تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ

فيه ٧ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ:

مَا بَال جهلك بعد الْحلم والدّينوَقد علاك مشيبٌ حِين لَا حِين
للشاعر جرير، من قصيدة «ما بال جهلك بعد الحلم والدين»

على أنّ الأولى أَن تكون لَا فِيهِ زَائِدَة لفظا وَمعنى.

قَالَ سِيبَوَيْهٍ: إنّما أَرَادَ حِين حِين وَلَا بِمَنْزِلَة مَا إِذا ألغيت.

قَالَ الأعلم: وإنّما أضَاف الْحِين إِلَى الْحِين لأنّه قدر أَحدهمَا بِمَعْنى التَّوْقِيت فَكَأَنَّهُ قَالَ: حِين وَقت حُدُوثه ووجوبه هَذَا تَفْسِير سِيبَوَيْهٍ. وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى: مَا بَال جهلك بعد الْحلم وَالدّين حِين لَا حِين جهلٍ وصبا فَتكون لَا لَغوا فِي اللَّفْظ دون الْمَعْنى انْتهى.

وَلم يتنبّه ابْن الشّجريّ فِي أَمَالِيهِ لمراد سِيبَوَيْهٍ بعد نقل عِبَارَته ففهم أنّ لَا زَائِدَة لفظا فَقَط فَقَالَ: حِين الأوّل مُضَاف إِلَى الثَّانِي وفصلت لَا بَين الْخَافِض والمخفوض كفصلهما فِي جِئْت بِلَا شَيْء كَأَنَّهُ قَالَ: حِين لَا حِين لَهو فِيهِ وَلعب أَو نَحْو ذَلِك من الْإِضْمَار لأنّ المشيب يمْنَع من اللَّهْو واللعب. هَذَا كَلَامه وَقد أوردهُ فِي معرض الشَّرْح لكَلَام سِيبَوَيْهٍ.

وَقد طبّق المفصّل أَبُو عليّ الفارسيّ فِي الْحجَّة فِي الْكَلَام على آخر سُورَة الْفَاتِحَة قَالَ: لَا فِيهِ زَائِدَة وَالتَّقْدِير: وَقد علاك مشيبٌ حِين حِين وإنّما كَانَت زَائِدَة لأنّك إِن قلت: علاك مشيبٌ حينا فقد أثبتّ حينا علاهُ فِيهِ المشيب. فَلَو جعلت لَا غير زَائِدَة لوَجَبَ أَن تكون نَافِيَة على حدّها فِي قَوْلهم: جِئْت بِلَا مَال فنفيت مَا أثبت من حَيْثُ كَانَ النَّفْي بِلَا عَاما منتظماً لجَمِيع الْجِنْس فلمّا لم يستقم حمله على النَّفْي للتدافع الْعَارِض فِي ذَلِك حكمت بزيادتها فَصَارَ التَّقْدِير: حِين حِين.

وَهَذِه الْإِضَافَة من بَاب حَلقَة فضَّة: لأنّ الْحِين يَقع على الزَّمَان الْقَلِيل كالساعة وَنَحْوهَا يدلّ على ذَلِك قَوْله: تطلقه حينا وحيناً تراجع وَيَقَع على الزَّمَان الطَّوِيل كَقَوْلِه تَعَالَى: هَل أُتِي على الْإِنْسَان حِين من الدّهر وعَلى مَا هُوَ أقصر من ذَلِك كَقَوْلِه تَعَالَى: تُؤْتى أكلهَا كل حينٍ فَصَارَ حِين حِين كَقَوْل الآخر:

وَلَوْلَا يَوْم يومٍ مَا أردنَاجزاءك والقروض لَهَا جَزَاء

وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلِه:)

حنّت قلوصي حِين لَا حِين محن لأنّه فِي قَوْله لَا حِين محن نافٍ حينا مَخْصُوصًا لَا يَنْتَفِي بنفيه جَمِيع الأحيان كَمَا كَانَ يَنْتَفِي بِالنَّفْيِ العامّ جَمِيعهَا فَلم يلْزم أَن تكون لَا زَائِدَة فِي هَذَا الْبَيْت كَمَا لزم لزيادتها فِي حِين لَا حِين.

فَهَذَا الْحَرْف يدْخل فِي النّكرة على وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن يكون زَائِدا كَمَا مرّ فِي بَيت جرير وَالْآخر أَن يكون غير زَائِد. فَإِذا لم يكن زَائِدا كَانَ على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: أَن تكون لَا مَعَ الِاسْم بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد نَحْو خَمْسَة عشر ونَحْو غضِبت من لَا شَيْء فَلَا مَعَ الِاسْم المنكور فِي مَوضِع جرّ بِمَنْزِلَة خَمْسَة عشر وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون من هَذَا الْبَاب قَوْله: حنّت قلوصي حِين لَا حِين محن لِأَن حِين هُنَا مَنْصُوب نصبا صَحِيحا لِإِضَافَتِهِ وَلَا يجوز بِنَاء الْمُضَاف مَعَ لَا كَمَا جَازَ بِنَاء الْمُفْرد مَعهَا وإنّما حِين فِي الْبَيْت مُضَافَة إِلَى جملَة كَمَا أَنَّهَا فِي قَوْله تَعَالَى: حِين لَا يكفون عَن وُجُوههم النّار إلاّ أنّ الْخَبَر مَحْذُوف وَخبر لَا

يحذف كثيرا. وَنَظِير هَذَا فِي حذف الْخَبَر من الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا ظرف الزَّمَان قَوْلهم: كَانَ هَذَا إِذْ ذَاك. والآخر أَن لَا تعْمل فِي اللَّفْظ وَيُرَاد بهَا معنى النَّفْي فَتكون صورتهَا صُورَة الزِّيَادَة وَمعنى النَّفْي فِيهِ مَعَ هَذَا صَحِيح كَقَوْل النَّابِغَة:

الْبَسِيط وَقَالَ الشمّاخ:

إِذا مَا أدلجت وصفت يداهالَهَا إدلاج لَيْلَة لَا هجوع
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «أعائش ما لأهلك لا أراهم»

وَقَالَ رؤبة: وَقد عرفت حِين لَا اعْتِرَاف وَبَيت الْكتاب.

تَرَكتنِي حِين لَا مالٍ أعيش بِهِ الْبَيْت وَهَذَا الْوَجْه عكس مَا جَاءَ فِيمَا أنْشدهُ أَبُو الْحسن من قَول الشَّاعِر:

لَو لم تكن غطفان لَا ذنُوب لَهَاإليّ لامت ذَوُو أحسابها عمرا

أَلا ترى أنّ لَا فِي الْمَعْنى زَائِدَة وَقد عملت وَفِي قَوْله: لَيْلَة لَا هجوع وبابه معنى النَّفْي فِيهِ صحيحٌ وَلم تعْمل انْتهى كَلَام أبي عليّ.) وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة لجرير بن الخطفى هجا بهَا الفرزدق وَبعده:

للغانيات وصالٌ لست قاطعهعلى مواعيد من خلفٍ وتلوين
للشاعر جرير، من قصيدة «ما بال جهلك بعد الحلم والدين»
إنّي لأرهب تَصْدِيق الوشاة بِنَاوَأَن يَقُول غويّ للنّوى بيني
للشاعر جرير، من قصيدة «ما بال جهلك بعد الحلم والدين»
مَاذَا يهيجك من دارٍ تباكرهاأَرْوَاح مخترق هوج الأفانين
للشاعر جرير، من قصيدة «ما بال جهلك بعد الحلم والدين»

وَجَرِير قد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أول الْكتاب وَالْخطاب لنَفسِهِ. وَقد الْتزم الْإِتْيَان بِالْحَال بعد مَا بَال فجملة وَقد علاك مشيبٌ حَال والظرف الأول مُتَعَلق بجهلك وَالثَّانِي مُتَعَلق بقوله علاك.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»