بابنة عمه أم عقبة لأنها كانت من أجمل النساء وأحياهن وأفضلهن خصالاً. حضرته الوفاة فجعل ينظر إليها ويبكي، ثم قال لها إني منشدك أبياتاً أسألك فيهن عمن تصنعين بعدي، وأعزم عليك أن تصدقيني. فقالت قل فوالله لا أكذبك فأنشد:
أخبري بالذي تريدين بعديما الذي تضمرين يا أم عقبه
تحفظيني من بعد موتي لما قدكان مني من حسن خلق وصحبه
أم تريدين ذا جمال ومالوأنا في التراب في سجن غربه
فأجابته:
قد سمعنا الذي تقول وما قدخفته يا خليل من أم عقبه
أنا من أحفظ النساء وارعاًهن ما قد أوليت من حسن صحبه
سوف أبكيك ما حييت بشجوومراث أقولها وبندبه
فقال:
أنا والله واثق بك لكنربما خفت من غدر النساء
بعد موت الأزواج يا خير من عوشر فارعي حقي بحسن وفاء
إنني قد رجوت أن تحفظي العهدفكوني إن مت عند رجائي
فلما مات خطبت من كل جانب فقالت:
سأحفظ غساناً على بعد دارهوأرعاه حتى نلتقي يوم نحشر
وإني لفمي شغل عن الناس كلهمفكفوا فما مثلي من الناس يغدر
سأبكي عليه ما حييت بعبرةتجول على الخدين مني فتكثر
فلما طالت الأيام قالت من مات فقد فات، وأجابت الخاطب، فلما كانت الليلة التي زفت فيها جاءها في النوم فأنشد:
غدرت ولم ترعي لبعلك حرمةولم تعرفي حقاً ولم تحفظي عهدا
ولم تصبري حولاً حفاظاً لصاحبحلفت له يوماً ولم تنجزي وعدا
غدرت به لما ثوى في ضريحهكذلك ينسى كل من سكن اللحدا
فانتبهت مرعوبة كأنما كان معها، فقالت النساء لها ما فقالت دهاك ما ترك غسان في الحياة ارباً ولا في السرور رغبة. أتاني في المنام فأنشدني هذه الأبيات ثم جعلت ترددها وتبكي فشاغلنها بالحديث، فما غفلن أخذت شفرة فذبحت نفسها فتعجبن منها وقد نقل هذا في مجلس هشام حتى تذاكروا غدر النساء فقضى منه عجباً.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع