تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ

فيه ١١ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

نَدِمت على لِسَان كَانَ منّيفليت بأنّه فِي جَوف عكم

على أنّ الْبَاء قد تزاد بعد لَيْت كَمَا هُنَا.

قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره: الْبَاء زَائِدَة وَالْوَجْه فليت أنّه.

قَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية: وَجه زِيَادَة الْبَاء فِي اسْم لَيْت شبه لَيْت لنصبها ورفعها بِالْفِعْلِ وَالْفِعْل يصل تَارَة بِنَفسِهِ وَأُخْرَى بِالْبَاء قَالَ تَعَالَى: ألم يعلم بأنّ الله يرى ويعلمون أنّ الله هُوَ الحقّ الْمُبين.

وَمثله فِي أَنه لما أشبه الْفِعْل عديّ تعديته تَارَة بِنَفسِهِ وَأُخْرَى بِحرف الْجَرّ يَا زيد وبالزيد.

فَإِن قلت: فَهَل يكون على إِضْمَار اسْم لَيْت كَقَوْلِه:

أَلا لَيْت أنّي يَوْم تَدْنُو منيّتيشممت الَّذِي مَا بَين عَيْنَيْك والفم

فغن ذَلِك لَا يَسْتَقِيم لِئَلَّا يبتدأ بأنّ مَفْتُوحَة.

وسدّ الظّرْف فِي خبر أنّ مسدّ خبر لَيْت كَمَا سدّ فِي قَوْلك علمت أَن زيدا فِي الدَّار مسدّ)

الْمَفْعُول الثَّانِي. وَجَوَاز حذف الْخَبَر فِي لَيْت وأنّ وبابه بِوُقُوع الْجمل أَخْبَارًا لَهَا. انْتهى.

وَقَالَ فِي الْحجَّة عِنْد قَوْله تَعَالَى: ولكنّ الشّياطين كفرُوا من سُورَة الْبَقَرَة: فَأَما مَا أنْشدهُ أَبُو زيد:

نَدِمت على لِسَان فَاتَ منّي الْبَيْت فَيحْتَمل أَمريْن: أَحدهمَا: أَن تكون الْبَاء زَائِدَة وَتَكون أنّ مَعَ الجارّ فِي مَوضِع نصب وَيكون مَا جرى فِي صلَة أنّ قد سدّ مسدّ خبر لَيْت كَمَا أنّها فِي ظَنَنْت أنّ زيدا منطلق كَذَلِك.

وَيحْتَمل أَن الْهَاء مُرَادة وَدخلت الْبَاء على الْمُبْتَدَأ كَمَا دخلت فِي بحسبك أَن تفعل ذَلِك.

وَلَا يمْتَنع هَذَا من حَيْثُ امْتنع الِابْتِدَاء بأنّ لمَكَان الْبَاء أَلا ترى أنّ أنّ قد وَقعت بعد لَوْلَا فِي نَحْو قَوْلك: لَوْلَا أنّك منطلق وَلم يجر ذَلِك الِامْتِنَاع مجْرى أنّك منطلق بَلغنِي لأنّ الْمَعْنى الَّذِي لَهُ لم يبتدأ بالمفتوحة مَعَ لَوْلَا مَعْدُوم. انْتهى كَلَامه.

وروى شَارِح ديوَان الحطيئة: فليت بَيَانه فَلَا شَاهد فِيهِ.

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات للحطيئة قَالَهَا لأبي سهم عود بن مَالك بن غَالب. وَهِي أَرْبَعَة أَبْيَات فِي ديوانه.

فيا ندمي على سهم بن عوذٍندامة مَا سفهت وضلّ حلمي
نَدِمت ندامة الكسعيّ لمّاشريت رضَا بني سهمٍ برغميّ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «يا ندمي على سهم بن عوذ»
نَدِمت على لسانٍ فَاتَ منّيفليت بأنّه فِي جَوف عكم
هنالكم تهدّمت الرّكاياوضمّنت الرّجا فهوت بذميّ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «يا ندمي على سهم بن عوذ»

قَوْله: فيا ندمي قَالَ أَبُو عمر الْجرْمِي: أَرَادَ فيا ندامتاه فَحذف الْهَاء

لما وصل الْكَلَام.

ويروى: يَا ندمي بِإِسْقَاط الْفَاء. وندامة بِالنّصب وَمَا مصدريّة أَي: ندامة سفهى وَيشْهد لَهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهِي ندامة أَن سفهت وَقد رَوَاهَا شَارِح ديوانه. والسّفه: طيشٌ وخفّة عقل. والْحلم بِالْكَسْرِ: الْعقل. والكسعيّ: رجلٌ جاهليّ كَانَت لَهُ قَوس رمى عَلَيْهَا باللّيل حميراً من الْوَحْش فظنّ أَنه أَخطَأ وَكَانَ قد أصَاب فَغَضب فَكَسرهَا فلمّا أصبح رأى الْحمير مجدلّةٌ فندم على كسر قوسه.

فَضرب بِهِ الْمثل فَقيل: أندم من الكسعيّ و: نَدِمت ندامة الكسعيّ.

وَشرح هَذَا الْمثل مفصّل فِي أَمْثَال حَمْزَة والميدانيّ والزمخشريّ.)

وشريت هُنَا بِمَعْنى بِعْت. يَقُول: بِعْت رضاهم برغمٍ منّي.

وَقَوله: نَدِمت على لِسَان الخ قَالَ شَارِح الدِّيوَان: اللِّسَان هَاهُنَا الْكَلَام فَيكون مجَازًا أطلق وَقَالَ ابْن الأنباريّ فِي شرح المفضّليات: اللِّسَان هَاهُنَا الرسَالَة أوردهُ نظيراً لمطلع قصيدة مرقش الْأَكْبَر:

أَتَتْنِي لِسَان بني عامرٍفَجلت أحاديثها عَن بصر
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «أتتني لسان بني عامر»

وَقد تكلّم أَبُو عليّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ على اللِّسَان بِكَلَام مَبْسُوط على قَول يزِيد بن الحكم: لسَانك لي أريٌ وعينك علقم وشرّك مبسوطٌ وخيرك ملتوي وَقد تقدم هَذَا الْبَيْت فِي قصيدته مشروحةً فِي الشَّاهِد الثَّمَانِينَ بعد الْمِائَة فَأَحْبَبْت أَن أوردهُ هُنَا لحسنه قَالَ: لَيْسَ يَخْلُو اللِّسَان من أحد الْمَعْنيين إمّا أَن يكون الْجَارِحَة أَو الَّتِي بِمَعْنى الْكَلَام كَقَوْلِه ﷿: وَمَا أرسلنَا من رسولٍ إلاّ بِلِسَان

قومه كأنّ الْمَعْنى: بلغتهم. وَمِمَّا يقويّ ذَلِك إِفْرَاد اللِّسَان حَيْثُ أُرِيد بِهِ الحارجة قَالَ ﷿: وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم وألوانكم.

وَأنْشد أَبُو زيد: نَدِمت على لسانٍ كَانَ منّي........... الْبَيْت فَبِهَذَا يعلم أَنه لَا يُرِيد بِهِ الحارجة لأنّ النّدم لَا يَقع على الْأَعْيَان إنّما يَقع على معانٍ فِيهَا. فَإِن قلت: فقد قَالَ: فليت بأنّه فِي جَوف عكم إنّما يكون الْعين. قيل: هَذَا اتّساع وإنّما أَرَادَ فليته كَانَ مطويّاً لم ينتشر كَمَا قَالَ أَوْس:

لَيْسَ الحَدِيث بنهى بينهنّ وَلَاسرّ يحدّثنه فِي الحيّ منشور

فَلَيْسَ المنشور هُنَا كَقَوْلِك نشرت الثَّوْب الَّذِي هُوَ خلاف طويته وغنّما يُرِيد إِنَّه لَا يذاع وَلَا يشاع فاتسع.

وَكَذَلِكَ قَوْله:

الْبَسِيط إنّي أَتَانِي لسانٌ لَا أسرّ بِهِ انْتهى المُرَاد مِنْهُ.

وتقدّم بقيّة هَذَا على بَيت ابْن الحكم هُنَاكَ. وَمُرَاد أبي عليّ بالاتساع الِاسْتِخْدَام فإنّ اللِّسَان)

أُرِيد بِظَاهِرِهِ معنى وبضميره معنى آخر كَقَوْلِه:

إِذا نزل السّماء بِأَرْض قومٍرعيناه وَإِن كَانُوا غضابا

وَكَانَ هُنَا تَامَّة بِمَعْنى حدث وَجرى ويروى بدله فَاتَ منّي. والعكم بِكَسْر الْمُهْملَة: الْعدْل وَقَالَ شَارِح الدِّيوَان: هُوَ مثل الجوالق.

وَقَوله: هُنَا لكم الخ أَي: عِنْد ذَلِك القَوْل الَّذِي صدر منّي فِي حَقهم. والرّكايا: الْآبَار جمع قَالَ فِي الصِّحَاح: وكلّ شَيْء جعلته فِي فِي وعَاء فقد ضمنته إِيَّاه. والرّجا بِالْجِيم قَالَ شَارِح الدِّيوَان: هُوَ جَانب الْبِئْر من دَاخل وجولها بِالضَّمِّ: جوانبها من خَارج. والرّجا: النّاحية من كلّ شَيْء قَالَ أَبُو زيد: الرّجا هُنَا بِمَعْنى الأرجاء.

يُرِيد أَنه مُفْرد معرّف بللام وَقع موقع الْجمع لأنّ الْبِئْر لَهَا نواح. يَقُول: عِنْدَمَا صدر منّي قولٌ فِي حَقهم كأنّ الْآبَار تهدّمت وَسَقَطت عليّ بِجَمِيعِ نَوَاحِيهَا بِسَبَب ذميّ. وروى بذمّ بالتنكير.

قَالَ شَارِح ديوانه: أَي: بذمّ الرّكايا.

وَقَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة: يَقُول كَالَّذي حفر بِئْرا وَهُوَ حِين حفرهَا لم يقدّر أَنَّهَا تقع على فَسَاد فلمّا أَن حفرهَا وَقع على فَسَاد فبناها على ذَلِك وتهدّم مَا بنى وَكَانَ قبل ذَلِك يأمل التَّمام لما يُرِيد. فَمثل هَذَا لّما أَن مدح على رَجَاء تَمام للمدح فأخلف فهوى بذّم. انْتهى.

ثمَّ رَأَيْت ديوَان الحطيئة جمع أبي سعيد السكّريّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن حبيب وَقبل هَذِه الأبيات قصيدةٌ فِي ذمّ بني سهم بن عوذ بن مَالك بن غَالب بن قطيعة بن عبس وهم بَنو عمّه مِنْهَا:

وَلَو وجدت سهمٌ على الغيّ ناصراًلقد حلبت فِيهِ زَمَانا وصرّت
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أشاقتك ليلى في اللمام وما جزت»
وَلَكِن سَهْما أفسدت دَار غالبٍكَمَا أعدت الجرب الصّحاح فعّرت
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أشاقتك ليلى في اللمام وما جزت»

قَالَ السكّريّ: كَانَ من حَدِيث هَذِه القصيدة أنّ بني مَالك بن غَالب وهم رَهْط الحطيئة وَبني سهم بن عوذ بن مَالك بن غَالب أَغَارُوا وَفِيهِمْ سمير المخزوميّ وَرَئِيسهمْ قدامَة بن عَلْقَمَة وَمَعَهُمْ المسّيب على هوَازن فَأَصَابُوا سبياً وإبلاً فَتَنَازَعَ المسيّب وسمير فِي الْإِبِل فَأَمَرته بِربع مِنْهَا فَأَخذه فَوَجَدَهُ بعد أَنْجَب بعير فِي النَّاس وَهُوَ الرّواح.

ثمَّ إِن سميراً خرج بِنَفر من قومه حتّى أَتَوا الْإِبِل فأطردوها وَقَالَ الوليدة: أخيري مَوْلَاك أَنه قد ذهب بِالْإِبِلِ فَلَمَّا أَتَى المسيّب الْخَبَر ركب بِأَصْحَابِهِ فَالْتَقوا فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا فَقتل مِنْهُم)

أَرْبَعَة نفر وَذهب بهَا سمير.

وَكَانَ قَالَ هَذِه الأبيات قبل أَن يذهب بهَا سميرً فَلَمَّا ذهب بهَا سمير نَدم الحطيئة مِمَّا قَالَ فَقَالَ: فيا ندمي على سهم بن عوذٍ الأبيات الْأَرْبَعَة قَالَ السكّريّ: أَرَادَ بِاللِّسَانِ الشّعْر يُرِيد: وددت أنّ الشّعْر الَّذِي قلت فيهم كَانَ مخبوءاً فِي جوالق. والرّجا: مَا بَين رَأس الْبِئْر إِلَى أَسْفَلهَا فَجعله هَاهُنَا أَسْفَلهَا.

وَقَوله: وضمنت الرّجا يُرِيد أنّها تهدّمت فَصَارَ أَعْلَاهَا فِي أَسْفَلهَا. فَلذَلِك جعل جعل أَسْفَلهَا تضمّن أَعْلَاهَا. وَهَذَا مثل. وهوت بذمّ: سَقَطت مذمومة انْتهى كَلَامه.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»