من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
القسم الثالث في ذكر من ساعده الزمان في المراد حتى بلغه ما أراد
فمنهم ما حكى أنه كان ببغداد رجل صوفي معروف بالزهد والعبادة فهوى غلاماً جندياً حتى امتزج حبه بلحمه ودمه واشتهر أمره عند غالب غلمان الغلام لأن الصوفي كان يتقصده في الطرق والمواكب لينظره، فبينما الصوفي ليلة يصلي على سطحه إذ سمع صوت الغلام ماراً فسقط من على السطح فرآه الغلمان فضحكوا. فقال مولاهم ما لكم؟ فقالوا لا شيء فأقسم عليهم فتقدم إليه بعضهم وأسر الخبر إليه وأعلمه أنه يهواه فقال منذ كم قالوا من زمان طويل فقال بئس المرء الذي لا يعرف من أحبه ثم نزل فأقعده ونفض عنه التراب فنقطت الشمعة على وجه الشيخ ففتح عينيه فرأى صاحبه فأنشد:
يا محرقاً بالنار وجه محبهرفقاً فإن مدامعي تطفيه
حرق بها جسدي وكل جوارحيوأشفق على قلبي فإنك فيه
فحمله إلى بيته ولم يفارقه بعدها وساق الحجازي في روض الآداب الحكاية عن الخياط الدمشقي.
ومنهم البحتري المشهور كان يهوى غلاماً اسمه نسيم فاشتراه حين اشتد به بلاؤه. فلما اشتهر حاله مازحه أبو الفضل يوماً وقال هل تبيعه قال لا قال خذ فيه ألف دينار فأبى وكان لا يساوي أكثر من مائة فقال خذ الفين فقال أحضرهما فأحضرهما واشتراه ومضى به فلم يلبث البحتري أكثر من يوم حتى ذهب عقله وأكثر التردد إلى أبي الفضل فلم يجبه وزاد به الوجد فكتب إليه.
أبا الفضل في تسع وتسعين نعجةغني لك عن ظبي بساحتنا فرد
أتأخذه مني وقد أخذ الهوىفؤادي له فيما أسرّ وما أبدى
وتغدو عليه صبوتي وصبابتيولم يعده وجدي ولم يأله جهدي
وقلت اسل عنه فالمنية دونهوكيف بسلوان الظمآن عن الورد
فقال أبيعك إيهاه بجميع ما تملك في سائر البلاد فقال افعل فباعه بذلك فلما أصبح أقاله وقال إياك وهجر الأحرار فإن لهم مكائد.
ومنهم ما حكى عن الصاحب بدر الدين وزيز اليمن أنه كان له أخ جميل فاختار له معلماً ذا هيبة ووقار وأدب فكان يعلمه في بيته فامتحن الشيخ بحب الغلام وزاد به الحال فشكا يوماً إلى الغلام أمره فقال ما أصنع وأخي لا يفارقني ليلاً ولا نهاراً فقال الشيخ إن داري ملاصقة لحائطكم فإذا كان الليل أتناولك فتجلس معي لحظة لطيفة ثم تعود فأجاب فلما كان الليل أظهر الشاب أن نائم فنام أخوه ففتح باب النافذ إلى الحائط فوجد الشيخ واقفاً فأخذه ومضى فرآه قد هيأ مجلساً لطيفاً ما بين فرش وسماط ومشروب ومشموم فجلسا يتعاطيان الكأس وكانت ليلة البدر وأفاق الوزير فلم ير أخاه ورأى الباب مفتوحاً فاطلع فرآهما على تلك الحالة والكأس في يد الشيخ وهو ينشد:
سقاني شربة من خمر فيهوحيا بالعذار وما يليه
وبات معانقي خد الخدمليح في الأنام بلا شبيه
وبات البدر مطلعاً عليناسلوه لا ينم على أخيه
فكان من لطفه أن قال ولله لا أنم عليكما وانصرف. وذكر الحجازي بذكر هذا الاتفاق مناسبة لطيفة وذلك أن شخصاً كان يهوى غلاماً فمات فجلس يبكيه فطلع البدر فنظر إليه فلم يقدر أن يملأ عينه منه فأنشد:
شقيقك غيب في لحدهوتطلع يا بدر من بعده
فهلا خسفت وكان الخسوفلباس الحداد على فقده
فخسف من وقته.
ومنهم الشيخ مهذب الدين بن منير الطرابلسي وكان أديباً ظريفاً عارفاً بالشعر والأدب وكان شيعياً وكان السيد المرتضى الموسوي نقيب الأشراف بالعراق والشام وغالب الممالك وكان بينه وبين مهذب الدين مودة قال ابن سعد في الطبقات لأن السيد كان رئيس أهل هذا المذهب وغيرهم وكان مهذب الدين من أجلاء طرابلس فبعث إلى الشريف بتحف مع عبد أسود فأرسل الشريف يعاتبه في ذلك وكان معروفاً بالشهامة فمما قال له أما رأيت شراً من السواد حتى ترسله إلينا وحكى قاضي القضاة ابن البراج أن مهذب الدين لم يرسل إلى الشريف إلا العبد فقط فكتب إليه أما بعد فلو علمت عدداً أقل من الواحد أو لوناً أشر من السواد لبعثت به إلينا والسلام وكان مهذب الدين يهوى مملوكاً له اسمه تتر وكان لا يفارقه في نوم ولا يقظة وكان إذا اشتد غمه أو رمى بمحنة نظر إليه فزال ما به فحلف لا يرسل إلى الشريف الهدايا إلا مع أعز الناس عنده فجهزها مع مملوكه وأخذ يقاسي مشاق فرقته.
فلما المملوك إلى الشريف توهم أنه من جملة الهدايا تعويضاً من ذنب العبد فأمسكه وطال الأمر فلم ير ما ينكي به الشريف ويبعثه على ارسال المملوك إلا إظهار التورع عن التشيع والدخول في مذهب أهل السنة وأن دليل ذلك أمر عظيم أخرجه عن العقل حتى فارق مذهبه فأرسل إليه بهذه القصيدة يذكر فيها وجده بالمملوك وخروجه من المذهب وتلبسه بالتستر وهي
عذبت طرفي بالسهروأذبت قلبي بالفكر
ومزجت صفو مودتيمن بعد بعدك بالكدر
ومنحت جثماني الضنيوكحلت جفني بالسهر
وجفوت صباً ما له عنحسن وجهك مصطبر
يا قلب ويحك كم تخادع بالغرور وكم تغر
والام تكلف بالأغنمن الظباء وبالأغر
ريم يفوّق إن رماك بسهم ناظره النظر
تركتك أعين تركهامن بأسهنّ على خطر
ورمت فأصمت عنقسيء لا يناط بها وتر
جرحتك جرحاً لايخيط بالخيوط ولا الابر
تلهو وتلعب بالعقول عيون أبناء الخفر
وكأنهنّ صوالحوكأنهنّ لها أكر
تخفي الهوى وتسرّهوخفي سرك قد ظهر
أفهل لوجدك من مدىيفضي إليه فينتظر
نفسي الفداء لشادرأنا من هواه على خطر
عذل العذول وما رآهـ فحين عاينه عذر
قمر يزين ضوء الصبح جبينه ليل الشعر
ترمي اللواحظ خدهفيرى لها فيه أثر
هو كالهلال ملثماًوالبدر حسناً إن سفر
ويلاه ما أحلاه فيقلبي الشقي وما أمر
نومي المحرّم بعدهوربيع لذاتي صفر
بالمشعرين وبالصفاوالبيت أقسم والحجر
وبمن سعى فيه وطاف به ولبى واعتمر
لئن الشريف الموسويابن الشريف أبي مضر
أبدى الجحود ولميردّ إلى مملوكي تتر
واليت آل أمية الطهر الميامين الغرر
وجحدت بيعة حيدروعدلت عنه إلى عمر
وإذا جرى ذكر الصحابة بين قوم واشتهر
قلت المقدّم شيخ تيمثم صاحبه عمر
ما سل قط ظبى علىآل النبي ولا شهر
كلا ولا صدّ البتول عن التراث ولا زجر
وأثابها الحسنى ولاشق الكتاب ولا بقر
وبكيت عثمان الشهيدبكاء نسوان الحضر
وشرحت حسن صلاتهجنح الظلام المعتكر
وقرأت من أوراق مصحفه براءة والزمر
ورثيت طلحة والزبيربكل شعر مبتكر
وأزور قبرهما وأزجر من لحاني أو عذر
وأقول أم المؤمنينعقوقها إحدى الكبر
ركبت على جمل لتصبح من بنيها في زمر
وأتت لتصلح بين جيش المسلمين على غرر
فأتى أبو حسن وسلحسامه وسطا وكرّ
وأذاق اخوته الردىوبعير أمهم عقر
ما ضره لو كان كفوعف عنهم إذ قدر
وأقول إن أمامكمولى بصفين وفر
وأقول إن أخطأ معاوية فما أخطأ القدر
هذا ولم يغدر معاوية ولا عمرو مكر
بطل بسوءته يقاتل لا بصارمة الذكر
وجنيت من رطب النواصب ما تتمّروا ختمر
وأقول ذنب الخارجين على عليّ مغتفر
لا ثائر بقتالهمفي النهر وان ولا أثر
والأشعريّ بما يؤول إليه أمرهما شعر
قال انصبوا لي منبراًفأنا البريء من الخطر
فعلا وقال خلعت صاحبكم وأوجز واختصر
وأقول أن يزيد ماشرب الخمور ولا فجر
ولجيشه بالكف عنأبناء فاطمة أمر
والشمر ما قتل الحسينولا ابن سعد ما غدر
وحلقت في عشر المحرّمما استطال من الشعر
ونويت صوم نهارهوصيام أيام أخر
ولبست فيه أجل ثوب للملابس يدّخر
وسهرت في طبخ الحبوب من العشاء إلى السحر
وغدوت مكتحلاً أصافح من لقيت من البشر
ووقفت في وسط الطريق أقص شارب من عبر
وأكلت جرجير البقول بلحم جونيّ الجفر
وجعلتها خير المآكل والفواكه والخضر
وغسلت رجلي كلهومسحت خفي في السفر
وأمين أجهر في الصلاة كمن بها قبلي جهر
وأسنّ تسنيم القبور لكل قبر محتفر
وإذا جرى ذكر الغديرأقول ما صح الخبر
ولبست فيه من الملابس ما اضمحل وما اندثر
وسكنت جلق واقتديتبهم وإن كانوا بقر
وأقول مثل مقالهمبالفاشريا قد فشر
مصطيحتي مكسورةوفطيرتي فيها قصر
بقر ترى برئيسهمطيش الظليم إذا نفر
وخفيفهم مستثقلوصواب قولهم هذر
وطباعهم كجبالهمخبثت وقدت من حجر
ما يدرك التشبيب تغريد البلابل في السحر
وأقول في يوم تحار له البصيرة والبصر
والصحف ينشر طيهاوالنار ترمي بالشرر
هذا الشريف أضلنيبعد الهداية والنظر
ما لي مضل في الورىإلا الشريف أبو مضر
فيقال خذ بيد الشريف فمستقرّ كما سقر
لواحة تسطو فماتبقي عليه ولا تذر
والله يغفر للمسيءإذا تنصل واعتذر
فاخش الاله بسوء فعلكواحتذر كل الحذر
وإليكها بدويةرقت لرقتها الحضر
شامية لو شامهاقس الفصاحة لافتخر
ودرى وأيقن أننيبحر وألفاظي درر
حبرتها فغدت كزهرالروض باكره المطر
وبديعة كبديعةعذراء ترفل في الحبر
وإلى الشريف بعثتهالما قراها وانبهر
ردّ الغلام وما استمرعلى الجحود ولا أصر
وأثابني وجزيتهشكراً وقال لقد صبر
فلما وصلت القصيدة إلى الشريف ضحك وقال قد أبطأنا عليه فهو معذور وجهز الملوك مع هدايا حسنة فمدحه مهذب الدين فقال:
إلى المرتضى حثّ المطيّ فإنهإمام على كل البرية قد سما
ترى الناس أرضاً في الفضائل عندهونجل الزكيّ الهاشمي هو السما
وذكر ابن حجة أن مهذب الدين حين هادى الشريف كان ببغداد قوله وأقول مثل مقالهم يفسره ما بعده من الكلمات المهملة التي تستعملها أهل دمشق في الخلاعة المصطيحة خشبة في الأصل تجعل تحت دود القز، وأهل دمشق يسمون الصولجان المنقوش مصطيحة ويكون معهم في المواسم وقد تظرف في المبالغة والمجون والخلاعة حيث اللفظ فنسب القصر إلى الفطيرة والكسر إلى المصطيحة والمستعمل العكس فإنهم يضعون الصوالج قائمة في لعبة، فمن جاء صولجانه قصيراً أخرج من اللعبة فيقول مصطيحتي قصيرة وكذا في لعب الفطير يرد من فطيرته مكسورة وقوله وإلى الشريف بعثتها إلى آخر القصيدة قد يتوهم أنه ملحق بعد رد المملوك وليس كذلك وإنما قاله تفاؤلاً وحسن ظن بالشريف واعتماداً على شهامته وهذا من مكر مهذب الدين لعلمه بسجايا الشريف.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع