من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّادِس وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
فكلاً أَرَاهُم أَصْبحُوا يعقلونهصحيحات مَال طالعات بمخرم
على أَنه مِمَّا اشْتغل الْفِعْل فِيهِ بِنَفس الضَّمِير إِذْ التَّقْدِير: يعْقلُونَ كلا هَذَا الْبَيْت من معلقَة زُهَيْر بن أبي سلمى وَضمير الْجمع فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة عَائِد إِلَى الْحَيّ وهم قَبيلَة بني ذبيان وَقَوله: فكلاً أَي: فَكل وَاحِد من المقتولين الْمَذْكُورين قبل هَذَا الْبَيْت وروى الأعلم: يعقلونهم بإرجاع الضَّمِير إِلَى كل مجموعاً بِاعْتِبَار الْمَعْنى نَحْو قَوْله تَعَالَى: كل فِي فلك يسبحون ويعقلونه: أَي: يؤدون عقله أَي: دِيَته يُقَال عقلت الْقَتِيل من بَاب ضرب: أدّيت دِيَته قَالَ الْأَصْمَعِي: سميت الدِّيَة عقلا تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ لِأَن الْإِبِل كَانَت تعقل بِفنَاء ولي الْقَتِيل ثمَّ كثر الِاسْتِعْمَال حَتَّى أطلق الْعقل على الدِّيَة إبِلا كَانَت أَو نَقْدا وعقلت عَنهُ: غرمت عَنهُ مَا لزمَه من دِيَة وَجِنَايَة وَهَذَا هُوَ الْفرق بَين عقلته وعقلت عَنهُ: وَمن الْفرق بَينهمَا أَيْضا عقلت لَهُ دم فلَان: إِذا تركت الْقود للدية وَعَن الْأَصْمَعِي: كلمت القَاضِي أَبَا يُوسُف بِحَضْرَة الرشيد فِي ذَلِك فَلم يفرق بَين عقلته وعقلت عَنهُ حَتَّى
فهمته كَذَا فِي الْمِصْبَاح فتفسير الأعلم فِي شَرحه للديوان يعقلونه بقوله: يغرمون دِيَته غير جيد وَالْمعْنَى: أرى حَيّ ذبيان أَصْبحُوا يعْقلُونَ كل وَاحِد من المقتولين من بني عبس فالرؤية وَاقعَة على ضمير الْحَيّ وَالْعقل وَاقع على ضمير كل فَلَا يَصح قَول أبي جَعْفَر النَّحْوِيّ وَقَول الْخَطِيب)
التبريزي فِي شرحيهما لهَذِهِ الْمُعَلقَة: إِن كلا مَنْصُوب بإضمار فعل يفسره مَا بعده كَأَنَّهُ قَالَ: فَأرى كلا وَيجوز الرّفْع على أَن لَا يضمر لَكِن النصب أَجود لتعطف فعلا على فعل لِأَن قبله وَلَا شاركت فِي الْحَرْب وَوجه الرّفْع حِينَئِذٍ: أَن يكون كل مُبْتَدأ وَجُمْلَة يعقلونه الْخَبَر وَمَا بَينهمَا اعْتِرَاض وَقَوله صحيحات مَال أَي: لَيست بعدة وَلَا مطل يُقَال: مَال صَحِيح: إِذا لم تدخله عِلّة فِي عدَّة ومطل وَالْمَال عِنْد الْعَرَب: الْإِبِل وَعند الْفُقَهَاء: مَا يتمول أَي: مَا يعد مَالا فِي الْعرف وَقَوله: طالعات بمخرم هُوَ بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الثَّنية فِي الْجَبَل وَالطَّرِيق يَعْنِي: أَن إبل الدِّيَة تعلو فِي أَطْرَاف الْجَبَل عِنْد سوقها إِلَى أَوْلِيَاء المقتولين يُشِير إِلَى وفائهم وروى أَبُو جَعْفَر والخطيب المصراع الثَّانِي: علالة ألف بعد ألف مصتم والعلالة: بِضَم الْمُهْملَة هَاهُنَا: الزِّيَادَة وَبِنَاء فعالة للشَّيْء الْيَسِير نَحْو القلامة والمصتم بِضَم الْمِيم وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة: التَّام والكامل
وروى صعوداء فِي شَرحه لديوان زُهَيْر: صحيحات ألف بعد ألف مصتم وَالْبَيْت الْمَذْكُور. على رِوَايَة الأعلم ملفق من بَيْتَيْنِ. وَهَذِه رِوَايَته:
فكلاً أَرَاهُم أَصْبحُوا يعقلونهمعلالة ألف بعد ألف مصتم
تساق إِلَى قوم لقوم غَرَامَةصحيحات مَال طالعات بمخرم
وَقَالَ: وَقَوله: تساق إِلَى قوم أَي: يدْفع إبل الدِّيَة قوم إِلَى قوم ليبلغوها هَؤُلَاءِ وَيَنْبَغِي أَن نورد مَا قبل هَذَا الْبَيْت حَتَّى يَتَّضِح مَعْنَاهُ وَكَذَلِكَ السَّبَب الَّذِي قيلت هَذِه القصيدة لأَجله فَنَقُول: قَالَ الشُّرَّاح: إِن زهيراً مدح بِهَذِهِ القصيدة الْحَارِث بن عَوْف وهرم بن سِنَان المريين وَذكر سعيهما بِالصُّلْحِ بَين عبس وذبيان وتحملهما الْحمالَة وَكَانَ ورد بن حَابِس الْعَبْسِي قتل هرم بن ضَمْضَم المدي فِي حَرْب عبس وذبيان قبل الصُّلْح وَهِي حَرْب داحس ثمَّ اصْطلحَ النَّاس وَلم يدْخل حُصَيْن بن ضَمْضَم أَخُو هرم بن ضَمْضَم فِي الصل فِي الصُّلْح وَحلف: لَا يغسل رَأسه حَتَّى يقتل ورد بن حَابِس أَو رجلا من بني عبس ثمَّ من بني غَالب وَلم يطلع على ذَلِك أحدا وَقد حمل الْحمالَة الْحَارِث بن عَوْف بن أبي حَارِثَة وهرم بن سِنَان بن أبي حَارِثَة فَأقبل رجل من بني عبس ثمَّ من بني غَالب حَتَّى نزل بحصين بن ضَمْضَم فَقَالَ: من)
أَنْت أَيهَا الرجل فَقَالَ: عبسي فَقَالَ: من أَي عبس فَلم يزل ينتسب
حَتَّى انتسب إِلَى غَالب فَقتله حُصَيْن فَبلغ ذَلِك الْحَارِث بن عَوْف وهرم بن سِنَان فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمَا وَبلغ بني عبس فَرَكبُوا نَحْو الْحَارِث فَلَمَّا بلغ الْحَارِث ركُوب بني عبس وَمَا قد اشْتَدَّ عَلَيْهِم من قتل صَاحبهمْ وَإِنَّمَا أَرَادَت بَنو عبس أَن يقتلُوا الْحَارِث بعث إِلَيْهِم بِمِائَة من الْإِبِل مَعهَا ابْنه وَقَالَ للرسول: قل لَهُم: آللبن أحب إِلَيْكُم أم أَنفسكُم فَأقبل الرَّسُول حَتَّى قَالَ مَا قَالَ فَقَالَ لَهُم الرّبيع بن زِيَاد: إِن أَخَاكُم قد أرسل إِلَيْكُم: آلإبل أحب إِلَيْكُم أم ابْنه تَقْتُلُونَهُ فَقَالُوا: نَأْخُذ الْإِبِل ونصالح قَومنَا وَيتم الصُّلْح فَقَالَ زُهَيْر فِي ذَلِك هَذِه القصيدة وَبعد أَن تغزل بِخَمْسَة عشر بَيْتا قَالَ:
سعى ساعياً غيظ بن مرّة بَعْدَمَاتبزل مَا بَين الْعَشِيرَة بِالدَّمِ
الساعيان: الْحَارِث بن عَوْف وهرم بن سِنَان وَقيل: خَارِجَة بن سِنَان وَهُوَ أَخُو هرم بن سِنَان وهما ابْنا عَم لِلْحَارِثِ بن عَوْف لِأَنَّهُمَا ابْنا سِنَان بن أبي حَارِثَة والْحَارث هُوَ ابْن عَوْف بن أبي حَارِثَة وابْن أبي حَارِثَة هُوَ ابْن مرّة بن نشبة بن مرّة بن غيظ بن مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان وَمعنى سعيا: أَي: عملا عملا حسنا حِين مشيا للصلح وتحملا الدِّيات وتبزل أَي: تشقق يَقُول: كَانَ بَينهم صلح فتشقق بِالدَّمِ الَّذِي كَانَ بَينهم فسعيا فِي إحكام الْعَهْد بعد مَا تشقق بسفك الدِّمَاء
فأقسمت بِالْبَيْتِ الَّذِي طَاف حولهرجال بنوه من قُرَيْش وجرهم
أَرَادَ بِالْبَيْتِ الْكَعْبَة المعظمة وجرهم: أمة قديمَة كَانَت أَرْبَاب الْبَيْت قبل قُرَيْش وبنوه بِفَتْح النُّون من الْبناء وَضمّهَا خطأ
يَمِينا لنعم السيدان وجدتماعلى كل حَال من سحيل ومبرم
يَمِينا: مصدر مُؤَكد لقَوْله أَقْسَمت وَجُمْلَة لنعم السيدان الخ جَوَاب الْقسم وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب أَفعَال الْمَدْح على أَن الْمَخْصُوص بالمدح إِذا تَأَخّر عَن نعم يجوز دُخُول نواسخ الْمُبْتَدَأ عَلَيْهِ فَإِن ضمير التَّثْنِيَة فِي وجدتما هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح وَقد دخل عَلَيْهِ النَّاسِخ وَهُوَ وجد وعلى مُتَعَلقَة بِهِ والسحيل: بِفَتْح السِّين وَكسر الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: المسحول أَي: الَّذِي لم يحكم فتله والمبرم: مفعول من أبرم الفاتل الْحَبل: إِذا أعَاد عَلَيْهِ الفتل ثَانِيًا بعد أول فَالْأول سحيل وَالثَّانِي مبرم وَقيل: السحيل: مَا فتل من خيط وَاحِد)
والمبرم: مَا فتل من خيطين وَأَرَادَ بالسحيل الْأَمر السهل الضَّعِيف وبالمبرم الشَّديد الْقوي
تداركتما عبساً وذبيان بَعْدَمَاتفانوا ودقوا بَينهم عطر منشم
عبس وذبيان: أَخَوان وهما ابْنا بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس
بن عيلان بن مُضر أَي: تداركتماهما بِالصُّلْحِ بَعْدَمَا تفانوا بِالْحَرْبِ ومنشم الْمَشْهُور بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر الشين الْمُعْجَمَة زَعَمُوا أَنَّهَا امْرَأَة عطارة من خُزَاعَة تحالف قوم فأدخلوا أَيْديهم فِي عطرها على أَن يقاتلوا حَتَّى يموتوا فَضرب زُهَيْر بهَا الْمثل أَي: صَار هَؤُلَاءِ فِي شدَّة الْأَمر بِمَنْزِلَة أُولَئِكَ وَقيل: كَانُوا إِذا حَاربُوا اشْتَروا مِنْهَا كافوراً لموتاهم فتشاءموا بهَا وَزعم بَعضهم: أَنَّهَا امْرَأَة من بني غُدَانَة وَهِي صَاحِبَة يسَار الكواعب وَكَانَت امْرَأَة مَوْلَاهُ وَكَانَ يسَار من أقبح النَّاس وَكَانَ النِّسَاء يضحكن من قبحه فَضَحكت مِنْهُ منشم يَوْمًا فَظن أَنَّهَا خضعت إِلَيْهِ فَرَاوَدَهَا عَن نَفسهَا فَقَالَت لَهُ: مَكَانك فَإِن للحرائر طيبا فَأَتَت بمُوسَى فأشمته طيبا ثمَّ أنحت على أصل أَنفه فاستوعبته قطعا فَخرج هَارِبا وَدَمه يسيل فَضرب الْمثل فِي الشَّرّ بِطيب منشم وَقيل غير ذَلِك
وَقد قلتما إِن ندرك السّلم وَاسِعًابِمَال ومعروف من القَوْل نسلم
السّلم والسّلم: الصُّلْح يذكر وَيُؤَنث وَمنا مُذَكّر لقَوْله: وَاسِعًا: أَي: مُمكنا وَقَالَ الأعلم: أَي: كَامِلا مكيناً وَقَوله: نسلم أَي: من الْحَرْب وَرُوِيَ بِضَم النُّون أَي: نوقع السّلم بَين الْقَوْم وَالصُّلْح
فأصبحتما مِنْهَا على خير موطنبعيدين فِيهَا من عقوق ومأثم
أَي: أصبحتما من الْحَرْب على خير منزلَة وَمن للبدل وبعيدين: خبر بعد خبر والعقوق: قطيعة الرَّحِم والمأثم: الْإِثْم عليا معد: مؤنث أَعلَى أَي: فِي عليا منزلَة هَذِه الْقَبِيلَة وَرُوِيَ بدل وَغَيرهَا هديتما وَهُوَ دُعَاء أَي: دَامَت هدايتكما إِلَى طَرِيق الْفَلاح وَمعنى يستبح كنزاً يصب مجداً مُبَاحا والكنز كِنَايَة عَن الْكَثْرَة يَقُول: من فعل فعلكما فقد أُبِيح لَهُ الْمجد وَاسْتحق أَن يعظم عِنْد النَّاس رُوِيَ يعظم بِالْفَتْح أَي: يصر عَظِيما وبالضم مَعَ كسر الظَّاء أَي: يَأْتِ بِأَمْر عَظِيم وَمَعَ فتح الظَّاء أَي: يعظمه النَّاس وعظيمين خبر ثَالِث...
فَأصْبح يحدى فيهم من تلادكممَغَانِم شَتَّى من إفال المزنم
)
تعفى الكلوم بالمئين فَأَصْبَحتينجمها من لَيْسَ فِيهَا بمجرم
أَي: تمحى الْجِرَاحَات بالمئين من الْإِبِل وَإِنَّمَا يَعْنِي أَن الدِّمَاء تسْقط بالديات
وَقَوله: ينجمها أَي: تجْعَل نجوماً على غارمها وَلم يجرم فِيهَا أَي: لم يَأْتِ بجرم من قتل تجب
ينجمها قوم لقوم غَرَامَةوَلم يهريقوا بَينهم ملْء محجم
يَعْنِي أَن هذَيْن الساعيين حملا دِمَاء من قتل وَغرم فِيهَا قوم من رهطهما على أَنهم لم يصبوا دم أحد ملْء محجم أَي: أَنهم أعْطوا فِيهَا وَلم يقتلُوا ويهريقوا: أَصله يريقوا وزيدت الْهَاء الْمَفْتُوحَة
فَمن مبلغ الأحلاف عني رِسَالَةوذبيان: هَل أقسمتم كل مقسم
فَلَا تكتمن الله مَا فِي نفوسكمليخفى وَمهما يكتم الله يعلم
الأحلاف: أَسد وغَطَفَان وطيئ وَمعنى هَل أقسمتم الخ أَي: هَل حلفتم كل الْحلف لتفعلن مَا لَا يَنْبَغِي وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي بحث هَل وَقَوله: فَلَا تكتمن الله الخ أَي: لَا تضمروا خلاف مَا تظهرونه فَإِن الله يعلم السِّرّ فَلَا تكتموا مَا فِي أَنفسكُم من الصُّلْح وَتَقولُوا: لَا حَاجَة لنا إِلَيْهِ وَقيل معنى قَوْله: هَل أقسمتم هَل حلفتم على إبرام حَبل الصُّلْح فتخرجوا من الْحِنْث فَلَا تخفوا الله مَا تضمرون من الْغدر وَنقض الْعَهْد ويكتم: بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول بِخِلَاف يعلم فَإِنَّهُ للْفَاعِل
يُؤَخر فَيُوضَع فِي كتاب فيدخرليَوْم الْحساب أَو يعجل فينقم
جَمِيع الْأَفْعَال بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول مَا عدا الْأَخير يُقَال: نقم مِنْهُ من بَاب ضرب
بِمَعْنى عاقبه وانتقم
وَمَا الْحَرْب إِلَّا مَا علمْتُم وذقتموَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ المرجّم
يَقُول: مَا الْحَرْب إِلَّا مَا جربتم وذقتم فإياكم أَن تعودوا إِلَى مثلهَا وَقَوله: وَمَا هُوَ عَنْهَا أَي: مَا الْعلم عَن الْحَرْب بِالْحَدِيثِ أَي: مَا الْخَبَر عَنْهَا بِحَدِيث يرْجم فِيهِ بِالظَّنِّ فَقَوله: هُوَ كِنَايَة عَن)
الْعلم لِأَنَّهُ لما قَالَ إِلَّا مَا علمْتُم دلّ على الْعلم كَذَا قَالَ الْخَطِيب وَأَبُو جَعْفَر النَّحْوِيّ وَقَالَ صعوداء فِي شَرحه: هُوَ ضمير مَا وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا الَّذِي علمْتُم وَقَالَ الزوزني: هُوَ ضمير القَوْل لَا الْعلم لِأَن الْعلم لَا يكون قولا أَي: وَمَا هَذَا الَّذِي أَقُول بِحَدِيث مرجّم أَي: هَذَا مَا شهِدت عَلَيْهِ الشواهد الصادقة من التجارب وَلَيْسَ من أَحْكَام الظنون وَقَالَ الأعلم: هُوَ كِنَايَة عَن الْعلم يُرِيد: وَمَا علمْتُم بِالْحَرْبِ وعَن: بدل من الْبَاء أَي: مَا هُوَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي يرْمى بِهِ بالظنون ويشكّ وَأورد الشَّارِح الْمُحَقق هَذَا الْبَيْت فِي بَاب الْمصدر على أَن ضمير الْمصدر يعْمل فِي الْجَار وَالْمَجْرُور وَقَالَ: أَي: مَا حَدِيثي عَنْهَا. فَجعله ضمير الحَدِيث. والمرجّم: الَّذِي يرجّم بالظنون والترجيم: الظَّن. وَالْمعْنَى: أَنه يحضّهم على قبُول الصُّلْح ويخوفهم من الْحَرْب:
مَتى تبعثوها تبعثوها ذميمةوتضرى إِذا ضرّيتموها فتضرم
أَي: إِن لم تقبلُوا الصُّلْح وهجتم الْحَرْب لم تحمدوا أمرهَا والْبَعْث: الإثارة وذميمة: أَي: تذمون عَاقبَتهَا. وَرُوِيَ: دَمِيمَة بِالْمُهْمَلَةِ: أَي:
حقيرة وَهَذَا بِاعْتِبَار المبدأ وضري بالشَّيْء من بَاب تَعب ضراوة: اعتاده واجترأ عَلَيْهِ ويعدّى بِالْهَمْزَةِ والتضعيف قَالَ صعوداء فيش رحه: من الْعَرَب من يهمز ضري فَيَقُول: قد ضرئ بِهِ: فَمن هَذِه اللُّغَة تَقول: وتضرأ إِذا ضرأتموها وضرمت النَّار من بَاب تَعب أَيْضا: التهبت.
فتعرككم عَرك الرَّحَى بثفالهاوتلقح كشافاً ثمَّ تحمل فتتئم
مَعْطُوف على جَوَاب الشَّرْط وَيقْرَأ بِضَم الْمِيم للوزن قَالَ صعوداء: وَإِن رفعته مستانفاً كَانَ صَوَابا أَقُول: يمنعهُ مَا بعده من الْأَفْعَال السَّبْعَة فَإِنَّهَا مجزومة أَي: تطحنكم وتهلككم: وأصل العرك: دلك الشَّيْء. والثفال: بِكَسْر الْمُثَلَّثَة: جلدَة تكون تَحت الرَّحَى إِذا أَدْبَرت يَقع عَلَيْهَا الدَّقِيق. وَالْبَاء للمعيّة نَحْو قَوْله تَعَالَى تنْبت بالدهن. أَي: وَمَعَهَا الدّهن. وَجَاء فلَان بِالسَّيْفِ: أَي: وَمَعَهُ السَّيْف. وَالْمعْنَى: عَرك الرَّحَى طاحنة لِأَن الرَّحَى لَا تطحن إِلَّا وَتَحْت مجْرى الدَّقِيق ثفال. فَعَرَكَ: مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي: الْحبّ.
قَالَ صعوداء: فظع بِهَذَا أَمر الْحَرْب وَأخْبر بأشد أَوْقَاتهَا. قَالَ: والكشاف فِي لُغَة كنَانَة وهذيل وخزاعة: الْإِبِل الَّتِي لم تحمل عَاميْنِ: وَتَمِيم وَقيس وَأسد وَرَبِيعَة يَقُولُونَ: الْكَشَّاف الَّتِي إِذا نتجت ضربهَا الْفَحْل بعد أَيَّام فلقحت وَبَعْضهمْ يَقُول: هِيَ الَّتِي يحمل عَلَيْهَا فِي الدَّم: وَأَبُو مُضر)
طبّ بعسّ الْبَوْل غير ظلام قَالَ: فَهُوَ لَا يدنو مِنْهَا جاملاً فَكيف يدنو إِلَيْهَا فِي دَمهَا وَقَالَ: الْكَشَّاف عندنَا: أَن يحمل على النَّاقة عَاميْنِ متوالين وَذَلِكَ مُضر بهَا وَهُوَ أردأ النِّتَاج: وَإِلَى
هَذَا ذهب زُهَيْر أَي: إِن الْحَرْب تتوالى عَلَيْكُم فينالكم مِنْهَا هَذَا الضَّرَر. وَرُوِيَ: ثمَّ تحمل فتتئم والإتآم: أَن تضع اثْنَيْنِ: وَلَيْسَ فِي الْإِبِل إتآم إِنَّمَا الإتآم فِي الْغنم خَاصَّة وَإِنَّمَا يُرِيد بذلك تفظيع الْحَرْب وتحذيرهم إِيَّاهَا. جعل آفَة الْحَرْب إيَّاهُم بِمَنْزِلَة طحن الرَّحَى الحبّ وَجعل صنوف الشَّرّ تتولد من تِلْكَ الحروب بِمَنْزِلَة الْأَوْلَاد الناشئة من الْأُمَّهَات.
قَالَ أَبُو جَعْفَر والخطيب: شبه الْحَرْب بالناقة لِأَنَّهُ جعل مَا يحلب مِنْهَا من الدِّمَاء بِمَنْزِلَة مَا يحلب من النَّاقة من اللَّبن كَمَا قَالَ:
إِن المهالب لَا يزَال لَهُم فَتىيمري قوادم كل حَرْب لاقح
وَقيل: إِنَّمَا شبه الْحَرْب بالناقة إِذا حملت ثمَّ أرضعت لِأَن هَذِه الحروب تطول وَهِي أشبه بِالْمَعْنَى. وَقَوله: تتئم أَي: تَأتي بتوأمين الذّكر توأم وَالْأُنْثَى توأمة.
فتنتج لكم غلْمَان أشأم كلهمكأحمر عَاد ثمَّ تُوضَع فتفطم
مَعْطُوف على قَوْله فتتئم. نتجت النَّاقة ولدا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول: إِذا وَضعته. وأشأم: قَالَ أَبُو جَعْفَر والخطيب. فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا أَنه مصدر كَأَنَّهُ قَالَ: غلْمَان شُؤْم وَالْآخر: أَنه صفة لموصوف أَي: غلْمَان امْرِئ أشأم أَي: مشؤوم.
وَقَالَ الأعلم: أشام هُنَا صفة للمصدر على معنى الْمُبَالغَة وَالْمعْنَى: غلْمَان شُؤْم أشام كَمَا يُقَال: شغل شاغل. وكلهم: مُبْتَدأ وكأحمر عَاد: خَبره..
وَقَالَ صعوداء: وَإِن شِئْت رفعت كلا بأشأم كَمَا تَقول مَرَرْت بِرِجَال كريم أبوهم. وَفِيه أَن كلا إِذا أضيفت لضمير لَا تقع معمولة لعامل لَفْظِي.
وَيُرِيد بأحمر عَاد: عَاقِر النَّاقة واسْمه قدار بن سالف وأحمر لقبه. قَالَ الْأَصْمَعِي: اخطأ زُهَيْر فِي هَذَا لِأَن عَاقِر النَّاقة لَيْسَ من عَاد وَإِنَّمَا هُوَ من ثَمُود. وَقَالَ الْمبرد: لَا غلط لِأَن ثَمُود يُقَال لَهَا عَاد الْآخِرَة وَيُقَال لقوم هود عَاد الأولى وَالدَّلِيل على هَذَا قَوْله تَعَالَى وَأَنه أهلك عاداً الأولى وَقَالَ صعوداء والأعلم لَا غلط لكنه جعل عاداً فَكَانَ ثَمُود اتساعاً مجَازًا المعني مَعَ تقَارب مَا بَين عَاد وَثَمُود فِي الزَّمن والأخلاق.)
والإرضاع والفطم معروفان أَي: لاتنزع إِلَّا عَن حَوْلَيْنِ. وَإِنَّمَا أَرَادَ طول شدتها وَأَنَّهَا لَا تَنْقَطِع إِلَّا عَن تَمام لِأَن الْمَرْأَة إِذا أرضعت ثمَّ فطمت فقد تمت.
فتغلل لكم مَا لَا تغل لأَهْلهَاقرى بالعراق من قفيز وَدِرْهَم
مَعْطُوف على قَوْله: فتفطم أَي: فتغلل لكم هَذِه الْحَرْب من الدّيات بدمائ قَتْلَاكُمْ مَا لَا تغلّ قرى بالعراق وَهِي تغل القفيز وَالدِّرْهَم. وَهَذَا تهكّم بهم واستهزاء. يُقَال: أغلّت الضّيعة بِالْألف. صَارَت ذَات غلّة. والغلّة كل شَيْء من ريع الأَرْض أَو من أجرتهَا وَنَحْو ذَلِك.
لعمري لنعم الحيّ جرّ عَلَيْهِمبِمَا لَا يواتيهم حُصَيْن بن ضَمْضَم
جرّ: من الجريرة: وَهِي الْجِنَايَة. وفاعله حُصَيْن. وَالْجُمْلَة صفة لموصوف مَحْذُوف هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح أَي: لنعم الْحَيّ حَيّ جر عَلَيْهِم.. الخ. وعمري: مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: قسمي. وَجُمْلَة لنعم الْحَيّ الخ جَوَاب
الْقسم. ولَا يواتيهم: لَا يوافقهم رُوِيَ: لَا يماليهم والممالأة: المعاونة. وحصين بن ضَمْضَم هُوَ ابْن عَم النَّابِغَة الذبياني لِأَن النَّابِغَة هُوَ ابْن مُعَاوِيَة بن ضباب بن جَابر بن يَرْبُوع بن غيظ بن مره بن عَوْف بن سعد بن ذبيان وحصين هُوَ ابْن ضَمْضَم بن ضباب إِلَى آخر النّسَب.
وجنايته: أَنه أَنه لما اصطلحت قَبيلَة ذبيان مَعَ قَبيلَة عبس أَبى حُصَيْن بن ضَمْضَم أَن يدْخل فِي الصُّلْح واستتر مِنْهُم ثمَّ عدا على رجل من بني عبس فَقتله كَمَا تقدم بَيَانه. وَإِنَّمَا مدح حيّ ذبيان لتحملهم الدِّيات إصلاحاً لذات الْبَين:
وَكَانَ طوى كشحاً على مستكنّةفَلَا هُوَ أبداها وَلم يتجمجم
طوى بإضمار قد عِنْد الْمبرد قَالَ: لِأَن كَانَ فعل مَاض اسْمهَا ضمير حُصَيْن وَلَا يخبر عَنهُ إِلَّا باسم أَبُو بِمَا ضارعه. وَخَالفهُ أَصْحَابه فِي هَذَا.. والكشح: الْجنب وَقيل: الخاصرة يُقَال: طوى كشحه على فعلة: إِذا أضمرها فِي نَفسه. والمستكنّة: المستترة وَهِي صفة لموصوف أَي غدرة مضمرة أَو نِيَّة مستترة أَو حَالَة مستكنة لِأَنَّهُ كَانَ قد أضمر قتل ورد بن حَابِس الْقَاتِل أَخَاهُ هرم بن ضَمْضَم أَو يقتل رجلا من بني عبس وَلِهَذَا كَانَ أَبى من الصُّلْح.
وَقَوله: وَلم يتجمجم أَي: لم يدع التَّقَدُّم فِيمَا أضمر وَلم يتَرَدَّد فِي إِنْفَاذه يُقَال: جمجم الرجل وتجمجم: إِذا لم يبين كَلَامه وَسَيَأْتِي هَذَا الْبَيْت إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي خبر كَانَ وَقَالَ سأقضي حَاجَتي ثمَّ اتقِي عدوي بِأَلف من ورائي ملجم حَاجته هِيَ ادراك ثَأْره وملجم قَالَ صعوداء:)
يرْوى بِكَسْر الْجِيم
أَي: ألف فَارس ملجم فرسه وَرُوِيَ بِفَتْحِهَا أَي: ألف فرس ملجم. وَالْفرس مِمَّا يذكر وَيُؤَنث.
فشدّ وَلم تفزع بيُوت كَثِيرَةلَدَى حَيْثُ أَلْقَت رَحلهَا أم قشعم
أورد ابْن هِشَام هَذَا الْبَيْت فِي الْمُغنِي على أَن حَيْثُ قد تجر بِغَيْر من على غير الْغَالِب.
وَقَوله: فَشد.. الخ أَي: حمل حُصَيْن على ذَلِك الرجل من عبس فَقتله. وَلم تفزع بيُوت كَثِيرَة أَي: لم يعلم أَكثر قومه بِفِعْلِهِ. وَأَرَادَ بِالْبُيُوتِ أَحيَاء وقبائل. يَقُول: لَو علمُوا بِفِعْلِهِ لفزعوا أَي: لأغاثوا الرجل الْمَقْتُول وَلم يدعوا صيناً يقْتله. وَإِنَّمَا أَرَادَ بقوله هَذَا أَلا يفسدوا صلحهم بفعلة.
وَرُوِيَ: وَلم يفزع بيُوت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. قَالَ الْخَطِيب: أَي: لم يفزع أهل بيُوت ثمَّ حذف يَقُول: شدّ على عدوه وَحده فَقتله وَلم يفزع الْعَامَّة بِطَلَب وَاحِد أَي: لم يستعن عَلَيْهِ بِأحد وَإِنَّمَا قصد الثأر. وَقيل: مَعْنَاهُ أَي: لم يعلمُوا بِهِ. وَرُوِيَ: وَلم ينظر بُيُوتًا أَي: لم يُؤَخر أهل بَيت ورد بن حَابِس فِي قَتله لكنه عجل فَقتل هَذَا الرجل.
يُقَال: أنظرته بِالْألف أَي: أَخَّرته. وَرُوِيَ أَيْضا: وَلم ينظر من نظرت الرجل. أَي: انتظرته.
وَقَوله: لَدَى حَيْثُ الخ أَي: حَيْثُ كَانَ شدَّة الْأَمر يَعْنِي مَوضِع الْحَرْب وأم قشعم هِيَ الْحَرْب وَيُقَال: هِيَ الْمنية. وَالْمعْنَى أَن حصيناً شدّ على الرجل الْعَبْسِي فَقتله بعد الصُّلْح وَحَيْثُ حطت رَحلهَا الْحَرْب وَوضعت أَوزَارهَا وسكنت. وَيُقَال: هُوَ دُعَاء على حُصَيْن أَي: عدا على الرجل بعد الصُّلْح وَخَالف الْجَمَاعَة فصيّره الله إِلَى هَذِه الشدَّة وَيكون معنى أَلْقَت رَحلهَا على هَذَا ثبتَتْ وتمكنت.
وَقيل: أم قشعم: كنية العنكبوت وَقيل: كنية الضبع. وَالْمعْنَى: فَشد على
صَاحب ثَأْره بمضيعة من الأَرْض وَقَالَ صعوداء فِي شَرحه: وَقَالَ قوم: أم قشعم: أم حُصَيْن هَذَا الَّذِي شدّ أَي: فَلم يفزع الْبيُوت الَّتِي بِحَضْرَة بَيت أمه والرحل: مَا يستصحبه الْمُسَافِر من الْمَتَاع
لَدَى أَسد شاكي السِّلَاح مقاذفلَهُ لبد أَظْفَاره لم تقلم
لَدَى: مُتَعَلقَة بقوله أَلْقَت رَحلهَا وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات تَلْخِيص الْمعَانِي وَغَيره على أَن التَّجْرِيد والترشيح قد يَجْتَمِعَانِ: فَإِن شاكي السِّلَاح تَجْرِيد لِأَنَّهُ وصف بِمَا يلائم الْمُسْتَعَار لَهُ وَهُوَ الرجل الشجاع وَمَا بعده ترشيح لِأَن هَذَا الْوَصْف مِمَّا يلائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ وَهُوَ الْأسد الْحَقِيقِيّ قَالَ الأعلم والخطيب: أَرَادَ بقوله لَدَى أَسد الْجَيْش وَحمل لفظ الْبَيْت على الْأسد وَقَالَ)
الزوزني: الْبَيْت كُله من صفة حُصَيْن بن ضَمْضَم وَهُوَ الصَّوَاب وَقَوله: شَاك السِّلَاح أَي: سلاحه شائكة حَدِيدَة ذُو شَوْكَة وَأَرَادَ شائك فقلبت الْيَاء من عين الْفِعْل إِلَى لامه يجوز حذف الْيَاء فَيُقَال شَاك وَيكون شَاك على وزن فعل كَمَا قَالُوا رجل خَافَ وَمَال وَأَصله خوف ومول فَيُقَال: شَاك ومقاذف: مرامي يرْوى باسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَرُوِيَ أَيْضا: مقذف اسْم مفعول وَهُوَ الغليظ الْكثير اللَّحْم واللبد بِكَسْر اللَّام: جمع لبدة وَهِي زبرة الْأسد والزبرة: شعر متراكب بَين كَتِفي الْأسد إِذا أسن والْأَظْفَار: السِّلَاح وتقليمها: نَقصهَا يَقُول: سلاحه تَامّ حَدِيد
قَالَ الأعلم: وَأول من كنى بالأظفار عَن السِّلَاح أَوْس بن حجر فِي قَوْله:
لعمرك إِنَّا والأحاليف هؤلالفي حقبة أظفارها لم تقلم
وَبَنُو جذيمة لَا محَالة أَنهمآتوك غير مقلمي الْأَظْفَار
أَي: لَيْسَ سِلَاحهمْ بناقص وَقَالَ الزوزني: قَوْله لم يقلم يُرِيد أَنه لَا يَعْتَرِيه ضعف وَلَا يعِيبهُ عدم شَوْكَة كَمَا أَن الْأسد لَا تقلم براثنه
جريء مَتى يظلم يُعَاقب بظلمهسَرِيعا وَإِلَّا يبد بالظلم يظلم
جريء بِالْجَرِّ صفة لأسد المُرَاد بِهِ حُصَيْن بن ضَمْضَم وَيجوز رَفعه ونصبه ومَتى يظلم وإلاّ يبد كِلَاهُمَا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. ويُعَاقب ويظلم بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل. والجريء: ذُو الجراءة والشجاعة. يَقُول: هُوَ شُجَاع مَتى ظلم عاقب الظَّالِم بظلمه سَرِيعا وَإِن لم يَظْلمه أحد ظلم النَّاس إِظْهَارًا لعزة نَفسه وشدّة جراءته. وسَرِيعا: حَال أَو صفة مصدر أَي: يُعَاقب عقَابا سَرِيعا.
وَقَوله: وَإِلَّا يبد الأَصْل فِيهِ الْهَمْز من بَدَأَ يبْدَأ إِلَّا أَنه لما اضْطر أبدل من الْهمزَة ألفا ثمَّ حذف الْألف للجزم وَهَذَا من أقبح الضرورات وَلِهَذَا أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي أول شرح الشافية.
وَحكي عَن سِيبَوَيْهٍ: أَن أَبَا زيد قَالَ لَهُ: من الْعَرَب من يَقُول قريت فِي قَرَأت
فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: كَانَ يجب أَن يَقُول أقري حَتَّى تكون مثل رميت أرمي. وَإِنَّمَا أنكر سِيبَوَيْهٍ هَذَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِيء فعلت أفعل بِفَتْح الْعين فيهمَا إِذا كَانَ عين الْفِعْل أَو لامه من حُرُوف الْحلق وَلَا يكَاد يكون هَذَا فِي الْألف إِلَّا أَنهم قد حكوا أَبى يَأْبَى فجَاء على فعل يفعل.)
قَالَ أَبُو إِسْحَاق قَالَ اسماعيل بن اسحاق: إِنَّمَا جَاءَ هَذَا فِي الْألف لمضارعتها حُرُوف الْحلق فشبّهت بِالْهَمْزَةِ. يَعْنِي: فشبهت بقَوْلهمْ قَرَأَ يقْرَأ وَمَا أشبهه.
رعوا مَا رعوا من ظمئهم ثمَّ أوردواغماراً تسيل بِالرِّمَاحِ وبالدم
هَذَا إضراب عَن قصَّة حُصَيْن إِلَى تقبيح الْحَرْب والحث على الصُّلْح. الظمء بِالْكَسْرِ وَآخره همزَة أَصله الْعَطش وَهُوَ هُنَا مَا بَين الشربتين. والغمار جمع غمر بِالْفَتْح وَهُوَ المَاء الْكثير. يُرِيد: أَقَامُوا فِي غير حَرْب ثمَّ أوردوا خيلهم وأنفسهم الْحَرْب أَي: أدخلوها فِي الْحَرْب أَي: كَانُوا فِي صَلَاح من أُمُورهم ثمَّ صَارُوا إِلَى حَرْب يسْتَعْمل فِيهَا السِّلَاح وتسفك فِيهَا الدِّمَاء. وَضرب الظمء مثلا لما كَانُوا فِيهِ من ترك الْحَرْب وَضرب الغمار مثلا لشدَّة الْحَرْب. وَرُوِيَ: تفرّى بِالسِّلَاحِ وبالدم وَأَصله تتفرّى بتاءين أَي: تتفتّح وتتكشف.
فقضوا منايا بَينهم ثمَّ أصدرواإِلَى كلأ مستوبل متوخّم
الْكلأ: العشب. وقضّاه: أحكمه ونفذه. وأصدر: ضد أورد. واستوبلت الشَّيْء: استثقلته والوبيل: الوخيم الَّذِي لَا يمرئ. يَقُول: فَقتل كل وَاحِد من الحيّين الآخر فَقَوله: فقضوا منايا بَينهم أَي: أنفذوها بِمَا بعثوا من الْحَرْب ثمَّ أصدروا إِلَى الْكلأ أَي: رجعُوا إِلَى أَمر استوبلوه. وَضرب الْكلأ مثلا. والمستوبل: السَّيئ الْعَاقِبَة أَي صَار آخر أَمرهم إِلَى وخامة وَفَسَاد.
لعمرك ماجرت عَلَيْهِم رماحهمدم ابْن نهيك أَو قَتِيل المثلم
وَلَا شاركوا فِي الْقَوْم فِي دم نَوْفَلوَلَا وهب مِنْهُم وَلَا ابْن المحزّم
يَقُول: هَؤُلَاءِ الَّذين يُعْطون دِيَة الْقَتْلَى لم تجر عَلَيْهِم رماحهم دِمَاء الْمَذْكُورين. وابْن نهيك بفنح النُّون وَكسر الْهَاء. وَنَوْفَل ووهب بِفَتْح الْوَاو وَالْهَاء وَابْن المحزم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة كلهم من عبس. وجرت: جنت. وَالْمعْنَى: أَن رماحهم لم تقتل أحدا من هَؤُلَاءِ الَّذين يدونهم وَإِنَّمَا يُعْطون الدِّيات تَبَرعا وَلم يشاركوا قاتليهم فِي سفك دِمَائِهِمْ. وَرُوِيَ: وَلَا شاركت فِي الْحَرْب. وَالضَّمِير للرماح قصد بِهَذَا أَن يبين بَرَاءَة ذمتهم عَن سفك دمهم ليَكُون ذَلِك أبلغ فِي مدحهم لعقلهم الْقَتْلَى.
فكلاً أَرَاهُم أَصْبحُوا يعقلونه أَي: فَكل وَاحِد من هَؤُلَاءِ المقتولين الْمَذْكُورين فِي الْبَيْت الَّذِي قبله.)
لحي حَلَال يعْصم النَّاس أَمرهمإِذا طلعت إِحْدَى اللَّيَالِي بمعظم
قَوْله: لحي هُوَ حَال من قَوْله صحيحات مَال أَو أَنه بدل من قَوْله لقوم أَو خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ لحي حَلَال أَي: المَال الصحيحات لحي.
وَأَرَادَ بِهَذَا الْحَيّ حَيّ الساعيين بِالصُّلْحِ بَين عبس وذبيان.
قَالَ الأعلم: الْحَلَال: جمع حلَّة بِالْكَسْرِ وَهِي مائَة بَيت. يَقُول: لَيْسُوا بحلة وَاحِدَة وَلَكنهُمْ حَلَال كَثِيرَة. وَقَوله: يعْصم النَّاس أَمرهم أَي: يلجؤون إِلَى هَذَا الْحَيّ ويتمسكون بِهِ فيعصمهم مِمَّا نابهم. وأصل الْحلَّة الْموضع الَّذِي ينزل بِهِ فاستعير لجَماعَة النَّاس.
وَقَوله: إِحْدَى اللَّيَالِي أَرَادَ لَيْلَة من اللَّيَالِي وَفِي الْكَلَام معنى التفخيم والتعظيم كَمَا يُقَال: أَصَابَته إِحْدَى الدَّوَاهِي: أَي: داهية شَدِيدَة. والمعظم: الْأَمر وَأَرَادَ بالحي الْحَلَال حَيّ الساعين بِالصُّلْحِ بَين عبس وذبيان الْعَظِيم. وَقَوله: فَلَا ذُو الْوتر يَقُول: هم أعزة لَا ينتصر مِنْهُم صَاحب دم وَلَا يدْرك وتره فيهم. وَقَوله: بِمُسلم أَي: إِذا جنى عَلَيْهِم جَان مِنْهُم شرا إِلَى غَيرهم لم يسلموه لَهُم لعزهم ومنعتهم.
وَاعْلَم أَن هَذِه الأبيات الَّتِي أوردناها على هَذَا التَّرْتِيب هِيَ رِوَايَة الأعلم وَقدم بَعضهم هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وأوردهما بعد قَوْله سَابِقًا: فتغلل لكم مَا لَا تغل لأَهْلهَا
وَأنْشد بعده:
قد أَصبَحت أم الْخِيَار تَدعِيعليّ ذَنبا كُله لم أصنع
تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْخمسين.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع