من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْخَامِس عشر بعد الْخَمْسمِائَةِ
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أَو راعيان لبعرانٍ شردن لناكي لَا يحسان من بعراننا أثرا
على أَن كي فِيهِ بِمَعْنى كَيفَ أَو أَن أَصْلهَا كَيفَ فحذفت الْفَاء لضَرُورَة الشّعْر.
وَهَذَا الْبَيْت أنْشدهُ الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: ولسوف يعطيك رَبك فترضى كَذَا:
من طَالِبين لبعرانٍ لنا رفضتكي لَا يحسون من بعراننا أثرا
قَالَ: هِيَ فِي قِرَاءَة عبد الله: ولسيعطيك رَبك فترضى وَالْمعْنَى وَاحِد إِلَّا أَن سَوف كثرت فِي الْكَلَام وَعرف موضعهَا فَترك مِنْهَا الْفَاء وَالْوَاو والحرف
إِذا كثر فَرُبمَا فعل بِهِ ذَلِك كَمَا قيل: أيشٍ تَقول وكما قيل: قُم لَا أَبَاك وقم لَا بشانيك يُرِيدُونَ: لَا أَبَا لَك وَلَا أَبَا لشانئك. وَقد سَمِعت بَيْتا حذفت الْفَاء فِيهِ من كَيفَ قَالَ الشَّاعِر: من طَالِبين لبعرانٍ لنا رفضت............. الْبَيْت أَرَادَ: كَيفَ لَا يحسون. وَهَذَا كَذَلِك. انْتهى.
ونقلته من نسخةٍ صَحِيحَة بِخَط الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ صَاحب تَارِيخ بَغْدَاد.
وَأنكر أَبُو عَليّ فِي البغداديات هَذَا وحتم أَن تكون كي فِيهِ بِمَعْنى اللَّام وَهَذِه عِبَارَته: أنْشد أَبُو بكر عَن ابْن الجهم عَن الْفراء:
من طَالِبين لبعرانٍ لَهُم شَردتكَيْمَا يحسون من بعرانهم خَبرا
قَالَ الْفراء: أَرَادَ كَيفَ فرخم. قَالَ أَبُو بكر: وَهَذَا خطأ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَبسطه أَن كَيفَ اسْم يمْتَنع ترخيمه من غير وَجه: أَحدهَا: أَنه اسْم ثلاثي والثلاثي لم يجِئ مرخماً إِلَّا مَا كَانَ ثالثه تَاء التَّأْنِيث.
وَالْآخر: أَنه منكور والمنكور لَا يرخم كَمَا لَا يبْنى والترخيم أبعد من الْبناء فَإِن امْتنع بِنَاؤُه كَانَ ترخيمه أَشد امتناعاً أَيْضا فَإِن كَيفَ اسمٌ مَبْنِيّ مشابه للحروف والحذف إِنَّمَا يكون فِي الْأَسْمَاء المتمكنة وَالْأَفْعَال الْمَأْخُوذ مِنْهَا وَلَا يكون فِي الْحُرُوف.
كَذَلِك يَنْبَغِي أَن لَا يكون فِيمَا غلب عَلَيْهِ شبهها وَصَارَ بذلك فِي حيزها. فَإِن أَرَادَ بالترخيم مَا يَسْتَعْمِلهُ النحويون فِي هَذَا النَّوْع من المنادى فَهُوَ غير منادًى وَإِن أَرَادَ بِهِ الْحَذف فَهُوَ غير سَائِغ.)
فَإِن قلت: فقد قَالُوا: لد ولدن فحذفوا مِنْهُ وَهُوَ غير مُتَمَكن فَكَذَلِك يسوغ الْحَذف من كَيفَ.
فَالْجَوَاب أَنه لَا يسوغ الْحَذف من حَيْثُ حذف من لدن وَذَلِكَ أَن لدن لما فتح مَا قبل النُّون مِنْهَا وَضم وَنصب الِاسْم بعْدهَا فِي قَوْلهم: لدن غدْوَة ضارع التَّنْوِين الزَّائِد فِي الِاسْم لاخْتِلَاف الْحَرَكَة قبلهَا وانتصاب الِاسْم بعْدهَا فَحسن لذَلِك حذفهَا كَمَا يحذف الزَّائِد.
وَأَيْضًا فَإِن هَذَا الِاسْم يُضَاف فِي نَحْو قَوْلهم: لد الصَّلَاة وَيدخل عَلَيْهِ حرف الْجَرّ ويضاف إِلَى الْمُضمر والمظهر. وكل ذَلِك توسع فِيهَا لَيْسَ فِي كَيفَ مثله فيسوغ فِيهِ فِي دُخُول ذَلِك مَا لَا يسوغ فِي كَيفَ.
وَأَيْضًا فَإِن النُّون شَدِيدَة المشابهة بحروف اللين. أَلا ترَاهَا تزاد فِي مَوَاضِع زيادتها وتلحق عَلامَة الْإِعْرَاب كَمَا يُزَاد مَا هُوَ مِنْهَا. وحذفوها فَاء فِي قَوْله:
الطَّوِيل وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي وَفِي نَحْو: عموا ظلاما. فَحَذفهُ أسهل لذَلِك من حذف غَيره. وَلَو لم
يكن فِي النُّون من هَذِه الْكَلِمَة مَا ذكرنَا لما كَانَ لحمل كَيفَ عَلَيْهِ مساغٌ مَا وجد لغيره مجَاز.
فَإِن قلت: فَكيف وَجه الْبَيْت عنْدك فَالْقَوْل أَن كي على ضَرْبَيْنِ: تكون مرّة بِمَعْنى اللَّام وَذَلِكَ فِي قَوْلهم: كيمه. وَتَكون فِي معنى أَن فِي نَحْو: لكيلا تأسوا فَنَقُول: إِن كي فِي الْبَيْت هِيَ الَّتِي بِمَعْنى اللَّام فِيمَن قَالَ: كيمه دَخَلتهَا مَا كَافَّة فمنعتها الْعَمَل الَّذِي تعمله فارتفع الْفِعْل بعْدهَا لكف مَا لَهَا عَن الدُّخُول على الْفِعْل كَمَا كفت رب وَمن فِي قَوْلهم: مِمَّا أفعل وَرُبمَا يقوم.
وَنَظِير هَذَا مَا أنشدناه عَن أبي الْحسن من قَوْله:
إِذا أَنْت لم تَنْفَع فضر فَإِنَّمَايُرْجَى الْفَتى كَيْمَا يضر وينفع
فعلى هَذَا يحمل هَذَا الْبَيْت. انْتهى.
وَهَذَا كُله تطويلٌ بِلَا طائل فَإِن رِوَايَة الْفراء الثَّابِتَة عَنهُ: كي لَا بِلَا النافية لَا بِمَا وَالتَّصَرُّف فِي الْحَرْف بالحذف وَغَيره ثابتٌ مَعَ أَنه خلاف الأَصْل فكونه فِي الِاسْم أولى وأحق.
وَنَظِير حذف الْفَاء من كَيفَ حذفهَا من سَوف فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: سو أفعل وَالْأَصْل: سَوف أفعل.)
وَقد حذفت من على الحرفية اللَّام وَالْألف كَمَا قَالَ الشَّاعِر وأنشده سِيبَوَيْهٍ فِي آخر كِتَابه: طفت عُلَمَاء غزلة خَالِد وَالْأَصْل: على المَاء.
وَالْمرَاد بالترخيم فِي نَحْو هَذَا التَّخْفِيف بالحذف وَهُوَ شائعٌ فِي كَلَامهم فَلَا وَجه للترديد بَين ترخيم المنادى وَغَيره.
على أَن الْفراء إِنَّمَا عبر بالحذف لَا بالترخيم ومحصل كَلَامه إِنْكَار مَجِيء كي مخففاً من كَيفَ.
وجمل كي فِي الْبَيْت على أَنَّهَا بِمَعْنى اللَّام بِمَعْرِِفَة مَا الكافة لَهَا عَن النصب على تَقْدِير صِحَة نَقله فِيمَا يصنع بقول الآخر قد أنْشدهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي كي وَفِي كَيفَ:
كي تجنحون إِلَى سلمٍ وَمَا ثئرتقَتْلَاكُمْ ولظى الهيجاء تضطرم
وَلَيْسَ بعْدهَا مَا وَالْمعْنَى على الِاسْتِفْهَام. وَلَعَلَّه يَقُول: إِن كي مَوْضُوعَة للاستفهام عَن حَال الشَّيْء بِمَعْنى كَيفَ إِلَّا أَنَّهَا مُخَفّفَة من كَيفَ كَمَا هُوَ مَذْهَب جمَاعَة وَحَكَاهُ الشَّارِح الْمُحَقق عَن الأندلسي.
وَقَالَ ابْن يعِيش فِي شرح الْمفصل: وَفِي كَيفَ لُغَتَانِ قَالُوا: كَيفَ وكي قَالَ الشَّاعِر:
قَالُوا: كي. هَا هُنَا بِمَعْنى كَيفَ استفهامٌ. وَقَالَ قوم: أَرَادَ: كَيفَ وَإِنَّمَا حذف الْفَاء تَخْفِيفًا كَمَا قَالُوا: سو أفعل وَالْمرَاد: سَوف أفعل. انْتهى.
وعَلى هَذَا الْأَخير اقْتصر صَاحب الْمُغنِي. وَالظَّاهِر أَن هَذَا من قبيل ضَرُورَة الشّعْر إِذْ لَو كَانَت كي مَوْضُوعَة للاستفهام لوردت فِي النثر ولدونت فِي كتب اللُّغَة كَسَائِر الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة.
وَالْبَيْت الأول غير وَاضح الْمَعْنى وقائله غير مَعْرُوف وَمَا قبله مَجْهُول. والبعران بِالضَّمِّ: جمع بعير وَهُوَ فِي الْإِبِل بِمَنْزِلَة الرجل فِي الْإِنْسَان. وَالنُّون فِي شردن لِلْإِبِلِ لِأَنَّهَا جمَاعَة. وَرَوَاهُ ابْن يعِيش: شَردت بِالتَّاءِ مَعَ تَقْدِيم لنا عَلَيْهِ. ويحسان بِضَم الْيَاء: أحس الرجل الشَّيْء إحساساً: علم بِهِ. وأثرا: مفعول بِهِ.
وَرِوَايَة أبي عَليّ قريبةٌ من رِوَايَة الْفراء.
وَقَوله: من طَالِبين هُوَ جمع مجرور بِمن. ورفضت بِالْفَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة قَالَ فِي الْمِصْبَاح:)
رفضت الْإِبِل من بَاب ضرب: تَفَرَّقت فِي المرعى. وَيَتَعَدَّى بِالْألف فِي الْأَكْثَر فَيُقَال: أرفضتها وَفِي لُغَة بِنَفسِهِ.
وَقَائِل الْبَيْت الثَّانِي مجهولٌ أَيْضا. وَزعم الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ خدمَة الْمُغنِي أَنه من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَهَذَا لَا أصل لَهُ فَإِنِّي قد تصفحت أبياته مرَارًا فَلم أَجِدهُ فِيهَا. وتجنحون: تميلون. وَالسّلم بِكَسْر السِّين وَفتحهَا: الصُّلْح.
وثئرت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. وَقَتلَاكُمْ: نَائِب الْفَاعِل من ثأرت الْقَتِيل: طلبت دَمه وَقتلت قَاتله.
والثأر مَهْمُوز. والهيجاء: الْحَرْب. وتضطرم: تلتهب. والجملتان حالان من الْوَاو فِي تجنحون.
وأتعجب من الْعَيْنِيّ فِي قَوْله: الشَّاهِد فِي كي فَإِنَّهُ بِمَعْنى كَيفَ وَهُوَ اسمٌ لَا شكّ فِيهِ ككيف لدُخُول حرف الْجَار عَلَيْهِ. انْتهى.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع