تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة

فيه ٥ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

ألْقى الصَّحِيفَة كي يُخَفف رَحْلهوالزاد حَتَّى نَعله أَلْقَاهَا

على أَن حَتَّى وَإِن كَانَت يسْتَأْنف بعْدهَا الْكَلَام إِلَّا أَنَّهَا لَيست متمحضة للاستئناف فَلم يكن الرّفْع بعْدهَا أولى فَهِيَ كَسَائِر حُرُوف الْعَطف. يَعْنِي أَنه يجوز فِي نَعله النصب وَالرَّفْع.

أما النصب فَمن وَجْهَيْن: أَحدهمَا نَصبه بإضمار فعل يُفَسر أَلْقَاهَا كَأَنَّهُ قَالَ: حَتَّى ألْقى نَعله أَلْقَاهَا كَمَا يُقَال فِي الْوَاو وَغَيرهَا من حُرُوف الْعَطف.

ثَانِيهمَا: أَن يكون نَصبه بالْعَطْف على الصَّحِيفَة وَحَتَّى بِمَعْنى الْوَاو كَأَنَّهُ قَالَ: ألْقى الصَّحِيفَة حَتَّى نَعله يُرِيد وَنَعله كَمَا تَقول: أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا بِنصب رَأسهَا أَي: ورأسها فعلى هَذَا الْهَاء عَائِدَة على النَّعْل أَو الصَّحِيفَة وَأَلْقَاهَا تَكْرِير وتوكيد.

فَإِن قلت: شَرط الْمَعْطُوف بحتى أَن يكون إِمَّا بَعْضًا من جمع كقدم الْحجَّاج حَتَّى المشاة. أَو جُزْءا من كل نَحْو: أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا أَو كجزء نَحْو: أعجبتني الْجَارِيَة حَتَّى حَدِيثهَا فَكيف جَازَ عطف نَعله مَعَ أَنه لَيْسَ وَاحِدًا مِمَّا ذكر قلت: جَازَ لِأَن ألْقى الصَّحِيفَة والزاد فِي معنى ألْقى مَا يثقله فالنعل بعض مَا يثقل.

وَأما الرّفْع فعلى الِابْتِدَاء وَجُمْلَة أَلْقَاهَا هُوَ الْخَبَر. فحتى على هَذَا. وعَلى الْوَجْه الأول. من وَجْهي النصب حرف ابْتِدَاء وَالْجُمْلَة بعْدهَا مستأنفة.

وَزعم ابْن خلف: أَن حَتَّى هُنَا عاطفة وَالْجُمْلَة بعْدهَا معطوفة على الْجُمْلَة الْمُتَقَدّمَة وَهَذَا شَيْء قَالَه ابْن السَّيِّد نَقله عَنهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي ورده بقوله: لِأَن حَتَّى لَا تعطف الْجمل وَذَلِكَ لِأَن شَرط معطوفها أَن يكون جُزْءا مِمَّا قبلهَا أَو

كجزء وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِي الْمُفْردَات.

وَقد نازعه الدماميني فِي هَذَا التَّعْلِيل.

وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت على أَن حَتَّى فِيهِ حرف جر وَأَن مجرورها غَايَة لما قبله كَأَنَّهُ قَالَ: ألْقى الصَّحِيفَة والزاد وَمَا مَعَه من الْمَتَاع حَتَّى انْتهى الْإِلْقَاء إِلَى النَّعْل. وَعَلِيهِ فجملة أَلْقَاهَا للتَّأْكِيد وَالضَّمِير يجوز فِيهِ أَيْضا أَن يعود على النَّعْل وعَلى الصَّحِيفَة. فَقَوله: حَتَّى نَعله أَلْقَاهَا رُوِيَ على ثَلَاثَة أوجه.

وَمضى يظنّ بريد عَمْرو خَلفهخوفًا وَفَارق أرضه وقلاها

)

وهما فِي قصَّة المتلمس حِين فر من عَمْرو بن هِنْد. حكى ذَلِك الْأَخْفَش عَن عِيسَى بن عمر فِيمَا ذكره الْفَارِسِي.

وَكَانَ المتلمس قد هجا عَمْرو بن هِنْد وهجاه أَيْضا طرفَة فَكتب لَهما إِلَى عَامله بِالْبَحْرَيْنِ كتابين أوهمهما أَنه أَمر لَهما بجوائز وَهُوَ قد أمره فيهمَا بِقَتْلِهِمَا فَلَمَّا وصلا إِلَى الْحيرَة دفع المتلمس كِتَابه إِلَى غُلَام ليقرأه فَإِذا فِيهِ: أما بعد فَإِذا أَتَاك المتلمس فاقطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وادفنه حَيا فَرمى المتلمس كِتَابه فِي نهر الْحيرَة وهرب إِلَى الشَّام وَقد ذكرنَا خبرهما فِي الشَّاهِد الَّذِي قبل هَذَا بأَرْبعَة شَوَاهِد فَصَارَت صحيفَة المتلمس مثلا فِيمَا ظَاهره خير وباطنه شَرّ.

والصحيفة: الْكتاب. وَقَوله: ألْقى الصَّحِيفَة أَي: رَمَاهَا بنهر الْحيرَة كَمَا أخبر المتلمس عَن نَفسه بقوله:

قذفت بهَا فِي النَّهر من جنب كَافِركَذَلِك أقنو كل قطّ مضلل

وَرُوِيَ أَيْضا: ألْقى الحقيبة وَهِي خرج يحمل فِيهِ الرجل مَتَاعه. وَرُوِيَ أَيْضا: ألْقى الحشية وَهِي الْفراش المحشو بالقطن أَو الصُّوف ينَام عَلَيْهِ قَالَ عنترة: وحشيتي سرج على عبل الشوى

قوم يبيت على الحشايا غَيرهمومبيتهم فَوق الْجِيَاد الضمر
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر»

وَزعم ابْن السَّيِّد وَتَبعهُ غَيره: أَن الحشية مَا يركب عَلَيْهِ الرَّاكِب. وَأورد بَيت عنترة. وَهَذَا غير لَائِق بِهِ. وَقَالَ ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ: الحشية: هِيَ البرذعة المحشوة والرحل هُنَا بِمَعْنى الأثاث وَالْمَتَاع. وَقد أنكرهُ الحريري فِي درة الغواص بِهَذَا الْمَعْنى ورد عَلَيْهِ ابْن بري فِيمَا كتبه عَلَيْهِ فَقَالَ: قَالَ الْجَوْهَرِي: الرحل: منزل الرجل وَمَا يستصحبه من الأثاث والرحل أَيْضا: رَحل الْبَعِير وَهُوَ أَصْغَر من القتب. فقد ثَبت فِيهِ الرحل بِمَعْنى الأثاث. وَقد فسر بَيت متمّم بن نُوَيْرَة على ذَلِك وَهُوَ قَوْله:...

كريم الثنا حُلْو الشَّمَائِل ماجدصبور على الضراء مُشْتَرك الرحل

قَالُوا: أَرَادَ بالرحل الأثاث. وَمثله قَول الآخر ألْقى الصَّحِيفَة كي يُخَفف رَحْله

قَالُوا: رَحْله: أثاثه وقماشه. وَالتَّقْدِير عِنْدهم: ألْقى قماشه وأثاثه حَتَّى ألْقى نَعله مَعَ جملَة أثاثه. وَإِنَّمَا قدروه بذلك ليَصِح كَون مَا بعد حَتَّى فِي هَذَا الْموضع جُزْءا مِمَّا قبلهَا. وَعَلِيهِ فسر)

قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن يُوسُف: قَالُوا جَزَاؤُهُ من وجد فِي رَحْله فَهُوَ جَزَاؤُهُ قَالُوا: رَحْله: أثاثه بِدَلِيل: ثمَّ استخرجها من وعَاء أَخِيه. انْتهى كَلَام ابْن بري.

وَقد فسر ابْن السَّيِّد الرحل فِي شرح أَبْيَات الْجمل بقوله: الرحل للناقة كالسرج وَتَبعهُ عَلَيْهِ ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ وَابْن خلف وَغَيرهمَا. وَهَذَا مَعَ كَونه غير مُنَاسِب كَانَ الصَّوَاب أَن يَقُول: والرحل للبعير لَا للناقة قَالَ الأعلم: كَانَ الْوَاجِب فِي الظَّاهِر أَن يَقُول: ألْقى الزَّاد كي يُخَفف رَحْله والنعل حَتَّى الصَّحِيفَة فيبدأبالأثقل ثمَّ يتبعهُ الأخفّ فَلم يُمكنهُ الشّعْر. أَو يكون قدّم الصَّحِيفَة لِأَن الزَّاد والنعل أَحَق عِنْده بالإبقاء لِأَن الزَّاد يبلّغه الْوَجْه الَّذِي يُريدهُ والنعل يقوم لَهُ مقَام الرَّاحِلَة إِن عطبت فَاحْتَاجَ إِلَى الْمَشْي فقد قَالُوا: كَاد المنتعل أَن يكون رَاكِبًا.

والبريد: الرَّسُول وَمِنْه قَول الْعَرَب: الحمّى بريد الْمَوْت: وَعَمْرو هُوَ عَمْرو بن هِنْد الْملك ملك الْحيرَة. وَقد ذكرنَا تَرْجَمته قبل هَذَا الشَّاهِد ببيتين.

قَالَ ابْن خلف: أنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت لأبي مَرْوَان النَّحْوِيّ قَالَه فِي قصَّة المتلمس حِين فر من عَمْرو بن هِنْد حكى ذَلِك الْأَخْفَش عَن عِيسَى بن عمر فِيمَا ذكره الْفَارِسِي. وَنسبه النَّاس إِلَى المتلمس انْتهى.

وَنسبَة ياقوت الْحَمَوِيّ فِي مُعْجم الأدباء إِلَى مَرْوَان النَّحْوِيّ لَا أبي مَرْوَان

قَالَ: سَمِعت بعض النَّحْوِيين ينْسب إِلَيْهِ هَذَا الْبَيْت وَقَالَ فِي تَرْجَمته: هُوَ مَرْوَان بن سعيد بن عباد بن حبيب بن وَأنْشد بعده وَهُوَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»