تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ

فيه ١٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

العاطفون تحين مَا من عاطفوالمطعمون زمَان أَيْن الْمطعم

على أنّ أَبَا عبيد زعم أنّ التَّاء فِي قَوْلهم لات حِين مناص من تَمام حِين كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.

وَمثله لصَاحب اللب وَغَيره قَالَ: وَعَن أبي عبيد: تحين لُغَة فِي حِين وَلَا لنفي الْجِنْس.

أَقُول: إنّ أَبَا عبيد لم يذهب إِلَى هَذَا وَإِنَّمَا هُوَ قَول للأموي نَقله عَنهُ فِي كِتَابه فِي اللُّغَة الْمَشْهُور بالغريب المُصَنّف وَهَذِه عِبَارَته فِيهِ: وَقَالَ الْأَحْمَر: تالآن فِي معنى الْآن وأنشدنا:

نوّلي قبل نأي دَاري جماناوصلينا كَمَا زعمت تالآنا

وَكَذَلِكَ قَالَ الأمويّ وَأنْشد لأبي وجزة:

العاطفون تحين مَا من عاطفٍوالمفضلون يدا إِذا مَا أنعموا

قَالَ: وإنّما هُوَ حِين قَالَ: وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ولات حِين مناص مَعْنَاهُ لَا حِين مناص. انْتهى كَلَامه.

فَعلم بِهِ أنّ القَوْل بِكَوْن لات حِين هُوَ لَا تحين وَالتَّاء زَائِدَة إنّما هُوَ قَول الأمويّ لَا أبي عبيد وَإِن اشْتهر النَّقْل عَنهُ. وَقد ردّه الشَّارِح المحقّق وَلم يبين موقع التَّاء فِي هَذَا الْبَيْت.

وَقد رَأَيْت فِي تَخْرِيجه وَجْهَيْن: أَحدهمَا: ذكره ابْن جنّي فِي سرّ الصِّنَاعَة وَسَبقه ابْن السيرافيّ فِي شرح شَوَاهِد الْغَرِيب المُصَنّف وَأَبُو عليّ فِي الْمسَائِل المنثورة: وَهُوَ أنّها فِي

الأَصْل هَاء السكت لاحقة لقَوْله العاطفون اضطرّ الشَّاعِر إِلَى تحريكها فأبدلها تَاء وَفتحهَا.

قَالَ ابْن جنّي: أَرَادَ أَن يجريه فِي الْوَصْل على حدّ مَا يكون عَلَيْهِ فِي الْوَقْف وَذَلِكَ أَنه يُقَال فِي الْوَقْف هَؤُلَاءِ مسلمونه وضاربونه فتلحق الْهَاء لبَيَان حَرَكَة النُّون كَمَا أنشدوا:

أهكذا يَا طيب تفعلونهأعللاً وَنحن منهلونه

فَصَارَ التَّقْدِير العاطفونه ثمَّ إنّه شبه هَاء الْوَقْف بهاء التَّأْنِيث فَلَمَّا احْتَاجَ إِقَامَة الْوَزْن إلأى حَرَكَة الْهَاء قَلبهَا بتاء كَمَا تَقول فِي الْوَقْف: هَذَا طلحه فَإِذا وصلت صَارَت الْهَاء تَاء فَقلت)

هَذَا طلحتنا. وعَلى هَذَا قَالَ العاطفونه.

وَيُونُس بصحّة هَذَا قَول الرّاجز:

من بعد مَا وَبعد متصَارَت نفوس الْقَوْم عِنْد الغلصمت

أَرَادَ: وَبعد مَا فأبدل الْألف فِي التَّقْدِير هَاء فَصَارَت بِعَدَمِهِ ثمَّ إنّه أبدل الْهَاء تَاء لتوافق بقيّة القوافي الَّتِي يَليهَا وشجّعه شبه الْهَاء الْمقدرَة فِي قَوْله وبعدمه بهاء التَّأْنِيث فِي طَلْحَة وَحَمْزَة وَلما كَانَ يراهم قد يَقُولُونَ فِي الْوَقْف: هَذَا طلحت وحمزت قَالَ هُوَ أياً وبعدمت فأبدل الْهَاء المبدلة من الْألف تَاء.

وَلَيْسَ شَيْء مِمَّا يضطرون إِلَيْهِ إلاّ وهم يحاولون بِهِ وَجها. فَإِذا جَازَ أَن تشبه هَاء وبعدمه بتاء الائيث حَتَّى يُقَال فِيهَا وبعدمت جَازَ أَيْضا أَن تشبه هَاء العاطفونه بهاء التَّأْنِيث فَيُقَال العاطفونت وَفتحت التَّاء كَمَا فتحت فِي آخر ربّت وثمّت. انْتهى مُخْتَصرا.

قَالَ ابْن السيرافيّ: وَيجوز أَن ينشد العاطفونه بِإِسْكَان الْهَاء فَيكون قد أضمر

وَجعل مستفعلن فِي مَوضِع متفاعلن. وأظنّ أنّ الرّواة غيّروه وحرّكوه طلبا لِأَن يكون الْجُزْء تَاما على الأَصْل. انْتهى.

وَالْوَجْه الثَّانِي ذكره ابْن مَالك فِي التسهيل وَتَبعهُ شَارِح اللبّ: وَهُوَ أَن التَّاء بقيّة لات فحذفت لَا وَبقيت التَّاء. قَالَ: وَقد يُضَاف إِلَى لات حِين لفظا أَو تَقْديرا وربّما اسْتغنى مَعَ التَّقْدِير عَن لَا بِالتَّاءِ.

ومثّل ابْن عقيل للأوّل بقوله: أَي: أذيتي ومثّل للثَّانِي بقوله:

تذكّر حبّ ليلى لات حنيناًوَأمسى الشّيب قد قطع القرينا

أَي: حِين لات حِين تذكر.

ومثّل للثَّالِث بقوله: العاطفون تحين مَا من عاطفٍ........... الْبَيْت أَي: حِين لات حِين مَا من عاطف فَحذف حِين وَلَا.

هَذَا كَلَامهمَا وَلَا يخفى تعسّفه. وَتَخْرِيج هَذَا الْبَيْت على زِيَادَة التَّاء أسهل وَأَقل كلفة من هذَيْن التخريجين وَإِن كَانَ لَا يطّرد زِيَادَة التَّاء فِي كل مَوضِع فِيهِ لَا. وَهَذِه التَّاء زيادتها غير مطّردة)

وَغير لَازِمَة.

وَقد سمع زيادتها مَعَ لفظ الْآن أَيْضا قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره: سَمِعت من يَقُول حَسبك تالآن يُرِيد الْآن.

وَقَالَ ابْن الْأَحْمَر:

نولّي قبل نأي دَاري جماناوصلينا كَمَا زعمت تالآنا

أَي: كَمَا زعمت الْآن. ونوّلي: أَمر من النّوال وَهُوَ الْقبْلَة. وجمانا

منادى مرخّم جمانة بِضَم وَهَذَا الْبَيْت الشَّاهِد من قصيدةٍ لأبي وجزة السّعديّ مدح بهَا آل الزّبير بن العوّام لكنه مركب من مصراعي بَيْتَيْنِ وَقع فِي صِحَاح الجوهريّ هَكَذَا فَتَبِعَهُ الشَّارِح الْمُحَقق وَغَيره.

وَالَّذِي فِي ديوانه كَذَا:

وَإِلَى ذرا آل الزّبير بفضلهمنعم الذّرا فِي النّائبات لنا هم
العاطفون تحين مَا من عاطفٍوالمسبغون يدا إِذا مَا انعموا
واللاحقون دفانهم قمع الذّراوالمطعمون زمَان أَيْن الْمطعم
والمانعون من الهضيمة جارهموالحاملون إِذا الْعَشِيرَة تغرم
للشاعر أبو وجزة السعدي، اقرأ القصيدة

والذّرا بِالْفَتْح: كلّ مَا استترت بِهِ يُقَال: أَنا فِي ظلّ فلَان وَفِي ذراه أَي: فِي كنفه وستره. والنائبات: شَدَائِد الدّهر وحوادثه. وَفِي وَاللَّام متعلقان بالذّرا لأنّه بِمَعْنى الملتجأ. وهم هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح. والْعَطف: الشَّفَقَة والتحنّن. وتحين ظرف للعاطفون وَالتَّاء زَائِدَة أَو أنّها مُتَّصِلَة بِمَا قبلهَا على أنّها هَاء السكت كَمَا بيّناه وعَلى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ مَا نَافِيَة وَحين مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة المنفيّة فَإِن من زَائِدَة. وعاطف مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: يُوجد وَنَحْوه أَو أَنه بقيّة لات وحِين خَبَرهَا وَاسْمهَا مَحْذُوف كَمَا قَالَ ابْن مَالك. وَفِيه غرابةٌ حَيْثُ يحذف الْعَامِل وَيبقى مِنْهُ حرف وَينظر على هَذَا فِي حِين هَل هِيَ مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة المنفيّة أَو أنّ مَا لَيست نَافِيَة فَإِن كَانَت نَافِيَة انْتقض النَّفْي الأوّل بهَا. وَهَذَا غير مُرَاد الشَّاعِر. وَإِن كَانَت غير نَافِيَة فَينْظر من أَي أَنْوَاع مَا هِيَ. وَبِالْجُمْلَةِ: كَون التَّاء بقيّة لات يشكل عَلَيْهِ معنى الْبَيْت وَإِعْرَابه وَلَا دَاعِي إِلَى هَذَا كُله.

وَقَالَ نَاظر الْجَيْش: وَتَخْرِيج الْبَيْت على مَا ذكره المصنّف لَا يتعقّل لأنّه يكون الْمَعْنى هم العاطفون وَقت لَيْسَ الْحِين حِين لَيْسَ ثمّ عاطف.)

وروى صَاحب الْغَرِيب المصنّف: المفضلون بدل المسبغون من الإفضال وَهُوَ الإنعام والجيّد هُوَ الأوّل. والْيَد: النِّعْمَة.

يَقُول: هم يعطفون على من سَأَلَهُمْ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِم إِذا اشتدت الْأَحْوَال وأجدب الزَّمَان وَلم يجد المسترفد رافداً وَإِذا أنعموا أوسعوا على الْمُنعم عَلَيْهِ إفضالاً ونائلاً.

وَقَوله: اللاحقون الخ أَي: والمتبعون يُقَال: لحقته وَلَحِقت بِهِ من بَاب تَعب لحَاقًا بِالْفَتْح إِذا تَبعته وأدركته وألحقته بِالْألف مثله ولحقه الثّمن لُحُوقا: لزمَه فاللحوق: اللُّزُوم واللّحاق: الْإِدْرَاك. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والجفان بِالْكَسْرِ: جمع جَفْنَة بِالْفَتْح وَهِي الْقَصعَة الْكَبِيرَة للطعام. والقمع بِفَتْح الْقَاف والذّرا بِالضَّمِّ: جمع ذرْوَة بِضَم الذَّال وَكسرهَا: أَعلَى السنام إنّما خصّة لأنّه أطيب لحم الْإِبِل عِنْدهم. وزمَان ظرف للمطعمون وَهُوَ مُضَاف للجملة بعده لَكِن بِتَقْدِير مُضَاف أَي: زمَان سُؤال أَيْن الْمطعم.

وَرَوَاهُ الأمويّ على مَا نَقله أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب المصنّف: والمطعمون زمَان مَا من مطعم فَيكون فِي الْبَيْت على هَذِه الرِّوَايَة إقواء. مدحهم بأنّهم يطْعمُون الْفُقَرَاء أطيب اللَّحْم فِي أيّام الْقَحْط والجدب وَفِي الزَّمَان الَّذِي يتسلءل النَّاس عَن الكرماء المطعمين للطعام.

وَقَوله: المانعون الخ الهضمية: الْمظْلمَة فَعَلَيهِ بِمَعْنى فاعلة من هضمت الشَّيْء إِذا كَسرته. والحاملون: من حمل الدّية. يَقُول: إِن وزّعت دِيَة قَتِيل على عشيرته حملهَا عَنْهُم وَدفعهَا من مَاله.

وتركيب بَيت من بَيْتَيْنِ وَنَحْوه فِي الاستشهاد شَائِع عِنْد المصنّفين يَفْعَلُونَهُ قصدا إِمَّا لأنّ الْمَعْنى مُتَفَرقًا يكون فِي أَبْيَات وإمّا لأنّ فِي أحد المصراعين قلاقة معنى أَو لُغَة فيحتضرونه بِأخذ مصراعين مِنْهُ كَمَا فعل ابْن الشجريّ وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي

قَوْله:

وناهدة الثّديين قلت لَهَا اتّكيفَقَالَت على اسْم الله أَمرك طَاعَة

وَالْأَصْل هَكَذَا:

وناهدة الثّديين قلت لَهَا اتّكيعلى الرّمل من جنباته لم توسّد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وناهدة الثديين قلت لها اتكي»

)

فَقَالَت على اسْم الله أَمرك طاعةٌوَإِن كنت قد كلّفت مَا لم أعوّد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وناهدة الثديين قلت لها اتكي»

فَأخذ مِنْهُمَا مصراعين وَلم يتَنَبَّه لهَذَا أحد من شرّاح الْمُغنِي. وكما فعل الزمخشريّ فِي المفصّل وَغَيره كَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي قَوْله:

حاشا أَبَا ثَوْبَان إنّ لَهُضنّاً على الملحاة والشّتم

وَهُوَ من قصيدة مسطورة ف يالمفضليات وَالْأَصْل:

حاشا أَبُو ثَوْبَان إنّ أَبَاثَوْبَان لَيْسَ ببكمةٍ فدم
عَمْرو بن عبد الله إنّ بِهِضنّاً على الملحاة والشّتم
للشاعر الجميح الأسدي، من قصيدة «يا جارَ نَضلَةَ قد أنى لكَ»

وأَبُو وجزة هُوَ بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْجِيم بعْدهَا زَاي مُعْجمَة يُقَال رجل وجز أَي: الْحَرَكَة وَامْرَأَة وجزة.

وَأَبُو وجزة اسْمه يزِيد بن عبيد وَقيل ابْن أبي عبيد. وَهُوَ شَاعِر ومحدث ومقرئ كَذَا قَالَ الصاغانيّ فِي الْعباب.

وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: هُوَ من بني سعد بن بكر بن هوَازن أظآر النّبيّ ﷺ وَكَانَ شَاعِرًا مجيداً وَهُوَ الَّذِي روى الْخَبَر فِي استسقاء عمر بن الخطّاب ﵁: وتوفّي بِالْمَدِينَةِ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَهُوَ أوّل من شّبب بِعَجُوزٍ.

أَقُول: أَبُو وجزة إنّما هُوَ من بني سليم بِالتَّصْغِيرِ وإنّما نَشأ فِي بني سعد فغلب عَلَيْهِ نسبهم.

وَقَالَ صَاحب التَّقْرِيب والتهذيب: أَبُو وجزة السَّعْدِيّ المدنيّ الشَّاعِر ثِقَة وَذكره ابْن سعد فِي الطَّبَقَة الرَّابِعَة من التَّابِعين ثمَّ ذكر مشايخه وتلاميذه.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»