من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
القسم الرابع في ذكر من منعه الزهد والعبادة أن يقضي من محبوبه مراده
قد رأينا أن نجعل هذا القسم كالاستغفار بعد الذنوب، والكفارة لمن عزم أن يتوب لاشتماله على ذكر أقوام عصمهم الله من الوقوع في الخطأ وأسبل عليهم الغطا، وهو نوعان:
الأول فيمن سلم من القضاء الجاري فعصم عن الجواري في الصحيحين عنه ﷺ قال بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذا أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم فقال بعضهم لبعض أنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه فقال واحد منهم اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز فذهب وتركه وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أني اشتريت منه بقراً وراعيها وأنه أتاني يطلب أجره فقلت أعمد إلي تلك البقر فسقها. فقال لي عندك فرق من أرز. فقلت له أعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة، فقال الآخر اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان كبيران وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عنهما ليلة فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء، فقال الآخر اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت عليها فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها.
فلما قعدت بين رجليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت وتركت المائة دينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا.
وحكى أن رجلاً افتتن براهبة فتسور إليها وراودها فلم تمكنه إلا بعد جهد، فلما قدر عليها جعلت يدها في مجمرة فاحترقت. فقال لأي شيء فعلت هذا؟ قالت خفت أن أشاركك في اللذة فأشاركك في المعصية فحلف لا يعصي الله بعدها وتاب.
وحكى أن رجلاً عشق جارية فزاد حبه لها ولم يتمكن منها وأن أهلها أرسلوها لحاجة فتبعها وراودها. فقالت إني أحب لك منك لي، ولكني أخاف الله. فقال أتخافينه ولا أخافه، ورجع فناله عطش كاد أن يأتي عليه، فلقيه رسول لبعض الأنبياء فشكا ذلك إليه فقال له هلم ندعو الله أن تظلنا سحابة حتى نصل القرية. قال ليس لي عمر فقال الرسول أنا أدعو وأنت آمن وفعلا فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية فدعاه الرسول إلى بيته فتبعتهما السحابة. فقال له تقول ما لي عمل وقد تبعتك أخبرني ما فعلت فأخبره فقال إن التائب عند الله أحسن من العابد.
وحكى أن عمر بن عبد العزيز عشق جارية لزوجته فاطمة بنت عبد الملك وزاد فيها غرامه فطلبها منها فأبت عليه، فلما أفضت إليه الخلافة زينتها بأنواع الزينة، ثم قالت يا أمير المؤمنين قد كنت أمسكت هذه عنك والآن فقد وهبتا لك فسر بها سروراً بالغاً. ثم قال اخلعي ثيابك فحين همت أجلسها، ثم قال لها من أين جيء بك في الأصل قالت اغتصب الحجاج مال عامل فاصطفاني منه وأرسلني لعبد الملك فوهبني لأبنته فقال أحي هو؟ قالت لا. قال هل له ورثة؟ قالت ولد، فأحضره وأمره أن يذكر ما أغرم الحجاج أباه وأعطاه عمر ﵁ ذلك الجارية وقال له احذر أن يكون أبوك نالها. فقال هي لك يا أمير المؤمنين فأبى فقال أتبيعها؟ فأبى، فقالت الجارية أين وجدك بي؟ قال قد زاد ولكني أنهي النفس عن الهوى وحكى أن امرأة كانت في بني إسرائيل قد حازت ثلث الحسن، وكانت لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار، فأعجبت شخصاً فمضى فجمع مائة دينار وجاء إليها فقالت ادفعها إلى الجهبذ يعني الناقد ففعل، فلما نقدها تهيأت وجلست على سرير من ذهب فحين تمكنها منها أخذته الرعدة فقالت خل عنك ولك المائة فقال أجبتك.
فجمعت المال وجاءت به وقالت لئن صدقت فليس لي زوج غيرك فخرج فباعت متاعها وجاءته فحين رآها شهق شهقة فمات. فقالت أما هذا فقد مات فهل له أحد قالوا أخ فتزوجت به إكراماً له. قال ابن عباس فجاء منها سبعة أنبياء.
وأما قصة بشر وهند فقد آلت بها الشهر إلى أن أفردت بالتأليف وحاصلها أن بشراً رجل من أسد ذكره الحافظ ابن حجر في القسم الأول من الاصابة، وهند جهنية قيل ذكرت في حديث ساقط وكانت بالمدينة في ممر بشر إلى رسول الله ﷺ فعلقته وتعرضت إليه بمراسلات بأشعار أظنها موضوعة لاهمالها فلذلك حذفتها، فلما رأى بشر الحاحها هجر الممر وصار يأتي من غيره فلزمت الوساد وهم زوجها أن يدعو لها الأطباء فنهته وقالت أنا أعرف علتي، فلما علمت الطريق التي يمر منها بشر أخبرت زوجها أنها رأت في نومها أنها متى سكنت في موضع كذا شفيت فنقلها من وقتها فكانت تنظر إليه فبرئت وأطلعت عجوزاً على أمرها فوعدتها أن تجمعها به، ثم وقفت له فسألته أن يقرأ لها كتاباً أو يكتبه ففعل وهند تسمع، ثم قالت له العجوز أراك مسحوراً وما قلت لك إلا عن يقين ثم وعدته أن يأتيها يوماً لتنظر له فيما يصلح له وقالت لهند قد سمعت فنهيء.
فلما خرج زوجها إلى بعض القرى وقد وعدت العجز بشراً فجاء حين جلس أدخلت هنداً عليه وأغلقت الباب فجاء زوجها فحين رآه، طلقها ثم مضى به إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله سل هذا لم دخل بيتي فقال بشر والذي بعثك بالحق ما كفرت منذ أسلمت، ولا زنيت مذ عرفتك، ولكن القصة كذا وكذا فأدب العجوز وقال أنت أصل البلية وانصرفوا فلم يمكث بشر حتى ابتلى بحب هند وراسلها فامتنعت فلم يزل حتى مات، فجاءت فحين رأته سقطت ميتة ودفنا معاًن فجاءت العجوز إلى النبي ﷺ معتذرة فأخلصت توبتها.
وفي امتزاج النفوس عن رجل من أصحاب الحديث قال دخلت ديراً كنت أعرف فيه راهباً معروفاً بالأخبار فوجدته مسلماً وجميع من في الدير، فسألته عن السبب فقال عشقت جارية منا غلاماً عابداً وافتتنت به ودعته إليها فأبى، فلما زاد بها الوجد أعطت مصوراً مالاً فنقش لها صورته فكانت تقبلها وتبكي كل يوم إلى الغروب وتنصرف فبلغها موت الغلام فعملت مأتمه ثم التزمت لثم الصور، فلما أصبحنا وجدنا ميتة إلى جانبها وعلى يدها مكتوب:
يا موت دونك روحي بعد سيدهاخذها إليك فقد أودت بما فيها
أسلمت وجهي للرحمن مسلمةومت موت حبيب كان يعصيها
لعلها في جنان الخلد يجمعهايوم الحساب ويوم البعث باريها
مات الحبيب وماتت بعده كمداًمحبة لم تزل تشفي محبيها
قال فشاع ذلك حتى بلغ المسلمين فأخذوها ودفنوها إلى جانبه فرأيتها في النوم فقلت ما فعل الله بك فأنشدت:
أصبحت في راحة مما جنته يديوبت جارة فد واحد صمد
محا الإله ذنوبي كلها وغداقلبي خلياً من الأحزان والكمد
لما قدمت على الرحمن مسلمةوقلت أنك لم تولد ولم تلد
أثابني رحمة منه وأسكننيمع من هويت جناناً آخر الأبد
فعلمت أن الإسلام حق فأسلمت وأسلم أهل الدير بسببها.
وحكى الشيزري في روضة العشاق عن راهب أسلم، وكان اسمه عبد المسيح، قال سئل عن سبب إسلامه؛ فحكى أنه كان عندهم جارية نصرانية تبيع الخبز أحبها شاب مسلم واشتد حاله في حبها فسلطت عليه الصغار فضربوه، فلما علمت صدقه عرضت عليه نفسها في الحرام فأبى، فعرضت عليه التنصر فأبى فأمرت الصغار بضربه حتى مات وهو يقول: اللهم اجمع بيننا في الجنة فرأته في النوم وقد انطلق بها إلى الجنة فمنعت لأجل الاسلام فأسلمت، ودخل بها فأراها قصر من اللؤلؤ، وقال هذا لي ولك وستأتي بعد خمس ليال، فاستيقظت فأسلمت ولزمت قبره حتى ماتت بعد خمس ليال فأسلمت لذلك.
وحكى ابن عاصم قال: قال لي بعض أصحابي بالكوفة هل لك أن تنظر إلى عاشق فقلت نعم. فإني أسمع الناس يذكرون العشق فمضى بي إلى دار فرأيت شاباً مطرقاً ساكتاً يكلمه الناس ولا ينطق وعلى يده وردة حمراء فقال صاحبي كأن فلانة أرسلتها إليك فحين سمع ذكرها رفع رأسه وأنشد:
جعلت من وردتهاتميمة في عضدي
أشمها من حبهاإذا علاني كمدي
فمن رأى مثلي فتىبالحزن أضحى مرتدي
أسقمه الحب وقدصار حليف الأود
وصار سهواً دهرهمقارناً للكمد
فنهضنا فما بلغنا الباب حتى مات فرجعنا لنشهده فحين دفناه أقبلت جارية مسفرة ما رأيت أحسن منها، فما تركت تراباً على القبر حتى جعلته على رأسها فجاء قوم فجروها فقلت ارفقوا بها فقالت دعهم يبلغوا همتهم، فوالله لا ينتفعون بي، فما انقضى اليوم حتى ماتت فسألت عن القصة فقالوا أنه كان يعشقها فبذل في شرائها ملكه فأبوا عليه حسداً أن يكون عنده مثلها فأرسلت إليه تقول مرني بما شئت، فأرسل إليها أن الزمي طاعة ربك ومولاك وأقبل على الزهد وهو مع ذلك لا يفتر عن ذكرها حتى بلغ إلى ما رأيت.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع