من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة وَهُوَ من الحماسة:
إِذا الْخصم أَبْزَى مائل الرَّأْس انكب وَقَبله: فهلاّ أعدوني لمثلي تفاقدوا على أَن إِذا الشّرطِيَّة يجوز عِنْد الْكُوفِيّين وُقُوع الْجُمْلَة الاسمية بعْدهَا لَكِن بِشَرْط كَون خَبَرهَا فعلا إِلَّا فِي الشاذ كَهَذا الْبَيْت.
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: يرْوى إِذْ وَإِذا جَمِيعًا: فَمن رَوَاهُ إِذْ حكى الْحَال المتوقعة كَقَوْل الله سُبْحَانَهُ: إِذْ الأغلال فِي أَعْنَاقهم وَمن رَوَاهُ إِذا فَهُوَ كَقَوْلِك: أَتَيْتُك إِذا زيد قَائِم وَهَذَا جَائِز على رَأْي أبي الْحسن وَذَلِكَ أَنه يُجِيز الِابْتِدَاء بعد إِذْ الزمانية الْمَشْرُوط بهَا انْتهى وأبذى من قَوْلهم: زجل أبذى وَامْرَأَة بذواء وَهُوَ الَّذِي يخرج صَدره وَيدخل ظَهره وأبذى هَهُنَا مثل وَمَعْنَاهُ الراصد المخاتل لِأَن المخاتل رُبمَا انثنى فَيخرج عَجزه.
وَقَالَ أَبُو رياش: أَبْزَى: تحامل على خَصمه ليظلمه.. فَجعل أَبْزَى فعلا وَلَا يمْتَنع ذَلِك وَإِنَّمَا الْمَعْرُوف أَن يُقَال: بزوت الرجل وَمِنْه اشتقاق الْبَازِي من الطير إِذا اسْتعْمل على وزن القَاضِي. وَعَلِيهِ فالخصم مَرْفُوع بِفعل يفسره أَبْزَى وَيرْفَع مائل الرَّأْس على أَنه بدل من الْخصم.
والأنكب: المائل وَأَصله الَّذِي يشتكي مَنْكِبَيْه فَهُوَ يمشي فِي شقّ. ومائل الرَّأْس أَي: مصعر من الْكبر. وَقَوله: تفاقدوا دُعَاء قد اعْترض بِهِ بَين أول الْكَلَام وَآخره يَقُول: هلا جعلوني عدَّة لرجل مثلي فقد بَعضهم بَعْضًا وَقد جَاءَهُم الْخصم مُتَأَخّر الْعَجز مائل الرَّأْس منحرفاً. وَهَذَا تَصْوِير لحَال الْمقَاتل إِذا انتصب فِي وَجه مَقْصُوده وَهُوَ أبلغ فِي الْوَصْف من كل تَشْبِيه.
وَمثله قَول الآخر: جاؤوا بمذق هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ أَلا ترى أَنه لَو صور لون المذق لما قَالَ: هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ.
وَالْمعْنَى: لم أفاتوني أنفسهم وهلا ادخروني ليَوْم الْحَاجة إِذا كَانَ الْخصم هَكَذَا. وَهَذَا)
الْبَيْت من أَبْيَات خَمْسَة فِي الحماسة لبَعض بني فقعس أَولهَا:
رَأَيْت موَالِي الألى يخذلوننيعلى حدثان الدَّهْر إِذْ يتقلب
الموَالِي هُنَا: أَبنَاء الْعم. والألى فِي معنى الَّذين ويخذلونني من صلته. يَقُول: رَأَيْت أَبنَاء عمي هم الَّذين يَقْعُدُونَ عَن نصرتي على تقلب الزَّمَان وَتصرف الْحدثَان. وَقَوله: على حدثان الخ
فَهَلا أعدوني لمثلي تفاقدواإِذا الْخصم أَبْزَى مائل الرَّأْس أنكب
وهلا أعدوني لمثلي تفاقدواوَفِي الأَرْض مبثوث شُجَاع وعقرب
كَرَّرَه تَأْكِيدًا وتفظيعاً لِلْأَمْرِ. وَالْمعْنَى: هلا جعلوني عدَّة لرجل مثلي فِي النَّاس فقد بَعضهم بَعْضًا وَقد انْتَشَر أَعدَاء كَثِيرَة وأنواع من الشَّرّ فظيعة والشجاع:
الْحَيَّة. وكنى بِهِ وبالعقرب عَن الْأَعْدَاء وَالشَّر. وارتفاع شُجَاع يجوز أَن يكون على الْبَدَل من مبثوث وَيجوز أَن يكون على الِابْتِدَاء ومبثوث خَبره قدم عَلَيْهِ.
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: يرْوى مبثوثاً ومبثوث: فَمن نصب فَلِأَنَّهُ صفة نكرَة قدم عَلَيْهَا فنصب على الْحَال مِنْهَا وَمن رفع رفع بِالِابْتِدَاءِ وَجعل شُجَاع وعقرب بَدَلا من مبثوث. فَإِن قلت: فَهَلا قَالَ: وَفِي الأَرْض مبثوثون أَو مبثوثان قلت: فِيهِ جوابان: أَحدهمَا أَنه لم يرد بِشُجَاعٍ وعقرب الِاثْنَان الشافعان للْوَاحِد وَإِنَّمَا أُرِيد بِهِ الْأَعْدَاء الَّذين بَعضهم شجعان وَبَعْضهمْ عقارب أَي: أَعدَاء فِي خبثهما ونكرهما فَلَمَّا لم يرد حَقِيقَة التَّثْنِيَة وَإِنَّمَا أَرَادَ الْأَعْدَاء ذهب بِهِ مَذْهَب الْجِنْس..
وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون أَرَادَ: وَفِي الأَرْض مبثوثاً شُجَاع أَي: شُجَاع مبثوث فَلَمَّا قدمه عَلَيْهِ نَصبه حَالا مِنْهُ ثمَّ عطف عقرب على الضَّمِير فِي مبثوثاً. وَكَذَلِكَ إِذا رفعت تعطف عقرب على الضَّمِير فِي مبثوث فَإِذا سلكت هَذِه الطَّرِيق سَقَطت عَنْك كلفة الِاعْتِذَار من ترك التَّثْنِيَة.
انْتهى مُلَخصا.
فَلَا تَأْخُذُوا عقلا من الْقَوْم إِنَّنِيأرى الْعَار يبْقى والمعاقل تذْهب
كَأَنَّك لم تسبق من الدَّهْر لَيْلَةإِذا أَنْت أدْركْت الَّذِي أَنْت تطلب
لَك فِي المعاقل الرّفْع على الِاسْتِئْنَاف وَالنّصب عطفا على الْعَار. يَقُول: لَا ترغبوا فِي قبُول الدِّيَة فَإِنَّهُ عَار والعار يبْقى أَثَره وَالْأَمْوَال تفنى.
والمعاقل: جمع المعقلة والمعقلة بِضَم الْقَاف وَكسرهَا وَالْمِيم فيهمَا مَفْتُوحَة. وَالْعقل: الدِّيَة)
وَأَصله الْإِبِل كَانَت تعقل بِفنَاء ولي الْمَقْتُول وَهُوَ مصدر وصف بِهِ. وَحكى الْأَصْمَعِي: صَار دَمه معقلة على قومه أَي: صَارُوا يدونه. وَقَوله: كَأَنَّك لم تسبق الخ يَقُول: من أدْرك مَا طلبه من الثأر فكأنهلم يصب وَلم يُوتر. وَهَذَا بعث وتحضيض على طلب الدَّم والزهد فِي الدِّيَة.
وَبَنُو فقعس حَيّ من بني أَسد وفقعس اسْم مرتجل غير مَنْقُول وَقيل: الفقعسة: البلادة. قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي جمهرة الْأَنْسَاب: فقعس: ابْن طريف بن عَمْرو بن قعين بِالتَّصْغِيرِ ابْن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وَنسب صَاحب الحماسة البصرية هَذِه الأبيات إِلَى عَمْرو بن أَسد الفقعسي وَالله أعلم.
لَا تجزعي إِن منفس أهلكتهوَإِذا هَلَكت فَعِنْدَ ذَلِك فاجزعي
تقدم شَرحه مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع