من «أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
من مختار شعره في الشيب والزهد
قال
عَزَفْتُ عَنِ المُدامَةِ واَلتَّصابِيوَعَزَّانِي المَشِيبُ عَنِ الشَّبابِ
وَقَدْ كانَ الشَّبابُ سُطُورَ حُسْنِيفَمَحَّيْتُ السُّطُورَ مِنَ الْكِتابِ
وقال:
أَفِقْ عَنْكَ حانَتْ كَبْرَةٌ وَمَشِيبُأَما للتُّقَى وَالحَقِّ فِيكَ نَصيِبُ
أَيَا مَنْ لَهُ في باطن اْلأَرْض مَنْزلٌأَتأْنَسُ في الدُّنْيا وَأَنْتَ غَريبُ
وقال:
ماتَ الْهَوى مِنِّي وَضاعَ شَبابِيوَقَضْيتُ مِنْ لَذَّاتِه أَطْرابِي
وَإذَا أَرَدْتُ تَصابِياً فِي مَجْلِسٍفَالشَّيْبُ يَضْحَكُ بِي مَعَ اْلأَحْبابِ
وقال
يا رُبَّ لَيْلٍ أَسْوَدِ الذَّوائِبِسَرَيْتُهُ بِقُلُصٍ نَجائِبِ
حَتَّى نَهاهُ زُهْرَةُ الْكَواكِبِوَأَصْغَتِ الْعَقْرَبُ لِلرَّغائِبِ
بِذَنَبٍ كَصَوْلَجانِ الَّلاعِبِقَدْ مُلِئَ الزَّمانُ باْلعَجائِبِ
وارْتَفَع المَنْسِمِ فَوْقَ الْغارِبِعُدْ بِالْكَفافِ مِنْ رَجاءِ كاِذبِ
وَاقْعُدْ فَقَدْ أَعْذَرْتَ فِي المَطالِبِ
وقال
تَوَلَّى الَجْهلُ وَانْقَطَعَ الْعِتابُوَلاحَ الشَّيْبُ وَافْتَضَحَ الِخضابُ
لَقَدْ أَبْغَضْتُ نَفْسِي فِي مَشِيِبيفَكَيْفَ تُحُّبِنِي اَلْخَوْدُ الْكَعابِ
وقال
آهِ مِنْ حَسْرتِي عَلَى اْلأَحْبابِآهِ مِنْ سَفْرَةٍ بِغَيرِ إيابِ
آهِ مِنْ مَضْجَعِي فَرِيداً وَحِيداًفَوْقَ فَرْشٍ مِنْ اْلحَصَى وَالترُّابِ
وقال
رَأَتْ طِالعاً فِي الرَّأْس أَغْفَلْتُ أَمْرَهُوَلَمْ تَتَعَهَّدْهُ أَكُفُّ الْخَواضبِ
فَقالَتْ أَشَيْبٌ ما أَرَى قُلْتُ شامَةٌفَقالَتْ لَقَدْ شامَتْكَ عِنْدَ الحَبايِب
وقال
قُلْ لِذاتِ الَّلحْظَةِ المُتَخَنِّثَهْوَلِمَنْ أَمْسَتْ بِلَوْمِي عَبِثَهْ
إِنمَّا مالِيَ ما أَنْفُقهُوَالَّذِي أَتْرُكُهُ لِلْوَرَثَهْ
وقال
هَلاَّ كَلَيْلاتِهِ فِي لَيْلَةِ اْلأَحَدِلَقَدْ تَمَلأَّْتُ مِنْ هَمٍّ وَمِنْ سُهْدِ
كَمْ راسِبٍ فِي عِمادِ المُلْكِ تَحْسِبُهُفِي لَذَّةٍ وَهْوَ فِي غَمٍّ وَفِي كَمَدِ
وَعاقِدٍ فَوْقَ أَمْوالِ يُجَمِّعُهاقَدْ أَصْبَحَتْ بَعْدَهُ مَحْلُولَةَ الْعُقَدِ
وَمُبْرِمٍ أَمْرَهَ وَالدَّهْرُ يَنْقُضُهُهَلْ غالَبَ الدَّهْرَ يا للَنَّاسِ مِنْ أَحَدِ
يا هِنْدُ رابَنِي اِلأْخْوانُ وَامْتَلأَتْعَيْنِي قَذًى وَخَلَتْ مِنْ مَعْشَرِي عَضدِي
وَالشَّيْبُ فَضَّاحُ وَعْظٍ لَسْتُ أَحْمَدُهُأَسْرِى بِهِ فِي طَرِيِق الحَقِّ وَالرَّشَدِ
وقال
يا صاحِبِي قَدْ كَفاكَ الدَّهْرُ تَفْنِيِديخَرَجْتُ مِنْ لَحظاتِ الْكاعِبِ الرُّودِ
وَأَرْسَلَ الشَّيْبُ لاَ يْبِغي بِهِ قَنَصاًبُزاتَهُ الْبِيضَ فِي غِرْبانِي السُّودِ
وقال
وَقالُوا النُّصُولُ مَشِيبٌ جَدِيدٌفَقُلْتُ الخِضابُ شَبابٌ جَدِيدُ
إساءَةُ هَذَا بِإْحسانِ ذَافَإِنْ عادَ هَذَا فَهَذَا يَعُودُ
وقال
قاَلتْ أَرَى عَجَباً أَنْ نَوَّرَ الشَّعَرُمَهْلاً سُلَيْمَى فَهَذَا الشَّيْبُ والْكِبَرُ
يا هَذِهِ أَنا دَيْنٌ لْلفَناء عَلَي الدُّنْيا تُنَجِّزُهُ الآصَالُ وَالْبُكَرُ
وَقَدْ بَدا لِيَ فيما قَدْ هُدِيُتُ لَهُإلىَ الحْيَاةِ إلَى دار الْبلا سَفَرُ
كَمْ مِنْ أَخٍ لِيَ قَدْ سَوَّيْتُ مَضْجَعَهُكَأَنَّما غابَ فِي أَكْفانِهِ قَمَر
فَمَسَّ نَفْسِي يَوْمِي مِنْهُ ما كَرِهَتْوَلا أُشْرِبَتْ بِهِ اْلأَوْهامُ واَلذِّكَرُ
غَنِيتُ حِينا وَيَوْمِي كُلُّهُ مَعَهُغَداةَ سَعْدٍ وَلَيْلِى كُلُّهُ سَحَرُ
وقال في المشاورة
تَجاوَزْ عنْ جِنايَةِ كُلِّ دَهْرٍوَصاحِبْ يَوْمَ حاِدثَةٍ بِصَبْرِ
وَإنْ تَأْتِيكَ ناِئَبةٌ فَشاوِرفَكَمْ حَمِدَ المُشاوِرُ غِبَّ أَمْرِ
وَقَسِّمْ هَمَّ نَفْسِكَ فِي نُفُوسٍوَلاَ تَتَفَرَّدَنَّ بِطُولِ فِكْر
إذا كُظَّ الفُراتُ بِماءِ مَدٍّأَغَصَّ بِهِ حَلاَقَمِ كُلِّ نَهْرِ
وقال
تَخْفَي حاجاتِي مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمِوَلَكِنَّها للهِ تَبْدُو وَتَظْهَرُ
لِمَنْ لا يَرُدُّ السَّائِليِنَ بِخَيْبَةٍوَيَدْنُو مِنَ الدَّاعِي وَيُعْطِي فَيُكْثِرُ
وقال
يا ذاَ الْغِنَى والسَّطْوَةِ الْقادِرَهْوالدوْلَةِ النَّاهِيَةِ الآمِرَهْ
انْتَظِرِ الدُّنْيا فَقَدْ أَقْرَبَتْوَعَنْ قَلِيلٍ تَلِدُ الآخِرَهْ
وقال
إنْ حارَبَ الَهُّم قَلْبِيفَقَدْ أُعِينُ بِصَبْرِ
يا دَهْرُ إنْ كُنْتَ حُرّاًلمَا أَسَأْتَ بِحُرِّ
وقال
وَسُكَّانِ دَهْرٍ لا تَواصُلَ بَيْنَهُمْعَلَى قُرْبِ بَعْضٍ فِي التَّجاورُ مِنْ بَعْضِ
كَأَنَّ خَواتِيماً مِنْ الطِّينِ فَوْقَهُمْوَلَيْسَ لهَا حَتَّى الْقِيامَةِ مِنْ فَضِّ
وقال
يا خِاضباً لِلِحْيَةٍ سَوْفَ تُرْفَضْبَعْدَ قَلِيلِ وَيَصْبِغُ الْمُعْرِضْ
مُسْوَدَّةٌ بِها ضَمِيرٌ أَبْيَضْقامَ الخِضابُ وَاَلمِشيبُ يَرْكُضْ
وقال
كُنْ جاهِلاً أَوْ فَتَجاهَلْ تَفُرْلِلْجَهْلِ فِي ذا الدَّهْرِ جاهٌ عَريِضْ
وَالدَّهْرُ مَحْرُومٌ يَرَى ما يَرَىكما يَرَى الْوَارِثُ عَيْنَ الْمَريِضْ
وقال
أَلَسْتُ أَرَى شَيْباً بِرَأْسِيَ طالِعاًوَنَتْ حِيَلِي عَنْهُ وَضاقَ بِهِ ذَرْعِي
كَأَنَّ المَناقِيشَ التَّيِ تَعْتَوِرْنَهُمَناقِيرُ طَيْرٍ تَلْتَقِي سُنْبُلَ الزَّرْعِ
وقال
لا تَكْذِبَنَّ فَخَيْرُ الْقَوْلِ أَصْدَقُهُالمَالُ يَفْرَقُ مِنْ كَفٍّ نُفَرِّقُهُ
فَما يَطُولُ بِها إلاَّ عَلَى وَجَلٍحَتَّى يِطَيرَ إلىَ مَنْ لَيْسَ يُنْفِقُهُ
فَيَسْتَريِحَ إذا لاقاهُ مِنْ هِبَةٍوَمِنْ شِراءٍ وَبَيَعٍْ كان يُقْلِقُهُ
وقال
قُلْ لِمَشِيِبي إذْ بَدَاوَابْيَضَّ مِنِّي الِمَفْرق
يا فِضَّةً حُلِّيتُهَالَكِنَّها لا تَنْفَقُ
وَيا نَهاراً لايُرَجِّى صُبْحَهُ مَنْ يَعْشَقُ
لا مَرْحَباً لا مَرْحَباًأَنْتَ الْعَدُوُّ اْلأَزْرَقُ
وقال
يا نَفْسُ صَبْراً لَعَلَّ الخَيْرَ عُقْباكِخانَتْكِ بَعْدَ لَذِيذِ الْعَيْشِ دنْياكِ
مَرَّتْ بِنا بُكَراً طَيْرٌ فَقُلْتُ لهَاطُوباكِ يا ليَتْنَاَ إيَّاكِ طُوباكِ
لَكِنْ هُوَ الدَّهْرُ فَالْقَيْهِ عَلَى حَذَرٍفَرْبَّ مِثْلُكِ يَنْزُو تَحْتَ أَشْراكِ
فرضيه أبو العباس وكتب إليه
لِحَقْتُ الرِّضا مِنْ بَعْدِ طولِ تَغَضُّبٍبِأَبْلَقَ كَالْجِذْعِ الذَّيِ لَمْ يُثَقَّبِ
لَهُ هامَةٌ مُسَوَدَّةُ اللَّوْنِ عَيْنُهاتُبارِى سَنا نارٍ عَلَى رَأْس مَرْقَبِ
كَمِدْرَى فَتاةٍ فِي خِمارِ حِدادِهامَوَكَّلَةٍ مِنْها بِرأْسٍ مُعَصَّبِ
مِنَ الذَّهَبِ اْلأَبرِيزِ يَلْمَعُ لَوْنُهُكمَا لاحَ فِي جُنْحِ الدُّجَى ضَوْءُ كَوْكَبِ
ولعبد الله بن المعتز بعد هذه أشعار حسان في مكاتباته لإخوانه تركنا ذكرها لنذكرها مع أشعار إخوانه إذا انتهينا إليهم، إذ كانوا مقلين، لتحسن أشعارهم بجواباته لهم إن شاء الله.
النص من طبعة مطبعة الصاوي (١٣٥٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع