من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
أخبار محمد بن داود وصاحبه محمد الصيدلاني
هو أبو بكر محمد بن داود بن علي المعروف بالفقيه الأصفهاني، كان لبيباً حاذقاً وفقيهاً شاعراً، وله في فقه الظاهرية والأحاديث والتواريخ اليد الطولى.
قال الخطيب أنه كان ملازماً للهو ومتعلقاته منذ دخل المكتب، وأنه شرع في كتاب جمع فيه ظرائف العشاق ولطائفهم وسماه كتاب الزهره وساير به عمره وصاحبه.
هذا هو محمد بن جامع الصيدلاني كان يبيع العطر ببغداد، وكان من أجمل أهل زمنه فعلقه محمد بن داود فكان له ألوفاً وعليه عطوفاً وبه رؤوفاً، واشتهر أمرهما فلم ينكراه واتضح فلم يخفياه. وقيل أنه لم يعمل الكتاب المذكور إلا بسبب عشق هذا، وأن إليه الاشارة في أول الكتاب المذكور بقوله وننكر من تغير الزمان وأنت أحد مغيريه ومن جفاء الاخوان وأنت المقدم فيه، ومن عجب ما يأتي الزمان ظالم يتظلم، وغابن يتندم ومطاع يستظهر وغالب يستنصر، ومن أدلة عطفه عليه أنه خرج من الحمام يوماً فنظر في المرآة فأعجبه وجهه فبرقعه، وأتى ابن داود فلما رآه غشي عليه، فقال له لا بأس عليك إنني لم أبرقع وجهي لسوء أصابه، ولكن رأيته غب حمام فأعجبني فأحببت أن لا أمتع به أحداً قبلك فغداه وسر بذلك، قالوا ولم يعلم فيما سلف معشوق ينف على عاشق سوى ابن جامع، ومن لطف ابن داود ورقته أنه كان يدخل الجامع من باب الوراقين فهجره أياماً فسئل في ذلك، فقال دخلت يوماً فرأيت متحابين يتحادثان فتفرقا مذ رأياني فآليت أن لا أدخل مكاناً فرقت فيه بين محبين.
وكان يجتمع مع ابن شريح الشافعي في مجلس الوزير بن عيسى فسبقه ابن داود يوماً فسأله حدث من الشافعية عن العود الموجب لكفارة في الظهار فقال هو إعادة القول ثانياً فطالبه بالدليل ودخل ابن شريح، فحين وقف على القصة قال لأبي بكر قول من هذا من المسلمين غيركم. فقال له وقد استشاط غضبه غاية أمرنا أن نعد قول من خالفنا خلافاً، فغضب ابن شريح وقال له أنت أعزك الله بكتاب الزهره أمس من غيره فقال أبكتاب الزهرة تعيرني والله لا تصلح للنظر فيه ألم أقل فيه:
أنزه في روض المحاسن مقلتيوأمنع نفسي أن تنال المحرّما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنهعلى جامد الصلد الأصم تهدّما
ويظهر سري عن مترجم خاطريفلولا اختلاس الطرف عنه تكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهموما أن أرى حباً صحيحاً مسلما
فقال له ابن شريح بم تفتخر علي ولو شئت لقلت:
ومسامر بالشهد من نغماتهقد بت أمنعه لذيذ سناته
صبابه وبحسنه وحديثهوأنزه اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عمودهولي بخاتم ربه وبراته
فقال ابن داود ليحفظ مولانا الوزير قوله حتى يقيم بينة بالبراءة، فقال يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك أنزه في روض المحاسن فقال الوزير لقد حويتما ظرفاً وعلماً. وقيل كانت المناظرة في مسئلة في الايلاء وأن ابن شريح قال أنت بقولك من كثرت لحظاته دامت حسراته أحذق ومن لطف ابن داود أنه سئل يوماً:
يا ابن داود يا فقيه العراقأفتنا في فواتك الأحداق
هل عليها القصاص في القتل يوماًأم مباح لها دم العشاق
فأجاب:
عندي جواب مسائل العشاقفاسمعه من قلق الحشى مشتاق
لما سألت عن الهوى أهل الهوىأجريت دمعاً لم يكن بالراقي
أخطأت في نفس السؤال وإن تصببك في الهوى شفقاً من الاشفاق
لو أن معشوقاً يعذب عاشقاًكان المعذب أنعم العشاق
وقيل له وهو في مرض موته ماذا تشكو فقال حب من تعلم صيرني إلى ما ترى فقيل ما منعك وقد كنت قادراً على ذلك فقال التمتع أما نظر مباح وقد أخذت منه بحظ، وأما تلذذ بالمحرم فمنعني منه قوله ﵊ من عشق الحديث السابق في المقدمة وأنشد:
ما لهم أنكروا سواداً بخديهولا ينكرون ورد الغصون
إن يكن عيب خده بذر الشعرفعيب العيون شعر الجفون
فقيل له أنكرت القياس في الفقه وأثبته في الشعر فقال غلب الحب وتوفي نهار الاثنين تاسع رمضان أو لأيام بقين منه أو سابع شوال سنة سبع وتسعين ومائتين، ومن لطيف أشعاره في محبوبه.
يا يوسف الحسن تمثيلاً وتشبيهاًيا طلعة ليس إلا البدر يحكيها
من شك في الحور فلينظر إليك فماصيغت معانيك إلا من معانيها
ما للبدور للتحريف يا أملينور البدور عن التحريف يغنيها
إن الزنانير لا تجلى وإن عتقتولا تزاد على النقش الذي فيها
ومنها:
أشكو عليل فؤاد أنت متلفهشكوى عليل إلى ألف يعلله
سقمي تزيد مع الأيام كثرتهوأنت في عظم ما ألقى تقلله
الله حرّم قتلي في الهوى سفهاًوأنت يا قاتلي ظلماً تحلله
ومنها:
حملت جبال الحب فيك وإننيلا عجز عن حمل القميص وأضعف
وما الحب من حسن ولا من سماحةولكنه شيء به النفس تكلف
ومنها:
سقى الله أياماً لنا ولياليالهن بأكناف الشباب ملاعب
إذا العيش عض والزمان بغزةوشاهد آفات المحبير عاثب
ومنها:
انظر إلى السحر يجري في لواحظهوانظر في دعج في طرفه الساحي
وانظر إلى شعرات فوق عارضهكأنهن نميل دب في عاج
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع