تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

سعد الوراق

وكان بالرها يبيع الورق، يجلس إليه الشعراء وأهل الأدب فيتحدثون عنده في الشعر كالصنوبري والمعري وغيرهما فلازمهم غلام نصراني اسمه عيسى يكتب ما عندهم من الأدب فعلقه سعيد وزاد به وجده فأنشد يوماً:

اجعل فؤادي دواة والمداد دميوهاك فابري عظامي موضع القلم
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «اجعل فؤادي دواة والمداد دمي»
وصير اللوح وجهي وامحه بيديفإن ذلك لي برء من السقم
ترى المعلم لا يدري بمن كلفيوأنت أشهر في الصبيان من علم

ثم اشتهر أمرهما، فلما شب الغلام طلب الترهب فأجابه أهله بعد جهد إلى دير زنكي وأقام به، وكان سعيد يأتيه ويجلس معه فكره الرهبان ذلك وتوعدوا الغلام بالخروج من الدير فمنعة، أي صارت الرهبان تغلب باب الدير في وجه سعيد إذا أتى.

فلما أيس مضى فأحرق داره وثيابه وخرج عارياً ينشد الأشعار ويطوف بالدير ويبيت في ظله وأن الصنوبري أتاه يوماً وقد طال شعره وتشوهت خلقته فعنفه. فقال يا أبا بكر ألا ترى إلى هذا الطائر الذي على شرفة الدير قلت نعم. قال لي اسأله حمل رسالتي إلى عيسى فأبى ثم قال هل عندك لوح قلت نعم، فدفعته إليه فكتب:

بدينك يا حمامة دير زنكيوبالانجيل عندك والصليب
قفي وتحملي مني سلاماًإلى قمر على غصن رطيب
حماه جماعة الرهبان عنيفقلي ما يقرّ من الوجيب
وقالوا رابنا إلمام سعدولا والله ما أنا بالمريب
وقولي سعدك المسكين يشكولهيب جوى أحر من اللهيب
فصله بنظرة لك من بعيدإذا ما كنت تمنع من قريب
وإن أك مت فاكتب حول قبريمحب مات من هجر الحبيب
رقيب واحد تنغيص عيشفكيف بمن له الفا رقيب

ولم يزل كذلك حتى وجد عند الدير ميتاً فأراد العامل يومئذ وهو العباس بن وكيع البطش بالرهبان وحرق الغلام فافتدوه بمائة ألف درهم وصار الغلام إذا دخل المدينة لزيارة أهله تضربه الصبيان بالأحجار ويقولون له يا قاتل سعيد فانتقل إلى دير سمعان.

ومنهم شرف العلاء علق غلاماً نصرانياً فلبس المسوح لأجله وتبعه إلى الكنائس والبيع، وهام به فبلغ ذلك الظاهر بن أيوب فاستحضره، فلما دخل عليه تلقاه بقدح من خمر فشربه وأنشد:

جمعت بالكأس شمليالله يجمع شملك
بحق رأسك دعنيحتى أقبل نعلك

وصار على ذلك هائماً حتى مات.

ومنهم ما أخرجه ابن الجوزي عن سعيد قال كنت بخان التجار بالبصرة إذا بغلام يصيح وفي يده مدية فاجتمع الناس إليه فأنشد:

يوم الفراق من القيامة أطولوالموت من ألم التفرق أجمل
قالوا الرحيل فقلت لست براحللكن مهجتي التي تترحل

ثم بقر بطن بمديته فسألته عنه، فقيل عشق غلاماً لبعض الملوك فحجب عنه يوماً واحداً ففعل هذا.

ومنهم ما حكاه الثوري في روضة القلوب قال كان بحمص مؤدب يقال له ابن الجوزي عشق غلاماً وكلف به، فلما علم أبوه بذلك نقله إلى مؤدب آخر عدو له فضعف واشتد غمه، فكتب إلى أبي الغلام يستعطفه فأجابه بأنه إن لم يرجع رفع أمره إلى الحاكم فتغير من وقته وتقايى الدم، وحمل إلى بيته وجاءه الطبيب فأخبر أن كبده تفطرت فمات في الرابع.

ومنهم ما حكاه في ديوان الصبابة وهو نظير العشق المسلسل السابق في الباب الثاني قال عشق شاب بدمشق غلاماً، فلما اشتد به وجده قتله فحمل إلى الحاكم فأنكر فهدد بالضرب، فجاء شاب كان يعشقه فقال إن هذا لم يقتل الغلام وإنما أنا قتلته فكتبوا عليه ذلك وخرجوا ليقتلوه فحدث الحاكم بباطن القصة وكان متأدباً فأمسك عن قتله وحبسه لينظر فعزل بعد أيام وكان أول ما حكم الحاكم الجديد أن شنق الشاب المذكور وقال شهاب الدين الحاجبي، كان شاباً لطيفاً جيد القريحه ذا نثر ونظم من العجائب الدالة على أن له اليد الطولى في الأدب، وكان من أولاد الجند عشق شاباً من أولاد الحسينية وأفرط في حبه حتى كان لا يصبر عنه ساعة، فمرض الشاب وانقطع فمرض الحاجبي لمرضه فدخل أصحابه عليه ليعودوه، فقال أريد من يوصل هذه الدراهم إلى فلان يعني صاحبه فقيل له قد مات فتغير من وقته واختلط عقله وجعل يقول قد مات، ثم قال احملوني من هنا وألح عليهم فأخذوه من حارة بهاء الدين إلى قناطر السباع فمات بها من يومه والتقت جنازته وجنازة محبوبه فصلى عليهما معاً، ومن شعره:

ملأت فؤادي من محبة شادنأميل إليه وهو كالظبي رائع
وقلت لقلبي قم لنعشق شادناًسواه فقال القلب ما أنا صانع

ومنها:

إن السيوف كلهاقاطعة إذا انجلت
إلا سيوف لحظهإذا تصدّت قتلت

ومنها:

وصفت خصره الذيأخفاه ردف راجح
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة
قالوا وصف جبينهفقلت ذاك واضح
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة

ومنها:

له عين لها غزل وغزومكحلة ولي عين تباكت
وحاكت في فعائلها المواضيفيا لك مقله غزلت وحاكت
للشاعر عز الدين الموصلي، اقرأ القصيدة

ومنها:

عودا لصب بكى عليكميا جيرة ودّعوا وساروا
فدمع عينيه صار بحراًوقلبه ما له قرار

ومنها:

لا تبعثوا غير الصبا بتحيةما طاب في سمعي حديث سواها
حفظت أحاديث الهوى وتضوّعتنشراً فيا الله ما أذكاها

ومنها:

لم أنس ليلة بتناوالحب قد غاب عنا
وقد روى عنه لفظحتى حسبناه معنا

وقال:

لم أنس أيام الصبا والهوىلله أيام النجا والنجاح
ذاك زمان مرّ حلو الجنىظفرت منه بحبيب وراح
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة

ومنها وهي من قصيدة طويلة ذكر ابن حجة في شرح بديعيته أنه مدح بها صاحب حماة:

ثاني المعاطف كنت أول عاشقفي حبه ولكل ثان أول
يدنو فيحلو للمتيم لحظهإذ ذاك لحظ بالنعاس معسل
وتميس منه شمائل لم أدر منمشمولة أو حرّكتها شمأل
متلوّن الأوصاف سيف لحاظهماض ولكن هجره مستقبل

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في ذكر عشاق الغلمان وأحوال من عدل إلى الذكور عن النسوان وتفصيل ما جرى عليهم من تصاريف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.