من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ:
تَرَكتنِي حِين لَا مالٍ أعيش بِهِوَحين جنّ زمَان النّاس أَو كَلْبا
على أنّ عدم تكرّر لَا فِي مثل هَذَا شَاذ.
وأنشده س على إِضَافَة حِين إِلَى المَال وإلغاء لَا وزيادتها فِي اللَّفْظ. وَهَذِه عبارَة س: اعْلَم أنّ لَا قد تكون فِي بعض الْمَوَاضِع هِيَ والمضاف إِلَيْهِ بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد وَذَلِكَ قَوْلهم: أَخَذته بِلَا ذَنْب وغضبت من لَا شَيْء وَذَهَبت بِلَا عتاد وَالْمعْنَى ذهبت بِغَيْر عتاد. وَتقول إِذا قللّت الشَّيْء: مَا كَانَ إلاّ كلاشيء وإنّك وَلَا شَيْئا سواءٌ. وَمن هَذَا النَّحْو قَول الشَّاعِر: تَرَكتنِي حِين لَا مَال أعيش بِهِ............ الْبَيْت انْتهى وجوّز أَبُو عليّ الفارسيّ فِي الْمسَائِل المنثورة الحركات الثَّلَاث فِي مَال قَالَ: الجرّ على الْإِضَافَة وَالرَّفْع على أَن تضيف حِين إِلَى الْجمل ولَا عاملة عمل لَيْسَ وَالنّصب تَجْعَلهُ كَمَا كَانَ مَبْنِيا وو جنّ بِضَم الْجِيم من الْجُنُون يُقَال: أجنّه الله بِالْألف فجنّ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فَهُوَ مَجْنُون. وكَلْبا الْكَلْب: مصدر كلب كَلْبا فَهُوَ كلبٌ من بَاب تَعب وَهُوَ داءٌ يشبه الْجُنُون يَأْخُذهُ فيعقر النَّاس.
وَيُقَال لمن يعقره كلب أَيْضا. وكلب الزَّمَان: شدّته: وَضرب الْجُنُون وَالْكَلب مثلا لشدّة الزّمان.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ لأبي الطُّفَيْل عَامر بن وائلة الصحابيّ رثى بهَا ابْنه طفيلاً.
وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا:
خلّى طفيلٌ عليّ الهمّ فانشعباوهدّ ذَلِك ركني هدّةً عجبا
وَابْني سميّة لَا أنساهما أبدافِيمَن نسيت وكلّ كَانَ لي وصبا
فاملك عزاءك إِن رزءّ نكبت بِهِفَلَنْ يردّ بكاء الْمَرْء مَا ذَهَبا
وَلَيْسَ يشفي حَزينًا من تذكرهإلاّ الْبكاء إِذا مَا ناح وانتحبا
فَإِن سلكت سَبِيلا كنت سالكهاوَلَا محَالة أَن يَأْتِي الَّذِي كتبا
)
فَمَا لفظتك من ريّ وَلَا شبعٍوَلَا ظللت بباقي الْعَيْش مرتقبا
فارقتني حِين لَا مَال أعيش بِهِ........... الْبَيْت روى الأصبهانيّ بِسَنَدِهِ فِي الأغاني أنّ أَبَا الطّفيل دعيّ إِلَى مأدبة فغنّت فِيهَا قينة بِهَذَا الشّعْر فَبكى أَبُو الطُّفَيْل حتّى كَاد يَمُوت. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: فَجعل ينشج وَيَقُول: هاه هاه طفيل وَأَرَادَ بِابْني سميّة عبّاداً وَعبيد الله ابْني زِيَاد بن سميّة. والوصب: الْمَرَض. والعزاء بالمدّ: الصَّبْر.
وَقَوله: فَمَا لفظتك من ريّ الخ مَا رميتك فِي الْقَبْر لأجل أكلك وشربك بخلا. وأَبُو الطُّفَيْل هُوَ عَامر بن وائلة بن عبد الله بن عُمَيْر بن جَابر بن حميس ابْن جديّ بن سعد بن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر بن نزار. وغلبت عَلَيْهِ كنيته. ومولده عَام أحد وَأدْركَ من حَيَاة النبيّ ﷺ َ ثَمَانِي سِنِين وَمَات سنة مائَة وَهُوَ آخر من مَاتَ مّمن رأى النبيّ ﷺ َ. وَقد رُوِيَ عَنهُ نَحْو أَرْبَعَة أَحَادِيث وَكَانَ محبّاً فِي عَليّ
﵄ وَكَانَ من أَصْحَابه فِي مُشَاهدَة وَكَانَ ثِقَة مَأْمُونا يعْتَرف بِفضل الشَّيْخَيْنِ إلاّ أنّه كَانَ يقدّم عليّاً. توفّي سنة مائَة من الْهِجْرَة. وَلما قتل عَليّ ﵁ انْصَرف إِلَى مكّة فَأَقَامَ بهَا حَتَّى مَاتَ وَقيل أَقَامَ بِالْكُوفَةِ وَمَات بهَا والأوّل أصحّ.
وَقد ذكره ابْن أبي خَيْثَمَة فِي شعراء الصّحابة. وَكَانَ فَاضلا عَاقِلا حَاضر الْجَواب فصيحاً.
وَكَانَ يتشيّع فِي عليّ ويفضله وَهُوَ شَاعِر محسن وَهُوَ الْقَائِل:
أيدعونني شَيخا وَقد عِشْت حقبةًوهنّ من الْأزْوَاج نحوي نوازع
وَمَا شَاب رَأْسِي من سِنِين تَتَابَعَتعليّ وَلَكِن شيبتني الوقائع
وَقَالَ صَاحب الأغاني: كَانَ أَبُو الطُّفَيْل مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عليّ ﵁ وروى عَنهُ.
وَكَانَ من وُجُوه شيعته وَله مِنْهُ محلٌّ خَاص يسْتَغْنى بشهرته عَن ذكره.
ثمَّ خرج طَالبا بِدَم الْحُسَيْن ﵁ مَعَ الْمُخْتَار بن أبي عبيد وَكَانَ مَعَه حتّى قتل الْمُخْتَار. ولّما استقام لمعاوية أمره لم يكن شَيْء أحبّ إِلَيْهِ من لِقَاء أبي الطُّفَيْل فَلم يزل يكاتبه ويلطف لَهُ حتّى أَتَاهُ فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ جعل يكلّمه وَدخل عَلَيْهِ عَمْرو بن الْعَاصِ وَمَعَهُ نفر فَقَالَ لَهُم مُعَاوِيَة: أما تعرفُون هَذَا هَذَا فَارس صفيّن وشاعرها خَلِيل أبي الْحسن. ثمَّ أنْشد من شعره.)
قَالُوا: نعم هُوَ أفحش شَاعِر وألأم جَلِيسا فَقَالَ مُعَاوِيَة: يَا أَبَا الطُّفَيْل أتعرفهم قَالَ: مَا أعرفهم بِخَير وَلَا أبعدهم من شرّ ثمَّ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: مَا بلغ من حبّك لعليّ قَالَ: حبّ أمّ مُوسَى لمُوسَى قَالَ: فَمَا بلغ من بكائك عَلَيْهِ قَالَ: بكاء الْعَجُوز الثّكلى والشّيخ الرّقوب وَإِلَى الله أَشْكُو التَّقْصِير قَالَ مُعَاوِيَة: لكنّ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ لَو كَانُوا سئلوا عنّي مَا قَالُوا فيّ مَا قلت فِي صَاحبك. قَالُوا: إِذا وَالله مَا نقُول الْبَاطِل فَقَالَ لَهُم مُعَاوِيَة: لَا وَالله وَلَا الحقّ تَقولُونَ.
ولّما رَجَعَ محمّد بن الْحَنَفِيَّة من الشَّام حَبسه ابْن الزّبير فِي سجن عَارِم فَخرج إِلَيْهِ جَيش من الْكُوفَة عَلَيْهِم أَبُو الطُّفَيْل حتّى أَتَوا السجْن فكسروه وأخرجوه وَكتب ابْن الزبير إِلَى أَخِيه مُصعب أَن يسيّر نسَاء كلّ من خرج لذَلِك فَأخْرج مُصعب مَعَ النِّسَاء أمّ الطُّفَيْل امْرَأَة أبي الطُّفَيْل وابناً لَهُ صَغِيرا يُقَال لَهُ يحيى فَقَالَ فِي ذَلِك:
إِن يَك سيّرها مُصعبفإنّي إِلَى مُصعب مذنب
أَقُود الكتيبة مستلئماكأنّي أَخُو عرّة أجرب
عليّ دلاصٌ تخيّرتهاوَفِي الكفّ ذُو رونق مقضب
فَلَو أنّ يحيى بِهِ قوةٌفيغزو مَعَ الْقَوْم أَو يركب
ولكنّ يحيى كفرخ العقاب فِي الوكر مستضعفٌ أزغب
وَلما دخل عبد الله بن صَفْوَان على عبد الله بن الزّبير بِمَكَّة. قَالَ: أَصبَحت كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
فَإِن تصبك من الأيّام جائحةٌلَا أبك مِنْك على دنيا وَلَا دين
قَالَ: وَمَا ذَاك يَا أعرج قَالَ: هَذَا عبد الله بن عَبَّاس يفقه النَّاس وَعبيد الله أَخُوهُ يطعم النَّاس فَمَا بقيّا لَك. فأحفظه ذَلِك فَأرْسل صَاحب شرطته عبد الله بن مُطِيع فَقَالَ انْطلق إِلَى ابْني عبّاس فَقل لَهما: أعمدتما إِلَى راية ترابيّة قد وَضعهَا الله فنصبتماها بدّدا عنّي جموعكما وَمن ضوى إلَيْكُمَا من ضلاّل أهل الْعرَاق
وإلاّ فعلت وَفعلت فَقَالَ لَهُ ابْن عبّاس: قل لِابْنِ الزّبير:
يَقُول لَك ابْن عبّاس: ثكلتك أمّك وَالله مَا يأتينا من النّاس إلاّ رجلَانِ: طَالب فقه أَو طَالب
لَا درّ درُّ اللّيالي كَيفَ تضحكنامِنْهَا خطوبٌ أَعَاجِيب وتبكينا
وَمثل مَا تحدث الأيّام من غيرٍيَا بن الزّبير عَن الدّنيا تسلّينا
كنّا نجيء ابْن عبّاس فيقبسناعلما ويكسبنا أجرا ويهدينا
وَلَا يزَال عبيد الله مترعةًجفانه مطعماً ضيفاً ومسكينا
)
فالبرّ والدّين والدّنيا بدارهماننال مِنْهَا الَّذِي نبغي إِذا شينا
إنّ النّبي هُوَ النّور الَّذِي كشفتبِهِ عمايات باقينا وماضينا
ورهطه عصمةٌ فِي ديننَا وَلَهُمفضلٌ علينا وحقّ وَاجِب فِينَا
ولستفاعلمهأولادنا بهم رحمايَا ابْن الزّبير وَلَا أولى بِهِ دينا
فقيم تمنعهم منّا وتمنعنامِنْهُم وتؤذيهم فِينَا وتؤذينا
لن يُؤْتِي الله من أخزى ببعضهمفِي الدّين عزّاً وَلَا فِي الأَرْض تمكينا
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع