تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الأربعمائة

فيه ٤ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الْكَامِل: بأذل حَيْثُ يكون من يتذلل على أَن أَبَا عَليّ قَالَ فِي كتاب الشّعْر: إِن جملَة يكون صفة ل حَيْثُ لَا أَنَّهَا مُضَاف إِلَيْهِ. لِأَن حَيْثُ هُنَا اسْم بِمَعْنى مَوضِع لَا أَنَّهَا بَاقِيَة على الظَّرْفِيَّة. وَكتاب الشّعْر يُقَال لَهُ: إِيضَاح الشّعْر وإعراب الشّعْر أَيْضا. وَقد تكلم على هَذَا المصراع وأجاد الْكَلَام فِيهِ فَيَنْبَغِي أَن نثبته هُنَا إيضاحاً لَهُ. والمصراع من قصيدة طَوِيلَة عدتهَا تِسْعَة وَتسْعُونَ بَيْتا للفرزدق هجا بهَا جَرِيرًا.

وَلَا بُد من نقل بَيْتَيْنِ مِنْهَا ليتضح مَعْنَاهُ وهما:

إِنَّا لنضرب رَأس كل قبيلةٍوَأَبُوك خلف أتانه يتقمل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فلئن فخرت بهم لمثل قديمهم»
يهز الهرانع عقده عِنْد الخصىبأذل حَيْثُ يكون من يتذلل

قَالَ أَبُو عَليّ: أنْشدهُ بعض البغداديين وَزعم أَن حَيْثُ يكون اسْما وَالْقَوْل فِي ذَلِك أَن أفعل لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى مَا هُوَ بعضه فَإِذا كَانَ كَذَا فَإِنَّهُ يُرَاد بِهِ الْموضع لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى مَوَاضِع وَجَاز أَن يُرَاد بِحَيْثُ الْكَثْرَة لإبهامها كَمَا تَقول أفضل رجل.

وَكَذَلِكَ لما أضَاف أذلّ صَار كَأَنَّهُ قَالَ: بأذل مَوضِع فَحَيْثُ مَوضِع وَلَا يجوز مَعَ الْإِضَافَة إِلَيْهَا أَن تكون ظرفا كَقَوْلِك: يَا سَارِق اللَّيْلَة أهل الدَّار وَقد حكى قطرب فِيهَا الْإِعْرَاب. وَمِمَّا جَاءَ حَيْثُ مَفْعُولا بِهِ قَوْله تَعَالَى:

الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته. أَلا ترى أَن حَيْثُ لَا يَخْلُو من أَن يكون جراً أَو نصبا. فَلَا يجوز أَن يكون جراً لِأَنَّهُ)

يلْزم أَن يُضَاف إِلَيْهِ أفعل وأفعل إِنَّمَا يُضَاف إِلَى مَا هُوَ بعض لَهُ وَهَذَا لَا يجوز فِي هَذَا الْموضع فَلَا يجوز أَن يكون جراً وَإِذا لم يكنه كَانَ نصبا بِشَيْء دلّ عَلَيْهِ يعلم أَنه مفعول بِهِ. وَالْمعْنَى: الله يعلم مَكَان رسالاته وَأهل رسَالَته. فَهَذَا إِذن اسْم أَيْضا. فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا صَار اسْما فَلم لَا يعرب لزواله عَن أَن يكون ظرفا قيل: كَونه اسْما لَا يُخرجهُ عَن الْبناء أَلا ترى أَن مُنْذُ حرف فَإِذا اسْتعْملت اسْما فِي نَحْو مُنْذُ يَوْمَانِ لم تخرج عَن الْبناء. وَكَذَلِكَ عَن وعَلى إِذا قلت: من عَن يَمِين الْخط وَكَذَلِكَ قَول الشَّاعِر الطَّوِيل: غَدَتْ من عَلَيْهِ

وَكَذَلِكَ: كم بنيت فِي الِاسْتِفْهَام فَإِذا صَارَت خَبرا بقيت على بنائها فَكَذَلِك حَيْثُ إِذا صَارَت اسْما. فَأَما مَوضِع يكون فِي قَوْله: بأذل حَيْثُ يكون من يتذلل فجر بِأَنَّهُ صفة حَيْثُ كَأَنَّهُ قَالَ: بأذل مَوضِع يكونه أَي: يكون فِيهِ. فَحذف الْحَرْف وأوصل الْفِعْل فَلَيْسَ بجرٍّ لإضافة حَيْثُ إِلَيْهِ لِأَن حَيْثُ إِنَّمَا يُضَاف إِلَى الْفِعْل إِذا كَانَ ظرفا. فَإِذا لم يكن ظرفا لم يَنْبغ أَن يُضَاف إِلَى الْفِعْل. وَلَيْسَ حَيْثُ فِي الْبَيْت بظرف. وَإِنَّمَا لم يعرب من لم يعربه لِأَنَّهُ جعله بِمَنْزِلَة مَا وَمن فِي أَنَّهُمَا لم يعربا إِذا وَصفا وَكَانَا نكرتين. وَذَاكَ أَن الْإِضَافَة فِي حَيْثُ كَانَت للتخصيص كَمَا أَن الصّفة كَذَلِك فَلَمَّا جعل اسْما وَلم يضف صَار لُزُوم الصّفة لَهُ للتخصيص بِمَنْزِلَة لُزُوم الصِّلَة للتخصيص فضارع حَال الْوَصْف حَال الْإِضَافَة. وَلَو جعلت فِي قَوْله: بأذل حَيْثُ يكون زَمَانا لم يحسن لِأَن أفعل هَذَا بعض مَا يُضَاف إِلَيْهِ. وَإِذا قلت: هَذَا أذلّ رجل فَالْمَعْنى: هَذَا رجل ذليل وَلَا يكَاد يُقَال: زمَان ذليل كَمَا يُقَال: مَوضِع ذليل. أَلا ترى أَن الْأَمَاكِن قد وصفت بالعز فَإِذا جَازَ وصفهَا بالعز جَازَ وصفهَا بِخِلَافِهِ وَلَا تكَاد تسمع وصف الزَّمَان بالذل. فَلَا يجوز إِذن أَن يكون مَوضِع يكون جراً بِأَنَّهُ صفة حَيْثُ وَيجْعَل حَيْثُ اسْم زمَان. انْتهى كَلَام أبي عَليّ. وَحَاصِله: أَن أذلّ أفعل تَفْضِيل مجرور بِالْكَسْرِ وَهُوَ مُضَاف إِلَى حَيْثُ بِمَعْنى مَوضِع يُرَاد بِهِ الْكَثْرَة لإبهامه وَلِهَذَا صَحَّ إِضَافَة أفعل إِلَيْهِ إِذْ لَا يُضَاف أفعل التَّفْضِيل إِلَّا إِلَى مَا هُوَ بعضه. وَجُمْلَة يكون: صفة ل حَيْثُ فَتكون فِي مَحل جر والعائد إِلَى الْمَوْصُوف ضمير نصب مَحْذُوف وَالْأَصْل: يكون فِيهِ فَفِيهِ خبر يكون وَمن يتذلل اسْمه فَحذف حرف الْجَرّ واتصل الضَّمِير بيكون فَصَارَ يكونه ثمَّ حذف الضَّمِير فَصَارَ

يكون فجملة يكون)

إِلَخ فِي مَحل جر لكَونهَا صفة لحيث لَا لكَونهَا مُضَافا إِلَيْهِ. وَحَيْثُ مَوْصُوف بِالْجُمْلَةِ لَا مُضَاف إِلَيْهَا. وَلما كَانَ حكم الْجُمْلَة بعد حَيْثُ فِي الْآيَة حكمهَا فِي الْبَيْت نسبهما إِلَى أبي عَليّ وَإِن لم يذكر حكم الْجُمْلَة بعد حَيْثُ فِي الْآيَة أَبُو عَليّ. وَقَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: الأولى أَن يكون مُضَافا وَلَا مَانع من إِضَافَته وَهُوَ اسمٌ لَا ظرف إِلَى الْجُمْلَة كَمَا فِي ظروف الزَّمَان وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى: يَوْم ينفع الصَّادِقين صدقهم. وعَلى هَذَا أَيْضا يكون الْخَبَر محذوفاً يقدر بعد يتذلل أَي: فِيهِ.

وَقَوله: إِنَّا لنضرب رَأس كل قبيلةٍ يَقُول: نَحن فِي الطّرف الْأَعْلَى من الْعِزّ وَأَنْتُم فِي نِهَايَة الذل وَالْعجز. والأتان: أُنْثَى الْحمار.

ويتقمل: يقتل قمله. وَقَوله: يهز الهرانع إِلَخ تَفْسِير لقَوْله: يتقمل. ويهز: وهز يهز هزةً ووهزاً إِذا نزع القملة وقصعها أَوله وثالثه زاء مُعْجمَة. والهرانع: مفعول يهز مقدم جمع هرنع بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الرَّاء الْمُهْملَة وَكسر النُّون بعْدهَا عين مُهْملَة وَهُوَ الْقمل الْوَاحِدَة هرنعة.

قَالَ الشَّاعِر: فِي رَأسه هرانع كالجعلان كَذَا قَالَ ابْن دُرَيْد. وَقَالَ اللَّيْث: الهرنوع كعصفور: القملة الضخمة وَيُقَال: هِيَ الصَّغِيرَة.

وَأنْشد الْبَيْت. فَيكون الْجمع على حذف الزَّائِد. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الهرنع كقنفذ والهرنوع: القملة الصَّغِيرَة.

وعقده فَاعل يهز وَهُوَ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَالضَّمِير رَاجع لقَوْله: وَأَبُوك.

وَفَسرهُ ابْن حبيب فِي شرح المناقضات وَابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَقَالا: يَعْنِي عقدَة الثَّلَاثِينَ وَهُوَ هَيْئَة تنَاول القملة بإصبعين: الْإِبْهَام والسبابة. وَرَوَاهُ الصَّاغَانِي فِي الْعباب فِي مَادَّة وهز عَن شمر كَذَا:

يهز الهرانع لَا يزَال ويفتليبأذل حَيْثُ يكون من يتذلل

ففاعل يهز على هَذَا ضمير أَبوك. وَاعْلَم أَن الْعُقُود وَالْعقد نوع من الْحساب يكون بأصابع الْيَدَيْنِ يُقَال لَهُ: حِسَاب الْيَد. وَقد ورد مِنْهُ فِي الحَدِيث: وَعقد عقد تسعين. وَقد ألفوا فِيهِ كتبا وأراجيز مِنْهَا أرجوزة أبي الْحسن عَليّ الشهير بِابْن المغربي. وَقد شرحها عبد الْقَادِر بن عَليّ بن شعْبَان الْعَوْفِيّ وَمِنْهَا فِي عقد الثَّلَاثِينَ

واضممهما عِنْد الثَّلَاثِينَ ترىكقابض الإبرة من فَوق الثرى

)

قَالَ شارحها: أَشَارَ إِلَى أَن الثَّلَاثِينَ تحصل بِوَضْع إبهامك إِلَى طرف السبابَة أَي: جمع طرفيهما كقابض الإبرة. وَعند الخصى ظرف لقَوْله يهز. وَقَوله: بأذل الْبَاء بِمَعْنى فِي مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف على أَنه حَال من ضمير عقده. يَقُول: نَحن لعزنا وكثرتنا نحارب كل قَبيلَة ونقطع رؤوسها وَأَبُوك لذله وعجزه يقتل قمله خلف أتانه فَهُوَ يتَنَاوَل قملة بإصبعه من بَين أفخاذه حَالَة كَونه جَالِسا فِي أَحْقَر مَوضِع يجلس فِيهِ الذَّلِيل وَهُوَ خلف الأتان. فَنحْن نقْتل الْأَبْطَال وَأَبُوك يقتل الْقمل والصئبان فشتان مَا بيني وَبَيْنك. وَهَذِه القصيدة مطْلعهَا: وَيَأْتِي شَرحه أَن شَاءَ الله فِي الصّفة المشبهة.

وترجمة الفرزدق قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب. وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»