تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السِّتُّونَ بعد الْمِائَة

فيه ٤٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السِّتُّونَ بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: إِذا ابْن أبي مُوسَى بِلَالًا بلغته فَقَامَ بفأس بَين وصليك جازر على أَنه يقدر على مَذْهَب الْمبرد فِي رِوَايَة رفع ابْن إِذا بلغ ابْن أبي مُوسَى بلغ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فَيكون ابْن نَائِب الْفَاعِل لهَذَا الْفِعْل الْمَحْذُوف. وبلالاً

يَنْبَغِي أَن يكون بِالرَّفْع لِأَنَّهُ بدل من ابْن أَو عطف بَيَان لَهُ وَقد رَأَيْته مَرْفُوعا فِي نسختين صحيحتين من إِيضَاح الشّعْر لأبي عَليّ الْفَارِسِي إِحْدَاهمَا بِخَط أبي الْفَتْح عُثْمَان بن جني.

وَفِي نسخ الْمُغنِي وَغَيره نصب بِلَال مَعَ رفع ابْن: قَالَ الدماميني فِي شَرحه: وبلالاً مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف آخر يفسره بلغته وَالتَّقْدِير: إِذا بلغ ابْن أبي مُوسَى بلغت بِلَالًا بلغته. وَلَا يخفى مَا فِيهِ من التَّكَلُّف وَالتَّقْدِير المستغنى عَنهُ. وَقد رُوِيَ بِنصب ابْن أَيْضا قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَالنّصب عَرَبِيّ كثير وَالرَّفْع أَجود.

قَالَ النّحاس: وغلّطه المبرّد فِي الرّفْع لِأَن إِذا بِمَنْزِلَة حُرُوف المجازاة فَلَا يجوز أَن يرْتَفع مَا بعْدهَا بِالِابْتِدَاءِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزجّاج: الرّفْع فِيهِ بِمَعْنى إِذا بلغ ابْن أبي مُوسَى بِلَال. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عَليّ: إِن إِذا هَذِه تُضَاف إِلَى الْأَفْعَال وَهِي ظرف من الزَّمَان وَمَعْنَاهَا على أَن تدخل على الْأَفْعَال لِأَن مَعْنَاهَا الشَّرْط وَالْجَزَاء وَقد جوزي بهَا فِي الشّعْر فَإِذا وَقع بعْدهَا اسْم مُرْتَفع)

فَلَيْسَ ارتفاعه بِالِابْتِدَاءِ وَلَكِن بِأَنَّهُ فَاعل والرافع لَهُ يفسره الْفِعْل الَّذِي بعد الِاسْم كَأَنَّهُ قَالَ: إِذا بلغ ابْن أبي مُوسَى بِلَال بلغته وَكَذَلِكَ إِذا اوليها اسْم مَنْصُوب صَار على تَقْدِير إِذا بلغت ابْن أبي مُوسَى بِلَالًا بلغته.

وَقَالَ أَبُو عَليّ أَيْضا فِي إِيضَاح الشّعْر. قَالَ الْقطَامِي:

إِذا التياز ذُو العضلات قُلْنَا:إِلَيْك إِلَيْك ضَاقَ بهَا ذِرَاعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

فَاعل ضَاقَ ضمير التياز وضاق جَوَاب إِذا والتياز يرْتَفع بِفعل مُضْمر يفسره قُلْنَا التَّقْدِير: إِذا خُوطِبَ التياز. وَقُلْنَا مَعْنَاهُ قُلْنَا لَهُ وَهُوَ مُفَسّر لخوطب أَو

كلم وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يفسره قُلْنَا لَهُ وَهُوَ رَافع التياز كإنشاد من أنْشد: إِذا ابْن أبي مُوسَى بِلَالًا بلغته وَالْمعْنَى: ضَاقَ ذرع التياز بِأخذ هَذِه النَّاقة لِأَنَّهُ لَا يضبطها من شدتها ونشاطها فَكيف من هُوَ دونه وَمن أنْشد: إِذا ابْن أبي مُوسَى بِلَال بِالنّصب نصب التيار أَيْضا فَهُوَ بِمَنْزِلَة إِذا زيدا مَرَرْت بِهِ جئْتُك وَيَقُول من أنْشد إِذا ابْن أبي مُوسَى بِالدفع قَول لبيد أَلا ترى أَن أَنْت يرْتَفع بِفعل فِي معنى هَذَا الظَّاهِر كَانَ لَو أظهرته فَإِن لم تنْتَفع وَلَو حمل أَنْت على هَذَا الْفِعْل الظَّاهِر الَّذِي هُوَ ينفعك لوَجَبَ أَن يكون مَوضِع أَنْت إياك لِأَن الْكَاف الَّذِي هُوَ سَببه هِيَ مفعولة مَنْصُوبَة فَهَذَا الْبَيْت يُقَوي إنشاد من أنْشد: إِذا ابْن أبي مُوسَى بِالرَّفْع على إِضْمَار فعل فِي معنى الظَّاهِر نَفسه. انْتهى.

وَقَوله: فَقَامَ بفأس هُوَ جَوَاب إِذا. وَدخلت الْفَاء على الْفِعْل الْمَاضِي لِأَنَّهُ دُعَاء كَمَا تَقول: إِن أَعْطَيْتنِي فجزاك الله خيرا وَلَو كَانَ خَبرا لم تدخل عَلَيْهِ الْفَاء. والفأس مَعْرُوفَة وَهِي مَهْمُوزَة وَرُوِيَ بدلهَا: بنصل بِفَتْح النُّون والنصل: حَدِيدَة السَّيْف والسكين. والوصل بِكَسْر الْوَاو: الْمفصل وَهُوَ ملتقى كل عظمين وَهُوَ وَاحِد الأوصال وَالْمرَاد بوصليهما: المفصلان اللَّذَان عِنْد مَوضِع نحرها. والجازر: اسْم فَاعل من جزر النَّاقة: إِذا نحرها وَهُوَ فَاعل قَامَ. وبلال هَذَا هُوَ بِلَال بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. وَالتَّاء من بلغته مَكْسُورَة خطاب لناقته.

وَكَذَلِكَ الْكَاف فِي وصليك دُعَاء عَلَيْهِمَا بالنحر والجزر. إِذا بلغته إِلَى ابْن أبي مُوسَى وَقد عيب عَلَيْهِ هَذَا كَمَا سَيَأْتِي.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لذِي الرمة غيلَان مدح بهَا بِلَالًا مطْلعهَا:)

لمية أطلال بحزوى دواثرعفتها السوافي بَعدنَا والمواطر
إِلَى ابْن أبي مُوسَى بِلَال طوت بِنَاقلاص أبوهن الجديل وداعر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لمية أطلال بحزوى دوائر»
بلاداً يبيت البوم يَدْعُو بَنَاتهبهَا وَمن الأصداء وَالْجِنّ سامر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لمية أطلال بحزوى دوائر»
تمر برحلي بكرَة حميريةضناك التوالي عيطل الصَّدْر ضامر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لمية أطلال بحزوى دوائر»

تمر: تمْضِي. والضناك بِالْكَسْرِ: المكتنزة الغليظة وتواليها: مآخيرها. والعيطل: الطَّوِيلَة.

أَقُول لَهَا إِذْ شمر السّير واستوتبهَا البيد واستنت عَلَيْهَا الْحَرَائِر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لمية أطلال بحزوى دوائر»

إِذا ابْن أبي مُوسَى بِلَالًا بلغته شمر السّير: قلص. واستوت بهَا البيد. أَي: لَا علم بهَا. واستنت: اطردت. والحرائر: جمع حرور وَهِي السمُوم. وبلال هُوَ ابْن أبي بردة ابْن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.

قَالَ ابْن حجر فِي التَّهْذِيب: هُوَ من الطَّبَقَة الْخَامِسَة من التَّابِعين مَاتَ سنة نَيف وَعشْرين وَمِائَة وَقَالَ: فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب هُوَ أَمِير الْبَصْرَة وقاضيها. روى عَن أنس فِيمَا قيل وَعَن أَبِيه وَعَمه أبي بكر روى لَهُ التِّرْمِذِيّ حَدِيثا وَاحِدًا وَذكره البُخَارِيّ فِي الْأَحْكَام وَذكره الصّقليّ فِي كتاب الضُّعَفَاء. قَالَ خَليفَة

الحناط: ولاه خَالِد الْقَسرِي الْقَضَاء سنة تسع وَمِائَة وَحكي عَن مَالك بن دِينَار أَنه قَالَ لما ولي بِلَال الْقَضَاء: يَا لَك أمة هَلَكت ضيَاعًا وروى الْمبرد: أَن أول من أظهر الْجور من الْقُضَاة فِي الحكم بِلَال وَكَانَ يَقُول: إِن الرجلَيْن ليختصمان إليّ فأجد أَحدهمَا أخف على قلبِي فأقضي لَهُ وروى ابْن الْأَنْبَارِي أَنه مَاتَ فِي حبس يُوسُف بن عمر وَأَنه قَتله دهاؤه وَقَالَ للسجان: أعلم يُوسُف أَنِّي قدمت وَلَك مني مَا يُغْنِيك فَأعلمهُ فَقَالَ يُوسُف: أحب أَن أرَاهُ مَيتا فَرجع إِلَيْهِ السجان فَألْقى عَلَيْهِ شَيْئا فغمه حَتَّى مَاتَ ثمَّ أرَاهُ يُوسُف.

وَقَالَ جوَيْرِية بن أَسمَاء: لما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز وَفد إِلَيْهِ بِلَال فهنأه ثمَّ لزم الْمَسْجِد يُصَلِّي وَيقْرَأ ليله ونهاره فدسّ عمر إِلَيْهِ ثِقَة لَهُ فَقَالَ لَهُ: إِن عملت لَك ولَايَة الْعرَاق مَا تُعْطِينِي فضمن لَهُ مَالا جزيلاً فَأخْبر بذلك عمر فنفاه وَأخرجه وَكتب إِلَى عَامله على الْكُوفَة: إِن بِلَالًا غرنا بِاللَّه فكدنا نغتر بِهِ ثمَّ سبكناه فوجدناه كُله خبثاً.

وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن فِي أَوَائِل الْكتاب روى المرزباني فِي كتاب الموشح)

عَن أبي بكر الْجِرْجَانِيّ عَن الْمبرد عَن التوزي أَنه قَالَ: أنْشد ذُو الرمة قصيدته فِي بِلَال بن أبي بردة فَلَمَّا بلغ قَوْله: إِذا ابْن أبي مُوسَى بِلَالًا بلغته

قَالَ لَهُ عبد الله بن مُحَمَّد بن وَكِيع: هلاّ قلت كَمَا قَالَ سيدك الفرزدق:

أَقُول لناقتي لما ترامتبِنَا بيد مسربلة القتام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألستم عائجين بنا لعنا»
إلام تلفتين وَأَنت تحتيوَخير النَّاس كلهم أَمَامِي
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألستم عائجين بنا لعنا»
مَتى تردي الرصافة تستريحيمن التصدير والدبر الدوامي

قَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني: وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى من الفرزدق دَاوُد بن سلم فِي مدحه قثم بن الْعَبَّاس أَخا عبد الله بن الْعَبَّاس ﵃ فَأحْسن وَقَالَ:

عتقت من حلي وَمن رحلتييَا ناق إِن أدنيتني من قثم
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
إِنَّك إِن أدنيت مِنْهُ غَداحالفني الْيُسْر وَزَالَ الْعَدَم
فِي كَفه بَحر وَفِي وَجههبدر وَفِي الْعرنِين مِنْهُ شمم

وَقَالَ التاريخي: لما أنْشد مَرْوَان بن أبي حَفْصَة يحيى بن خَالِد:

إِذا بلغتنا العيس يحيى بن خَالِدأَخذنَا بِحَبل الْيُسْر وَانْقطع الْعسر
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «إذا بلغتنا العيس يحيى بن خالد»

قَالَ لَهُ يحيى: لَا عَلَيْك أَن لَا تَقول شَيْئا بعد هَذَا أَقُول: الفرزدق قد سلك طَريقَة الْأَعْشَى مَيْمُون فِي مدح النَّبِي ﷺ َ وَهُوَ قَوْله:

فآليت لَا أرثي لَهَا من كَلَالَةوَلَا من وجى حَتَّى تلاقي مُحَمَّدًا
مَتى مَا تناخي عِنْد بَاب ابْن هَاشمتراحي وتلقي من فواضله ندى
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا»
رَأَيْت عرابة الأوسي يسموإِلَى الْخيرَات مُنْقَطع القرين
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»
إِذا مَا راية رفعت لمجدتلقاها عرابة بِالْيَمِينِ
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»
إِذا بلغتني وحملت رحليعرابة فاشرقي بِدَم الوتين

قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: وَقد أحسن كل الْإِحْسَان فِي قَوْله: إِذا بلغتني وحملت رحلي يَقُول: لست أحتاج أَن أرحل إِلَى غَيره. وَقد عَابَ بعض الروَاة قَوْله: فاشرقي بِدَم الوتين وَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي أَن ينظر لَهَا مَعَ استغنائه عَنْهَا فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ َ للأنصارية)

المأسورة بِمَكَّة وَقد نجت على نَاقَة رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَت يَا رَسُول الله: إِنِّي نذرت إِن نجوت عَلَيْهَا أَن أنحرها.

فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: لبئسما مَا جزيتهَا. وَقَالَ ﷺ َ: لَا نذر فِي مَعْصِيّة الله جلّ وعزّ وَلَا نذر للْإنْسَان فِي غير ملكه.

وَمِمَّا لم يعب فِي هَذَا الْمَعْنى قَول عبد الله بن رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ لما أمّره رَسُول الله ﷺ َ بعد زيد وجعفر على جَيش مُؤْتَة:...

إِذا بلّغتني وحملت رحليمسيرَة أَربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذمّوَلَا أرجع إِلَى أَهلِي ورائي

قَالَ بعض الْعلمَاء فِيمَا كتبه على الْكَامِل هَذِه الْمَرْأَة غفارية لَا أنصارية.

وَقد تبع الشماخ فِي اساءته أَبُو دهبل الجُمَحِي أَيْضا فِي قَوْله يمدح الْمُغيرَة بن عبد الله وَهُوَ مطلع أَبْيَات لَهُ فِيهِ:

يَا ناق سيري واشرقيبِدَم إِذا جِئْت الْمُغيرَة
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة
سيثيبني أُخْرَى سواك وَتلك لي مِنْهُ يسيرَة
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة
إِن ابْن عبد الله نعم أَخُو الندى وَابْن الْعَشِيرَة
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة

وتبعهما أَيْضا ابْن أبي العاصية السّلمِيّ فَإِنَّهُ لما قدم على معن بن زَائِدَة بِصَنْعَاء نحر نَاقَته على بَابه بلغ ذَلِك مَعنا فتطير وَأمر بإدخاله فَقَالَ: مَا صنعت قَالَ: نذرت أصلحك الله قَالَ: وَمَا هُوَ فأنشده من أَبْيَات:

نذر عليّ لَئِن لقيتك سالماأَن يسْتَمر بهَا شفار الجازر

فَقَالَ معن: أطعمونا من كبد هَذِه المظلومة وَأول من عَابَ على الشماخ عرابة ممدوحه فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ: بئْسَمَا كافأتها بِهِ. وَكَذَا عَابَ عَلَيْهِ أحيحة بن الجلاح فَإِن الشّمّاخ لما أنْشدهُ الْبَيْت قَالَ لَهُ أحيحة: بئس المجازاة جَازَيْتهَا وَمِمَّنْ رد عَلَيْهِ من الشُّعَرَاء أَبُو نواس: روى المرزباني فِي كتاب

بِسَنَدِهِ عَن أبي نواس أَنه

وَإِذا الْمطِي بِنَا بلغن مُحَمَّدًافظهورهن على الرّحال حرَام
للشاعر محمد الصالحي الهلالي، اقرأ القصيدة
قرّبتنا من خير من وطىء الْحَصَافلهَا علينا حُرْمَة وذمام

وَقلت أَيْضا:

أَقُول لناقتي إِذْ قرّبتنيلقد أَصبَحت عِنْدِي بِالْيَمِينِ

)

فَلم أجعلك للغربان نحلاوَلَا قلت اشرقي بِدَم الوتين
حرمت على الأزمة والولاياوأعلاق الرحالة والوضين
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وبكر سلافة في قعر دن»

الولايا: جمع ولية وَهِي البرذعة. والأعلاق: مَا علق على الرحل من العهون وَغَيره. والْوَضِين: حزَام الرحل.

قَالَ ابْن خلكان فِي تَرْجَمَة ذِي الرمة: أَبُو نواس هُوَ الَّذِي كشف هَذَا الْمَعْنى وأوضحه حَتَّى قَالَ بعض الْعلمَاء وَلَا أستحضر الْآن من هُوَ الْقَائِل لما وقف على بَيت أبي نواس: هَذَا الْمَعْنى وَالله الَّذِي كَانَت الْعَرَب تحوم حوله فتخطئه وَلَا تصيبه. فَقَالَ الشماخ: كَذَا وَقَالَ ذُو الرمة: كَذَا وَمَا أبانه إِلَّا أَبُو نواس بِهَذَا الْبَيْت وَهُوَ فِي نِهَايَة الْحسن. هـ.

وَقد تقدم أَن أول من كشف هَذَا الْمَعْنى الْأَعْشَى لَا أَبُو نواس.

ورد أَبُو تَمام أَيْضا على الشماخ تَابعا لأبي نواس:

أشرقها من دم الوتين لقدضل كريم الْأَخْلَاق عَن شيمه
ذَلِك حكم قضى بفيصلهأحيحة بن الجلاح فِي أطمه

وروى المرزباني أَيْضا عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان بن وهب أَن مُحَمَّد بن عَليّ القنبري

الْهَمدَانِي أنْشد عبيد الله بن يحيى بن خاقَان قَوْله من قصيدة:

إِلَى الْوَزير عبيد الله مقصدهاأَعنِي ابْن يحيى حَيَاة الدَّين وَالْكَرم
إِذا رميت برحلي فِي ذراه فَلَانلْت المنى مِنْهُ إِن لم تشرقي بِدَم
وَلَيْسَ ذَاك لجرم مِنْك أعلمهُوَلَا لجهل بِمَا أسديت من نعم
لكنه فعل شماخ بناقتهلَدَى عرابة إِذْ أدته للأطم

فَلَمَّا سمع عبيد الله هَذَا الْبَيْت قَالَ: مَا معنى هَذَا فَقَالَ لَهُ أبي سُلَيْمَان: أعز الله الْوَزير إِن الشماخ بن ضرار مدح عرابة الأوسي بقصيدة وَقَالَ فِيهَا يُخَاطب نَاقَته: إِذا بلغتني وحملت رحلي الْبَيْت فعاب من فعله هَذَا أَبُو نواس فَقَالَ:

أَقُول لناقتي إِذْ قربتني الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ عبيد الله: هَذَا على صَوَاب والشماخ على خطأ فَقَالَ لَهُ أبي: قد أَتَى مَوْلَانَا الْوَزير)

بِالْحَقِّ وَكَذَا قَالَ عرابة الممدوح للشماخ لما أنْشدهُ هَذَا الْبَيْت: بئْسَمَا كافأتها بِهِ. هـ.

تتمات الأولى قَول الشماخ: تلقاها عرابة بِالْيَمِينِ قَالَ الْمبرد فِي

قَالَ أَصْحَاب الْمعَانِي: مَعْنَاهُ بِالْقُوَّةِ. وَقَالُوا مثل ذَلِك فِي قَول الله ﷿: وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ. هـ.

قَالَ الْحَاتِمِي: أَخذ الشماخ هَذَا من قَول بشر بن أبي خازم:

إِذا مَا المكرمات رفعن يَوْمًاوَقصر مبتغوها عَن مداها
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «أتعرف من هنيدة رسم دار»
وَضَاقَتْ أَذْرع المثرين عَنْهَاسما أَوْس إِلَيْهَا فاحتواها
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «أتعرف من هنيدة رسم دار»

وَرَأَيْت فِي الحماسة البصرية نِسْبَة الْبَيْت لجندب بن خَارِجَة الطَّائِي الجاهلي وَرَوَاهُ هَكَذَا:

إِذا مَا راية رفعت لمجدسما أَوْس إِلَيْهَا فاحتواها

وَذكر بَيْتَيْنِ قبله وهما:

إِلَى أَوْس بن حَارِثَة بن لأمليقضي حَاجَتي فِيمَن قَضَاهَا
فَمَا وطىء الْحَصَى مثل ابْن سعدىوَلَا لبس النِّعَال وَلَا احتذاها

عرابة الَّذِي عناه الشماخ بمدحه هُوَ أحد أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ وَهُوَ ابْن أَوْس بن قيظي بن عَمْرو بن زيد بن جشم بن حَارِثَة بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج: وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ الشماخ الأوسي وَهُوَ من الْخَزْرَج نِسْبَة إِلَى أَوْس بن قيظي.

قَالَ أَبُو الْفرج: لم يصنع إِسْحَاق شَيْئا عرابة من الْأَوْس لَا من الْخَزْرَج وَإِنَّمَا وَقع عَلَيْهِ الْغَلَط فِي هَذَا لِأَن فِي نسب عرابة الْخَزْرَج وَفِي الْأَوْس رجل يُقَال لَهُ:

الْخَزْرَج لَيْسَ هُوَ الْجد الَّذِي ينتمي إِلَيْهِ الخزرجيون الَّذِي هُوَ أَخُو الْأَوْس وَهَذَا الْخَزْرَج بن النبيت بن مَالك بن الْأَوْس. ورده رَسُول الله ﷺ َ فِي غَزْوَة أحد لصغره مَعَ تِسْعَة نفر: مِنْهُم ابْن عَمْرو وَزيد بن ثَابت وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأسيد بن ظهير.. وَأَبوهُ أَوْس من الْمُنَافِقين الَّذين شهدُوا مَعَ النَّبِي ﷺ َ أحدا وَهُوَ الَّذِي قَالَ: إِن بُيُوتنَا عَورَة وَمَا هِيَ بِعَوْرَة وَكَانَ من وُجُوههم. وَقد انقرض عقب عرابة فَلم يبْق مِنْهُم أحد.

قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: قَالَ مُعَاوِيَة لعرابة بن أَوْس بن قيظي الْأنْصَارِيّ: بِمَ سدت قَوْمك قَالَ: لست بسيدهم وَلَكِنِّي رجل مِنْهُم فعزم عَلَيْهِ فَقَالَ: أَعْطَيْت فِي نائبتهم وحلمت عَن سفيهم)

وشددت على يَدي حليمهم فَمن فعل مِنْهُم مثل فعلي فَهُوَ مثلي وَمن قصر عَنهُ فَأَنا أفضل مِنْهُ وَمن تجاوزني فَهُوَ أفضل مني.

وَكَانَ سَبَب ارْتِفَاع عرابة: أَن قدم من سفر فَجَمعه الطَّرِيق والشماخ بن ضرار المري فتحادثا فَقَالَ لَهُ عرابة: مَا الَّذِي أقدمك الْمَدِينَة فَقَالَ: قدمت لأمتار بهَا فَمَلَأ لَهُ عرابة رواحله برا وَتَمْرًا وأتحفه غير ذَلِك فَقَالَ الشماخ ذَلِك.

الثَّانِيَة: تتَعَلَّق بِشعر الفرزدق.

قَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ: حَدثنَا أَبُو بكر قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو عُثْمَان عَن التوزي عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ: خرج جرير والفرزدق إِلَى هِشَام بن عبد الْملك مرتدفين على نَاقَة فَنزل جرير يَبُول فَجعلت النَّاقة تتلفت فضربها الفرزدق وَقَالَ: علام تلفتين وَأَنت تحتي الْبَيْتَيْنِ ثمَّ قَالَ: الْآن يَجِيء جرير فأنشده هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فَيرد عَليّ:

تلفت أَنَّهَا تَحت ابْن قينإِلَى الكيرين والفأس الكهام
مَتى ترد الرصافة تخز فِيهَاكخزيك فِي المواسم كل عَام

فجَاء يضْحك فَقَالَ مَا يضحكك يَا أَبَا فراس فأنشده الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ جرير: تلفت أَنَّهَا تَحت ابْن قين.

كَمَا قَالَ الفرزدق سَوَاء قَالَ الفرزدق وَالله لقد قلت هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ جرير: أما علمت أَن شيطاننا وَاحِد.

الثَّالِثَة: تتَعَلَّق بِشعر أبي نواس الأول: قَالَ ابْن خلكان فِي تَرْجَمته: لهَذَا الْبَيْت حِكَايَة جرت لي مَعَ صاحبنا جمال الدَّين مَحْمُود بن عبد الله الإربلي الأديب الْمجِيد فِي صَنْعَة الألحان وَغير ذَلِك فَإِنَّهُ جَاءَنِي إِلَى مجْلِس الحكم الْعَزِيز بِالْقَاهِرَةِ المحروسة فِي بعض شهور سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَقعد عِنْدِي سَاعَة وَكَانَ النَّاس مزدحمين لِكَثْرَة أشغالهم حِينَئِذٍ ثمَّ نَهَضَ وَخرج فَلم أشعر إِلَّا وَقد جَاءَ غُلَام وَفِي يَده رقْعَة مَكْتُوب فِيهَا هَذِه الأبيات:

يَا أَيهَا الْمولى الَّذِي بِوُجُودِهِأبدت محاسنها لنا الْأَيَّام
للشاعر شاعر الحمراء، من قصيدة «يا أيها المولى الذي بوجوده»

)

إِنِّي حججْت إِلَى جَانِبك حجَّةالأشواق مَا لَا يُوجب الْإِسْلَام
وأنخت بِالْحرم الشريف مطيتيفتسربت واستاقها الأقوام
فظللت أنْشد عِنْد نشداني لَهَابَيْتا لمن هُوَ فِي القريض إِمَام
للشاعر شاعر الحمراء، من قصيدة «يا أيها المولى الذي بوجوده»
وَإِذا الْمطِي بِنَا بلغن مُحَمَّدًافظهورهن على الرّحال حرَام
للشاعر محمد الصالحي الهلالي، اقرأ القصيدة

فوقفت عَلَيْهَا وَقلت لغلامه: مَا الْخَبَر فَقَالَ: إِنَّه لما قَامَ من عنْدك وجد مداسه قد سرق فاستحسنت مِنْهُ هَذَا التَّضْمِين وَالْعرب يشبهون النَّعْل بالراحلة

وَقد جَاءَ هَذَا فِي شعر الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين وَاسْتَعْملهُ المتنبي فِي مَوَاضِع من شعره ثمَّ جَاءَنِي من بعد جمال الدَّين الْمَذْكُور وَجرى ذكر هَذِه الأبيات فَقلت لَهُ: وَلَكِن أَنا اسْمِي أَحْمد لَا مُحَمَّد فَقَالَ: علمت ذَلِك وَلَكِن أَحْمد وَمُحَمّد وَاحِد وَهَذَا التَّضْمِين حسن وَلَو كَانَ الِاسْم أَي شَيْء كَانَ.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»