تجاوز إلى المحتوى

من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)

ذكر ما قيل في القلم من الشعر

قال أبو تمام:

لك القلم الأعلى الذي بشباتهتصاب من الأمر الكلى والمفاصل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»
لعاب الأفاعي القاتلات لعابهوأري الجنى اشتارته أيد عواسل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»
له ريقه طل ولكن وقعهابآثاره في الشرق والغرب وابل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»
فصيح إذا استنطقته وهو راكبوأعجم إن خاطبته وهو راجل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغتعليه شعاب الفكر وهي حوافل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»
اطاعته أطراف الرماح وقوضتلنجواه تفويض الخيام الجحافل
إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلتأعاليه في القرطاس وهي سوافل
وقد رفدته الخنصران وسددتثلاث نواحيه الأنامل
رأيت جليلاً شأنه وهو مرهفضنى وسميناً خطبه وهو ناحل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»

وقال أحمد بن إسماعيل: أحسن قدود القلم، أن لا يجاوز به الشبر بأكثر من خلقته، وأن تبعد منه الأنامل الثلاث، ويؤخذ من أوسطه لأنها إذا أدنيت منها لم تؤمن أن يماس القرطاس بها فتسوده.

وقد مدح الشاعر بعض الكتاب بنحو من وصفه هذا فقال:

شريف الصناعة محمودهاتساعده الكف والمقول
يقيم من الخط أشكالهويأخذ أقلامه من عل

وقال غيره يصفه بمقدار الشبر:

له ترجمان يطرب اللفظ أخرسعلى حذو شبر أو يزيد على الشبر
له منخر في غير وجه ويهتدىبمر جناحين استعيرا من الفكر
إذا خر يوماً ساجداً عند وحيهتضعضع أصحاب المثقفة السمر
يدمر أقواماً وينعش معشراًويصدر آراء الملوك وما يدري

قال أبو بكر: ولي من قصيدة في بعض الرؤوساء أذكر هذا المعنى:

يتفادى أعداؤه من خطيببيديه يروض عقلاً وفكرا
ناحل الجسم ليس يعرف من كان نعيماً وليس يعرف ضرا
ناطق في الورى بلفظ سواهمذهب اللون قد تطرف جرا
قلم يجلب السواد ويجريمع جري المداد نفعاً وضرا
ضامر الكشح مخطف الجيد مذ حذف شابوره وقدر شبرا
ويد ما تزال تنتشر وشياًفي قراطيسه وتنثر درا

وقال الفضفاضي:

في كفه أخرس ذو منطقبقافه واللام والميم
شبر إذا قيس ولكنهفي فعله مثل الأقاليم
محرف الرأس ومسودهكإبرة الروس من الريم

قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: قلت قول عدي بن الرقاع العاملي، في صفة طرف قرن الرشا، وهو ولد الظبي، وتشبيهه

بالقلم قال عدي:

تزجي أغن كأن إبرة روقهقلم أصاب من الدواة مدادها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «عرف الديار توهما فاعتادها»

ويروى أن جريراً قال - وكان حاضراً - لعدي وهو ينشد هذه القصيدة، لما أنشد صدر البيت: " تزجي أغن كأن إبرة روقه ". رحمته وقلت هلك فلما قال: " قلم أصاب من الدواة مدادها " حالت الرحمة حسداً. وأخذ البيت الثاني من هذه الثلاثة أبيات ابن الرومي فقال يهجو ويصف هن امرأة:

يملأ السبعة الأقاليم طراًوهو في إصبعين من إقليم

ولحمدان الدمشقي من أبيات:

أهدت له الحية الرقشاء جلدتهالما استعارت لساناً منه مقدودا

وله في نحو هذا البيت:

الأيم نفثته وشق لسانهوله إذا لم تجره اطراقه
فكأنه النضناض إلا أنهمن حيث يجري سمه ترياقه

وقال غيره من أبيات:

ولأقلامهم زئير مهيبيزدري عنده زئير الأسود
أرغبتهم عن القنا قصباتمغنيات عن كل جيش مقود
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يمن الله طلعة المولود»
والقراطيس خافقات بأيديهم كمرهوب خافقات البنود
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يمن الله طلعة المولود»

وكتبت إلى أبي علي محمد بن علي في أيام ابن الفرات الأولى بقصيدة منها:

مشف على الرأي نظار عواقبهإذا تشابه وجه الرأي واجتجبا
في كفه صارم لانت مضاربهيسوسنا رغباً إن شاء أو رهبا
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
السيف والرمح حدام له أبداًلا يبلغان له جداً ولا لعباً
يرمي فيرضيهما عن كل مجترمويعصيان على ذي النصح إن غضبا
تجري دماء الأعادي بين أسطرهولا يحس له صوت إذا ضربا
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
فما رأينا مداداً قبل ذاك دماًولا رأينا حساماً قبل ذا قصبا
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
وقد شككنا فما ندري لشربتهأنظم الدر في القرطاس أن كتبا

وقال آخر في سفر طويل:

وعاشق تحت رواق الدجىأغرى به الحيرة فقدان
أعرب عن مكنون إضمارهأحوى لطيف الكشح خمصان
يتيح غدراً لثرى جادهامن باكر الوسمي هتان
يحوك وشياً نقش ديباجهبلاغة تسدى وبرهان
وفيه للناظر أعجوبةيكسو عراة وهو عريان
كأنما الدنيا بأقطارهاله إذا ما أجبت ميعان
تجري به خمس مطايا لهمختلفات القصد أقران
كأنها من ضم تركيبهامن خالص الفضة قضبان
له لسان مرهف خدهمن ريقة الكرسف ريان
في دقة المعنى إذا أغرقتالقول في التدقيق أذهان
كأنما يفتر عنه إذاما افتر للمنطق ثعبان
ترى بسيط الفكر في نظمهشخصاً له حد وجثمان
كالحلي إلا أنه أحرفبيض المعاني وهي سودان
كأنما يسحب في إثرهاذيلاً من الحكمة سحبان
لولاه ما قام منار الهدىولا سما بالملك ديوان

وقال أبو يزيد عتاب بن ورقاء:

لك القلم الذي لم يجري إلاأبان لك العدو من الولي
إذا استرعفته ألقى سواداًعلى القرطاس أبهر من حلي
فيا طوبى لمن أدلى إليهبإحسان وويل للمسي
شباة سنانه في الحرب أمضىوأنفذ من شباة السمهري
فقال: سلاح مثلك وهو يعزىسلاح الفارس البطل الكمي

وأنشدني عون:

وأسمر طاوي الكشح أخرس ناطقله ذملان في بطون المهارق
إذا استمطرته الكف جاد سحابهبلا صوت إرعاد ولا صوت بارق
كان اللآلي والزبرجد نظمهونور الأقاحي في بطون الحدائق
كان عليه من دجى الليل حلةإذا ما استهلت مزنة للصواعق
إذا ما امتطى غر القوافي رأيتهامجللة تمضي أمام السوابق

وأنشدني عون للفضفاضي:

لك القلم الذي لم يجر يوماًلغاية منطق فكبا لعي
ومبتسم من القرطاس يأسوويخرج وهو ذو بال رخي
فما المقدار أمضى من شباهولا الصمصام سيف المذحجي

قال أبو بكر: ولي من قصيدة، مدحت بها ابن الفرات، في

وزارته الأولى:

في يديه محكم في ذوي اللبوما فيه إن تبينت لب
شهد السيف أنه السيف حقاًناقص القدر زائد الحد عضب
وسيوف العداة انفذ جداًحين تعدى بدرة الموت حرب
من رأى مثل ما وصفت حساماًنافذ ضربه وما منه ضرب
كل يوم له ولم يلق كيداًمن دماء العصاة ولع وخضب

قال أبو بكر: ولي من قصيدة طويلة مدحت بها بعض الرؤساء:

في يدك الأعلى محلى بهتواصل الضرب مع الطعن
إن نبه السيف لأمر لهجاء إليه مرعد المتن
ينظر ما يهوى بلا ناظرويسمع السر بلا أذن
يذري دموع العاشق المبتلىيطعن من يهواه في الطعن
فيضحك الملك بكاء لهلم يك من غم ولا حزن
ترى لديه فصحاء الورىإذا امتطى القرطاس كاللكن
سيف على الأعداء لكنهلم يغتمضه ظلم الجفن

وأنشدني أحمد بن محمد بن إسحاق:

ما ضر من أضنى بهجرانهقلب كئيب القلب حرانه
لو فرج الكربة عن مدنفتشقه لوعة أحزانه
برقعة ينظمها كفهنظم لآليه ومرجانه
بمرهف الأحشاء ذي حلةموشية ترفع من شانه
لعابه عيش وموت إذاجاد به تفليج أسنانه
إذا امتطاه بشبيهاتهكشف أسراراً بإعلانه
يركض في ميدان قرطاسهركض جواد وسط ميدانه

حدثنا أحمد بن أبي الموج البازي قال: أنشدني الحسين بن عبد الله العبدي الهمداني لنفسه:

حين نادى حاديهم بانطلاقوجرى بالفراق طير الفراق
ورأى العاشقون أن لا معينهو أجدى من عبرة واحتراق
ظلت أشكو صبابتي وإننيمتحل بحيلة العشاق
ناحل جسمه كأن يد البين سقته منه بكأس دهاق
أخرس في لسانه للعطاياوالمنايا عتاد ريق مراق
فإذا مجه أتى بلعاب الليل حلو الخطاب مر المذاق
وشبيهاته ثلاث حوتههن منه مفاتح الأرزاق
يمتطيهن ثم يرتجل القوللفصل الخطاب في الآفاق
فتراه بمصر يحكم ما شاء وبالصين وهو خلف العراق

وله في صفة القلم أبيات من قصيدة في بعض الرؤساء:

له القلم الأعلى الذي سار عدلهوتدبيره ما بين بر إلى بحر
يشابه حد السيف رقة حدهوينسب لوناً في المثقفة السمر
ويبلغ ما لم يبلغا في عدوهإذا رد من طي الدواة إلى النشر
تصرفه منه ثلاث أصابعوكف براها الله للنفع والضر
إذا ما حوته وامتطى بطن مهرقتسطر نوراً فوق أرض من الدر
إذا أظلم الدهر الخؤون بصرفهأبان له إحسانه وضح الفجر

قال أبو بكر: وكنت أنشدت العباس بن الحسن قصيدة استحسنها الناس، ووصفوا بيتاً فيها عنده أخذه ذكرويه:

المستبيح سن القرامط رايةلما استباحوا حرمة الإسلام
أجرى المداد بكيدهم فكأنماأجرى دمائهم على الأقلام

حدثني محمد بن أحمد الأنصاري، قال: دخل عيسى بن فرخانشاه على جارية وهي تكتب خطاً حسناً فقال:

سريعة جري الخط تنظم لؤلؤاًوينثر دراً لفظها المترشف
وزادت لدنيا حظوة ثم أقبلتوفي إصبعيها أسمر اللون مرهف
أصم سميع ساكن متحركينال جسيمات المدى وهو أعجف
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة

وقال بعض الوراقين يصف قلمه ويمدحه ويذكر استغناءه:

يا مجيري من سطوة الأمراءوعميدي في نوبة اللأواء
والذي صان حر ديباجة الوجهـ عن الأسخياء والبخلاء

والذي لا أزال أنعت في الشعر وأطريه غاية الإطراء

وسفيري بما أريد من الأمر إلى إخوتي من الأدباء

والذي لا يزال يخبر في المهرق عن سالف الأنباء

وإذا ما ابتعثته استن كالثاقب يفري دجنة الظلماء

وقال عبد الله بن المعتز في القاسم بن عبيد الله:

قلم ما أراه أو فلك يجري بما شاء قاسم ويدور
راكع ساجد يقلب قرطاساً كما قلب البساط شكور

وفيه يقول:

عليم بأعقاب الأمور كأنهلمختلفات الظن يسمع أو برى
إذا أخذ القرطاس خلت يمينهيفتح نوراً أو ينظم جوهرا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «عليم بأعقاب الأمور كأنه»

وقال ابن الرومي فأحسن:

لعمرك ما السيف سيف الكميبأخوف من قلم الكاتب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لعمرك ما السيف سيف الكمي»
له شاهد إن تأملتهظهرت على سره الغائب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لعمرك ما السيف سيف الكمي»
أراه المنية من جانيهـ فمن مثله رهبة الراهب
ألم تر في صدره كالسنانوفي الردف كالمرهف القاضب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لعمرك ما السيف سيف الكمي»

وقال أبو أسامة الكاتب كاتب عياض:

وأعجف مشتق الشباة مقلمموشي القرى طاوي الحشا أسود الفم
تبين خفي السر آثاره لناويعرب عن غير الضمير المكتم
يؤدي صحيح القول عنه مخاطباًبه العين دون السمع لا بالتكلم
إذا استغزرته الكف فاضت سجالهمن الفكر فيض الرايح المتغيم

وقال صالح بن عبد الملك بن صالح يخاطب كاتب أبيه:

أجريت فوق صدور كتبك دامغاًيبكيه ضحك الفكر والأوهام
ميتاً تشافهه القلوب بعلمهايبدي ضمائرها بغير كلام
مستعجماً فإذا اللواحظ ترجمتعنه أتى بفصاحة الأعجام
تجري سناكب بغير حوافرفيديرنا ورداً بغير لجام

قال: ودخل محمد بن ذؤيب العماني الراجز على الرشيد، فأنشده أرجوزة يصف فيها فرساً شبه أذنيه فيها بقلم محرف:

كأن أذنيه إذا تشوفاقادمة أو قلماً محرفا

فقال له الرشيد: دع كأن، وقل: " تخال أذنيه إذا تشوفا " حتى يستوي الإعراب.

النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أدب الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.