من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
لم يمْنَع الشّرْب مِنْهَا غير أَن نطقت
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده
لم يمْنَع الشّرْب مِنْهَا غير أَن نطقتحمامةٌ فِي غصونٍ ذَات أوقال
على أَن غيراً بنيت على الْفَتْح لإضافتها إِلَى مَبْنِيّ وَبَينه الشَّارِح الْمُحَقق مَعَ أَنَّهَا فَاعل لم يمْنَع.
وَقد روى الرّفْع أَيْضا على الأَصْل: قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا تكون أَن وأنّ مَعَ صلتهما بِمَنْزِلَة غَيرهمَا من السَّمَاء: حَدثنَا أَبُو الْخطاب أَنه سمع من الْعَرَب الموثوق بهم من ينشد هَذَا الْبَيْت رفعا:
لم يمْنَع الشّرْب مِنْهَا غير أَن نطقتالْبَيْت
وَزَعَمُوا أَن أُنَاسًا ينصبون هَذَا كنصب بَعضهم يَوْمئِذٍ فِي كل مَوضِع فَكَذَلِك غير أَن نطقت.
وكما قَالَ النَّابِغَة: على حِين عاتبت المشيب على الصِّبَا انْتهى. وَتقدم شَرحه قَرِيبا.
وَأنْشد بعده
ونطعنهم حَيْثُ الكلى بعد ضَربهمْببيض المواضي حَيْثُ لي العمائم
على أَن إِضَافَة حَيْثُ إِلَى مُفْرد نادرة فَتكون حَيْثُ بِمَعْنى مَكَان ولي مجرور بِإِضَافَة حَيْثُ إِلَيْهِ وَهُوَ مصدر لوى الْعِمَامَة على رَأسه أَي: وَمَكَان لف العمائم هُوَ الرَّأْس. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وندرت إِضَافَة حَيْثُ إِلَى الْمُفْرد كَهَذا الْبَيْت. وَالْكسَائِيّ يقيسه. وأندر من ذَلِك)
إضافتها إِلَى جملَة محذوفة كَقَوْلِه
إِذا ريدةٌ من حَيْثُ مَا نفحت لَهُأَتَاهُ برياها خليلٌ يواصله
أَي: إِذا ريدة نفحت لَهُ من حَيْثُ هَب وَذَلِكَ لِأَن ريدة فَاعل بِمَحْذُوف يفسره نفحت فَلَو كَانَ نفحت مُضَافا إِلَيْهِ حَيْثُ لزم بطلَان التَّفْسِير إِذْ الْمُضَاف إِلَيْهِ لَا يعْمل فِيمَا قبل الْمُضَاف فَلَا يُفَسر عاملاٌ فِيهِ. قَالَ أَبُو الْفَتْح فِي كتاب التَّمام: وَمن أضَاف حَيْثُ إِلَى الْمُفْرد أعْربهَا.
انْتهى. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: إِن حَيْثُ لم يضف فِي الْبَيْت إِلَى جملَة فَيكون معرباً وَمحله النصب على الحالية. انْتهى.
يُرِيد مَا ذكره أَبُو الْفَتْح من أَنَّهَا إِذا أضيفت إِلَى مُفْرد أعربت فَتكون مَنْصُوبَة لفظا على الظَّرْفِيَّة وعاملها مُقَدّر مَنْصُوب على الحالية كَمَا قَالُوا مثله فِي: رَأَيْت الْهلَال بَين السَّحَاب. هَذَا مُرَاده. وَقَالَ شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي: الصَّوَاب أَنَّهَا ظرف لضرب لَا حَال فَإِنَّهَا ظرف مَكَان كَمَا أَن تَحت ظرف مَكَان لنطعنهم. وَلم يفهم ابْن الملا الْحلَبِي فِي شرح الْمُغنِي عبارَة الْعَيْنِيّ وزيفها وَهَذَا كَلَامه. وَمن خطه نقلت: وَقَول الْعَيْنِيّ هُنَا أَن حَيْثُ حَيْثُ لم تضف إِلَى جملَة معربة محلهَا النصب على الْحَال مَرْدُود إِذْ لَا معنى لجعل إعرابها محلياً مَعَ الحكم عَلَيْهَا بِأَنَّهَا معربة. انْتهى. وَقَول شَارِح أَبْيَات الْمُغنِي كَمَا أَن تَحت ظرف مَكَان لنطعنهم. هَذِه رِوَايَة الْعَيْنِيّ أَخذهَا مِنْهُ فَإِن صَاحب الْمُغنِي لم يُورد إِلَّا المصراع الثَّانِي. وَالْمَشْهُور فِي شرح الْمفصل وَغَيره أَن الرِّوَايَة حَيْثُ الحبا قَالَ ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: يجوز أَن يكون حَيْثُ مُضَافا إِلَى الحبا على حد حَيْثُ: لي العمائم إِلَّا أَنه لَا يظْهر فِيهِ الْإِعْرَاب. والحبا: جمع حبوة وَهُوَ أَن يجمع الرجل ظَهره وساقيه بعمامته وَقد يحتبي بيدَيْهِ. وفيهَا ضم الْحَاء وَفتحهَا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَالْجمع حبًى مكسور الأول عَن يَعْقُوب. وَالَّذِي أنْشدهُ شَيخنَا البحراني وَكتبه بِخَطِّهِ: الحبا بِضَم الْحَاء وبالألف. انْتهى. وَرِوَايَة الشَّارِح الْمُحَقق فِي جَمِيع نسخه: الكلى بدل الحبا. وبهذه الرِّوَايَة تمم المصراع الدماميني وَتَبعهُ ابْن الملا. وَهُوَ جمع كُلية والكلوة لُغَة فِيهِ. وَقَالَ ابْن السّكيت: وَلَا تقل كلوة أَي: بِكَسْر الْكَاف. وَالْمرَاد بالروايات الثَّلَاث الأوساط. ولكلٍّ كليتان وهما لحمتان لازقتان بِعظم الصلب عِنْد الخاصرتين. وَقَوله: ونطعنهم قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: طعنه بِالرُّمْحِ طَعنا من بَاب قتل. ثمَّ قَالَ: وطعنت فِيهِ بالْقَوْل وطعنت عَلَيْهِ من بَاب قتل أَيْضا وَمن بَاب نفع لُغَة. وَأَجَازَ الْفراء يطعن فِي جَمِيع مَعَانِيه بِالْفَتْح لمَكَان حرف الْحلق.
وَفِي الْقَامُوس: طعنه بِالرُّمْحِ كمنعه وَنَصره طَعنا: ضربه وَفِيه بالْقَوْل طَعنا. وَقَالَ شَارِح أَبْيَات الْمُغنِي: يُقَال: طعنه بِالرُّمْحِ)
يطعنه بِالضَّمِّ فِي الْمُضَارع وَكَذَا كل مَا هُوَ حسي. وَأما الْمَنوِي كيطعن فِي النّسَب فبفتح الْعين.
وَقَوله: بعد ضَربهمْ مصدر مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وَالْفَاعِل مَحْذُوف أَي: ضربنا إيَّاهُم. وَقَوله: ببيض المواضي بِالْكَسْرِ: جمع أَبيض وَهُوَ السَّيْف. والمواضي: جمع مَاض وَهُوَ الْقَاطِع الحاد وَالْإِضَافَة من بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الْبيض بِفَتْح الْبَاء: الْحَدِيد.
والمواضي: السيوف. أَرَادَ ضَربهمْ بحديد السيوف فِي رؤوسهم. وَيجوز كسر الْبَاء إِلَى آخر مَا ذكرنَا. وَلَا يَنْبَغِي لمثله أَن يسود وَجه الْوَرق الْأَبْيَض بِهَذِهِ الترهات. وَهَذَا الْبَيْت لم يعرف لَهُ قَائِل. قَالَ ابْن المستوفي: هَذَا الْبَيْت لَا يحسن أَن يكون من بَاب مَا يفتخر بِهِ لأَنهم إِذا ضربوهم مَكَان لي العمائم وَلم يموتوا واحتاجوا إِلَى أَن يطعنوهم مَكَان الحبا وَعَادَة الشجاع أَن يَأْتِي بِالضَّرْبِ بعد الطعْن فَهَذَا مِنْهُم فعل جبان خَائِف غير مُتَمَكن من قتل قرنه. وَإِنَّمَا الْجيد قَول بلعاء بن قيس من بني لَيْث بن كنَانَة
وفارسٍ فِي غَمَرَات الْمَوْت منغمسٍإِذا تألى عِلّة مكروهةٍ صدقا
غَشيته وَهُوَ فِي جأواء باسلةٍغَضبا أصَاب سَوَاء الرَّأْس فانفلقا
بضربةٍ لم تكن مني مخالسةوَلَا تعجلتها جبنا وَلَا فرقا
فَانْظُر كَيفَ وصف قرنه بِمَا وصف بِهِ وَوصف مَوْضِعه وَبَالغ فِي وصفهما وَوصف ضَربته بِمَا يدل على جرأته وشجاعته. انْتهى.
هَذَا وَلم يُورد الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل هَذَا الْبَيْت بِتَمَامِهِ وَإِنَّمَا قَالَ: وَقد روى ابْن الْأَعرَابِي بَيْتا عَجزه: حَيْثُ لي العمائم قَالَ التبريزي فِي شرح الكافية: إِنَّمَا لم ينشد الْبَيْت بِتَمَامِهِ للِاخْتِلَاف فِي صَدره فبعضهم رَوَاهُ كَمَا ذكر وَبَعْضهمْ قَالَ: صَدره:
وَنحن سقينا الْمَوْت بِالسَّيْفِ معقلاًوَقد كَانَ مِنْهُم حَيْثُ لي العمائم
انْتهى. وَقَالَ ابْن المستوفي: وَمَا أنْشدهُ ابْن الْأَعرَابِي فقد قَالَ الأندلسي: وجدت أَنا تَمَامه فِي بعض حَوَاشِي الْمفصل وَهُوَ:
وَنحن قتلنَا بالشآم مغفلاًوَقد كَانَ منا حَيْثُ لي العمائم
قَالَ: وَلَا أعلم صِحَّته. وأوله على مَا أنشدنيه شَيخنَا مُحَمَّد بن يُوسُف البحراني:
ونطعنهم حَيْثُ الحبا بعد ضَربهمْ.............. الْبَيْت)
وَلم يتممه بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل إِلَّا بقوله:
وَنحن سقينا الْمَوْت بالشآم معقلاًوَقد كَانَ مِنْكُم حَيْثُ لي العمائم
وَقَالَ: الْمَعْنى وَنحن سقينا هَذَا الرجل وَهُوَ معقل كأس الْمَوْت بِهَذِهِ الْبَلدة وقتلناه وَقد كَانَ هَذَا الرجل مِنْكُم فَوق الرؤوس مِنْكُم أَي: كَانَ رئيسكم وعالياً عَلَيْكُم. وَقَالَ بعض الشَّارِحين: مَعْنَاهُ قد كَانَ المعقل مِنْكُم وَهُوَ الملجأ فِي مَكَان لي العمائم وَهُوَ الرَّأْس. وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِر.
انْتهى. وَهَذَا الْبَيْت أَيْضا لم يعرف قَائِله. أَقُول: الْبَيْت الَّذِي رَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي غير ذَيْنك الْبَيْتَيْنِ. قَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: وروى ابْن الْأَعرَابِي بَيت كثير
وهاجرةٍ يَا عز يلطف حرهَالركبانها من حَيْثُ لي العمائم
نصبت لَهَا وَجْهي وَعزة تتقيبجلبابها والستر لفح السمائم
ويروى: من تَحت لوث العمائم وَلَعَلَّ الزَّمَخْشَرِيّ لم ينشده لرجحان الرِّوَايَة الثَّانِيَة عِنْده. وَأما الْبَيْت الَّذِي أنْشدهُ صَاحب الْمُغنِي هُوَ:
إِذا ريدةٌ من حَيْثُ مَا نفحت لَهُإِلَخ
فَهُوَ لأبي حَيَّة النميري: شَاعِر إسلامي أدْرك الدولة الأموية والعباسية. توفّي سنة بضع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. والريدة برَاء مُهْملَة مَفْتُوحَة ومثناة تحتية بعْدهَا دَال: الرّيح اللينة الهبوب. ونفحت: هبت. والريا: الرَّائِحَة. وَقد أورد أَبُو عَليّ هَذَا الْبَيْت فِي الْإِيضَاح الشعري وَتكلم عَلَيْهِ فِيهِ وَلم يظفر بِهِ أحد من شرَّاح الْمُغنِي فَلَا بَأْس بإيراده. قَالَ: وصف أَبُو حَيَّة النميري بِهَذَا الْبَيْت حمارا. يُقَال: ريح رادة وريدة وريدانة: اللينة. ورياها: رِيحهَا. وخليل يَعْنِي: أَنفه. يَقُول: تَأتيه الرّيح لتنسمه إِيَّاهَا بِأَنْفِهِ. فَإِذا هَذِه هِيَ الَّتِي هِيَ ظرف من الزَّمَان لِأَن الْمَعْنى: إِذا نفحت ريح تنسمها. وَإِذا كَانَت كَذَلِك كَانَت ريدة مُرْتَفعَة بِفعل مُضْمر يفسره نفحت مثل: إِذا السَّمَاء انشقت وَنَحْو ذَلِك وَمن مُتَعَلقَة بالمحذوف الَّذِي فسره نفحت. وَمَا أضيف إِلَيْهِ حَيْثُ مَحْذُوف كَمَا يحذف مَا يُضَاف إِلَيْهِ إِذْ فِي يومئذٍ للدلالة عَلَيْهِ وَأَنه قد علم أَن الْمَعْنى إِذا نفحت من حَيْثُ مَا نفحت. وَإِن شِئْت قلت: إِن حَيْثُ مُضَافَة إِلَى نفحت وريدة مُرْتَفعَة بِفعل مُضْمر دلّ عَلَيْهِ نفحت وَإِن كَانَ قد أضيف إِلَيْهِ حَيْثُ كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْفِعْل الَّذِي فِي صلَة)
أَن فِي قَوْلك: لَو أَنَّك جئتني لأكرمتك وأغنى عَنهُ. فَكَذَلِك هَذَا الْفِعْل الْمُضَاف إِلَيْهَا
حَيْثُ أغْنى عَن ذَلِك الْفِعْل لما دلّ عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا فِي لَو. أَلا ترى أَن الْمُضَاف إِلَيْهِ مثل مَا بعد الِاسْم الْمَوْصُول فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يعْمل فِيمَا قبله. وَمَعَ ذَلِك فقد أغْنى الْفِعْل الَّذِي فِي صلَة أَن عَن الْفِعْل الَّذِي يَقْتَضِيهِ لَو وَإِن كَانَ قبل الصِّلَة. فَكَذَلِك الْفِعْل الْمُضَاف إِلَيْهِ حَيْثُ. انْتهى بِكَلَامِهِ وحروفه. وَمَا تكون زَائِدَة فِي التوجيهين. وَنقل عَن ابْن مَالك فِي التَّوْجِيه الأول عوض عَن الْجُمْلَة المحذوفة كالتنوين الَّذِي فِي حِينَئِذٍ. وبالتوجيه الثَّانِي يسْقط قَول ابْن هِشَام: فَلَو كَانَت نفحة مُضَافا إِلَيْهِ لزم بطلَان التَّفْسِير إِذْ الْمُضَاف إِلَيْهِ لَا يعْمل فِيمَا قبل الْمُضَاف. ويتأيد قَول الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: لَا مَانع من كَون نفحت مُضَافا إِلَيْهِ مَعَ جعله مُفَسرًا. وَمَا اسْتندَ إِلَيْهِ مَنْظُور فِيهِ لِأَن الظَّاهِر من كَلَامهم أَن امْتنَاع تَفْسِير مَا لَا يعْمل مَخْصُوص بِبَاب الِاشْتِغَال.
تمّ بعون الله وتيسيره الْجُزْء السَّادِس من خزانَة الْأَدَب بتقسيم محققها.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع