تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الْخَامِس وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ

فيه ٨ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

لَو أنّك يَا حُسَيْن خلقت حرّاوَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الخليق

على أَن فِيهِ دَلِيلا على جَوَاز تَقْدِيم الْخَبَر الْمَنْصُوب إِذْ الْبَاء لَا تدخل إلاّ على الْخَبَر الْمَنْصُوب.

وعَلى هَذَا بني أَبُو عليّ والزمخشريّ امْتنَاع دُخُولهَا على مَا التميمية وَأَجَازَهُ الْأَخْفَش.

قَالَ أَبُو عليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: أمّا مَا انشده بعض البغداديين:

أما وَالله عَالم كل غيبٍوربّ الْحجر وَالْبَيْت الْعَتِيق
لَو أنّك يَا حُسَيْن خلقت حرّاوَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الخليق

فإنّه يكون شَاهدا على مَا حَكَاهُ أَبُو عَمْرو فِي نصب خبر مَا مقدّما. وَمن دفع ذَلِك أمكن أَن يَقُول إِن الْبَاء دخلت على الْمُبْتَدَأ وَحمل مَا على أَنَّهَا مَا التميمية. ويقوى أَن مَا حجازيّة أنّ أَنْت أخصّ من الحرّ فَهُوَ أولى بِأَن يكون الِاسْم وَيكون الحرّ الْخَبَر. انْتهى.

أَقُول: من يدْفع ذَلِك يَقُول: إنّ الْبَاء زيدت فِي خبر مَا التميمية وَلَا يذهب أَن مذخولها مُبْتَدأ. وَالصَّحِيح أنّها تزاد فِي خبر مَا على اللّغتين وَهُوَ ظاره كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء فِي مَسْأَلَة مَا زيد بِشَيْء إلاّ شَيْء لَا يعبأ بِهِ.

قَالَ الشاطبيّ فِي شرح الألفيّة: والأصحّ مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ من أوجه: أَحدهَا: أنّ بني تَمِيم يدْخلُونَهَا فغي الْخَبَر فَيَقُولُونَ: مَا زيد بقائم فَإِذا لم يدخلوها رفعوا.

قَالَ ابْن خروف: إنّ بني تَمِيم يرفعون مَا بعْدهَا بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر ويدخلون الْبَاء فِي الْخَبَر لتأكيد النَّفْي. ثمَّ حكى عَن الفرّاء أنّه قَالَ: أنشدتني امرأةٌ.)

أما وَالله أَن لَو كنت حرّاوَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الْعَتِيق

قَالَ: فأدخلت الْبَاء فِيمَا يَلِي مَا. فَإِن ألغيتها رفعت. انْتهى.

وَقد أنْشد سِيبَوَيْهٍ للفرزدق وَهُوَ تميمي:

لعمرك مَا معن بتارك حقّهوَلَا منسئٌ معنٌ وَلَا متيسّر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمرك ما معن بتارك حقه»

وَهُوَ كثير فِي أشعارهم لمن بحث عَنهُ.

وَالثَّانِي: أَن الْبَاء إِنَّمَا دخلت على الْخَبَر بعد مَا لكَونه منفيّاً لَا لكَونه خَبرا مَنْصُوبًا وَلذَلِك دخلت فِي خبر لم يكن وَلم يدْخل فِي خبر كنت. وَإِذا ثَبت أَن المسوّغ لدخولها إنّما هُوَ النَّفْي فَلَا فرق بَين منفي مَنْصُوب الْمحل ومنفيّ مَرْفُوع الْمحل.

وَالثَّالِث: أنّه قد ثَبت دُخُول الْبَاء مَعَ إبِْطَال الْعَمَل وَمَعَ أداةٍ لَا عمل لَهَا الْبَتَّةَ نَحْو قَوْله:

لعمرك مَا إِن أَبُو مالكٍبواهٍ وَلَا بضعيف قواه
للشاعر المتنخل، من قصيدة «لعمرك ما إن أبو مالك»

وَأنْشد الفارسيّ فِي التّذكرة للفرزدق:

يَقُول إِذا اقلولى عَلَيْهَا وأقردتأَلا هَل أَخُو عيشٍ لذيذٍ بدائم

وإنّما دخلت بعد هَل لشبهها بِحرف النَّفْي فَدَخَلُوهَا بعد النَّفْي الْمَحْض وَهُوَ مَا التميميّة أحقّ.

قَالَ ابْن مَالك: لِأَن شبه مَا بهَا أكمل من شبه هَل بهَا. ثمَّ ذكر مَا حكى الفرّاء عَن كثيرٍ من أهل نجد. أَنهم يجرّون الْخَبَر بَعْدَمَا بِالْبَاء وَإِذا أسقطوا الْبَاء رفعوا.

قَالَ ابْن مَالك: وَهَذَا دَلِيل واضحٌ على أَن دُخُول الْبَاء جارّة للْخَبَر بعد مَا لَا يلْزم مِنْهُ كَون الْخَبَر مَنْصُوب الْمحل بل جَازَ أَن يُقَال هُوَ مَنْصُوب المحلّ وَأَن يُقَال هُوَ مَرْفُوع المحلّ وَإِن كَانَ الْمُتَكَلّم بِهِ حجازياً فإنّ الحجازيّ قد يتَكَلَّم بِغَيْر لغته وَغَيره يتكلّم بلغته. إلاّ أنّ الظَّاهِر أنّ محلّ الْمَجْرُور نصبٌ إِن كَانَ الْمُتَكَلّم حجازياً ورفعٌ إِن كَانَ تميمياً أَو نجدياً.

قَالَ: فَمن دُخُول اللُّغَة التميمية فِي الحجازية كسر هَاء الْغَائِب بعد كسرة أَو يَاء سَاكِنة وإدغام نَحْو: وَلَا يضارّ كاتبٌ وَلَا شهيدٌ وَرفع الله من قَوْله تَعَالَى: قل لَا يعلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إلاّ الله لأنّ اللُّغَة الحجازيّة بِهِ وَفِيه بِالضَّمِّ وَلَا يضارر بالفكّ وإلاّ الله بِالنّصب لأنّ الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع.

قَالَ: وَإِذا جَازَ للحجازيّ أَن يتَكَلَّم باللغة التميميّة جَازَ للتميميّ أَن يتَكَلَّم باللغة الحجازيّة بل)

التميميّ بذلك أولى لوَجْهَيْنِ:

أَحدهمَا: أنّ الحجازية أفْصح وانقياد غير الْأَفْصَح لموافقة الْأَفْصَح أَكثر وقوعاً من الْعَكْس.

وَالثَّانِي: أنّ مُعظم الْقُرْآن حجازيّ والتميميّون متعبّدون بتلاوته كَمَا أنزل وَلذَلِك لَا يقْرَأ أحد مِنْهُم مَا هَذَا بشر إلاّ من جهل كَونه منزلا. هَذَا مَا قَالَه وَفِيه نظر لَا يَلِيق بِهَذَا الْموضع. انْتهى مَا أوردهُ الشّاطبي.

وروى الفرّاء هَذَا الْبَيْت فِي تَفْسِيره كَذَا:

أما وَالله أَن لَو كنت حرّاوَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الْعَتِيق

أنْشدهُ فِي سُورَة الجنّ عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَإِن استقاموا على الطّريقة.

قَالَ: قد اجْتمع الفرّاء على كسر إنّا فِي قَوْله تَعَالَى: فَقَالُوا إنّا سمعنَا قُرْآنًا عجيباً وَاخْتلفُوا فِيمَا بعد ذَلِك فقرؤوا: وَأَنا وإنّا إِلَى آخر السُّورَة فكسروا بَعْضًا وفتحوا بَعْضًا. فأمّا الَّذين فتحُوا كلّها فإنّهم ردّوا أنّ على قَوْله: فَآمَنا بِهِ وآمنا بكلّ ذَلِك ففتحت أنّ لوُقُوع الْإِيمَان ويقويّ النصب قَوْله تَعَالَى: وَأَن لَو استقاموا فَيَنْبَغِي لمن كسر أَن يحذف أَن من لَو لأنّ إنّ إِذا خفّفت لم تكن فِي حِكَايَة أَلا ترى أنّك تَقول: أَقُول لَو فعلت لفَعَلت وَلَا تدخل أَن.

وَأما الَّذين كسروا كلّها فهم فِي ذَلِك يَقُولُونَ: وَأَن لَو استقاموا فكأنهم أضمروا يَمِينا مَعَ لَو وقطعوها عَن النسق فَقَالُوا: وَالله أَو لَو استقاموا. وَالْعرب تدخل أَن فِي هَذَا الْموضع مَعَ الْيَمين وتحذفها قَالَ الشَّاعِر: فأقسم لَو شَيْء أَتَانَا رَسُوله

وأنشدني آخر: أما وَالله أَن لَو كنت حرّا........... الْبَيْت وَمن كسر كلّها وَنصب وأنّ الْمَسَاجِد لله خصّه بِالْوَحْي وَجعل وَأَن لَو مضمرة فِيهَا الْيَمين على مَا وصفت لَك. انْتهى.

وَكَذَا أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي بحث أَن وَجعلهَا زَائِدَة قَالَ: وَمن مَوَاضِع زيادتها أَن تقع بَين لَو وَفعل الْقسم مَذْكُورا كَقَوْلِه:

فأقسم أَن لَو الْتَقَيْنَا وَأَنْتُم.............

أَو متروكاً كَقَوْلِه:)

وَهَذَا قَول سِيبَوَيْهٍ وَغَيره. وَفِي مقرب ابْن عُصْفُور: أنّها فِي ذَلِك حرف جِيءَ بِهِ لربط الْجَواب بالقسم. ويبعده أنّ الْأَكْثَر تَركهَا والحروف الرابطة لَيست كَذَلِك انْتهى.

ونقضه الدّمامينيّ بِاللَّامِ الدَّاخِلَة على الْجَواب المنفيّ كَقَوْلِك:

وَلَو نعطى الْخِيَار لما افترقنا فإنّها حرف رابط وَالْأَكْثَر تَركهَا نَحْو: وَلَو شَاءَ ربّك مَا فَعَلُوهُ انْتهى.

وأنشده المراديّ أَيْضا كَذَا فِي شرح الألفيّة شَاهدا على أنّ أَن رابط لجواب الْقسم.

وَقَوله: أما وَالله عَالم كلّ غيب... الخ أما بِالتَّخْفِيفِ حرف تبينه يستفتح بِهِ الْكَلَام وَجَوَاب الْقسم مَحْذُوف أَي: لقاومتك أَو فِي بيتٍ آخر.

وَقَوله: لَو أنّك يقْرَأ بِنَقْل فَتحه الْألف من أنّك إِلَى وَاو لَو. والحرّ من الرِّجَال: الْكَرِيم الأَصْل الَّذِي خلص من الرّق مُطلقًا وساء كَانَ رّق الْعُبُودِيَّة أَو رّق النَّفس بِأَن تستخدمه فِي الرذّائل. والخليق: الجدير واللائق أَي: وَلَا أَنْت جدير بِأَن تكون حرّاً. والْعَتِيق على رِوَايَة الفرّاء وَغَيره هُوَ الْكَرِيم والأصيل. وَالَّذِي خلص من الرقّ عَتيق أَيْضا. ولذكره بِجنب الحرّ حسن وَهَذَانِ البتان لم أعرف قائلهما. وَقَالَ العينيّ فِي الْبَيْت الشَّاهِد: أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ وَلم يعزه إِلَى أحد. أَقُول: لم ينشده سِيبَوَيْهٍ وَلَا وَقع فِي كِتَابه. وَصَوَابه أنْشدهُ الفرّاء فإنّه أوّل من اسْتشْهد بِهِ.

وَالله أعلم وَأنْشد بعده وَهُوَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»