من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْعَاشِر بعد الْخَمْسمِائَةِ
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَكَانَ إِذْ مَا يسلل السَّيْف يضْرب على أَن بَعضهم قَالَ: يجازي ب إِذا مَا فيجزم الشَّرْط وَالْجَزَاء كَمَا جزم يسلل وكسرة اللَّام التقاء الساكنين وَجزم يضْرب وكسرة الْبَاء للروي. وَالرِّوَايَة: مَتى مَا.
قَالَ شَارِح اللّبَاب: قد نقل عَن بَعضهم أَنه جوز الْجَزْم ب إِذا مَكْفُوفَة بِمَا وَأنْشد للفرزدق: وَكَانَ إِذا مَا يسلل السَّيْف يضْرب وَمن مَنعه قَالَ: الرِّوَايَة: مَتى مَا يسلل. انْتهى.
وَرِوَايَة مَتى مَا هِيَ رِوَايَة حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي أَمْثَاله.
وَذهب ابْن يعِيش فِي شرح الْمفصل إِلَى أَن الْجَزْم بهَا فِي الشّعْر قَلِيل. وَأنْشد هَذَا الشّعْر.
وَقَالَ أَبُو عَليّ: كَانَ الْقيَاس أَن تكف مَا إِذا عَن الْإِضَافَة كَمَا كفت حَيْثُ وَإِذ لما جوزي بهما إِلَّا أَن الشَّاعِر إِذا ارْتكب الضَّرُورَة استجاز كثيرا مِمَّا لَا يجوز فِي الْكَلَام.
وَإِنَّمَا جَازَ المجازاة بإذا مَا فِي الشّعْر لِأَنَّهَا قد ساوقت إِن فِي الِاسْتِفْهَام إِذْ كَانَ وَقتهَا غير مَعْلُوم فَأَشْبَهت بِجَهَالَة وَقتهَا مَا لَا يدرى أَن يكون أم لَا يكون. فاعرفه. انْتهى.
وَنقل أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته أَن الصَّيْمَرِيّ ذهب إِلَى أَنَّهَا تكف بِمَا مثل إِذْ فتجزم كبيت الفرزدق.
قَالَ: وَقد جَاءَ بعْدهَا وَلم تجزم قَالَ:
وَيجوز دُخُول الْفَاء على جوابها قَالَ الفرزدق:
إِذا مَا قيل يَا لحماة قومٍفَنحْن بدعوة الدَّاعِي دعينا
وَذهب أَبُو عَليّ فِي مثل هَذَا إِلَى أَن إِذا غير معمولة لِأَنَّهُ لما جَاءَت الْفَاء فِي جوابها صَارَت بِمَنْزِلَة إِن وَتلك لَا يعْمل فِيهَا الْفِعْل. انْتهى.
وَهَذَا المصراع من قصيدةٍ للفرزدق. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا:
لعمري لقد أوفى وَزَاد وفاؤهعلى كل جارٍ جَار آل الْمُهلب
كَمَا كَانَ أوفى إِذْ يُنَادي ابْن ديهثٍوصرمته كالمغنم المنتهب
فَقَامَ أَبُو ليلى إِلَيْهِ ابْن ظالمٍوَكَانَ إِذا مَا يسلل السَّيْف يضْرب
)
وَمَا كَانَ جارٌ غير دلوٍ تعلّقتبحبلين فِي مستحصد الْقد مكرب
روى الْأَصْبَهَانِيّ بِسَنَدِهِ فِي الأغاني أَن الْحَارِث بن ظَالِم المري لما كَانَ نزيلاً عِنْد النُّعْمَان بن الْمُنْذر أَخذ مصدقٌ للنعمان إبِلا لامْرَأَة من بني مرّة يُقَال لَهَا: ديهث فَأَتَت الْحَارِث فعلقت دلوها بدلوه وَمَعَهَا بني لَهَا فَقَالَت: يَا أَبَا ليلى إِنِّي أَتَيْتُك مُضَافَة فَقَالَ: إِذا أورد الْقَوْم النعم فنادي بِأَعْلَى صَوْتك:
دَعَوْت بِاللَّه وَلم تراعيذَلِك راعيك فَنعم الرَّاعِي
يشفي بِهِ مجامع الصداع وَخرج الْحَارِث بن ظَالِم فِي إثْرهَا وَهُوَ يَقُول:
أَنا أَبُو ليلى وسيفي المعلوبكم قد أجرنا من حريبٍ محروب
وَكم رددنا من سليبٍ مسلوبوطعنةٍ طعنتها بالمضبوب
ذَاك جهيز الْمَوْت عِنْد المكروب ثمَّ قَالَ: لَا يردن عَلَيْك ناقةٌ وَلَا بعيرٌ تعرفينه إِلَّا أَخَذته فَفعلت وَرَأَتْ لقوحاً لَهَا يحلبها حبشِي فَقَالَت: يَا أَبَا ليلى هَذِه لي. قَالَ الحبشي: كذبت. فَقَالَ الْحَارِث بن ظَالِم: أرسلها وَيلك فضرط الحبشي فَقَالَ الْحَارِث:: است الحالب أعلم فَصَارَت مثلا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: فَفِي ذَلِك يَقُول الفرزدق. وَأنْشد الأبيات. انْتهى.
وَقَوله: لعمري لقد أوفى هُوَ لُغَة فِي: وفى بالعهد كوعى وَفَاء: ضد غدر. وَالْجَار: المجير والمستجير والمجاور الَّذِي أجرته من أَن يظلم فَهُوَ ضد. وَالْمرَاد هُنَا الأول.
وفاعل أوفى الأول ضمير سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَإِنَّهُ أَجَارَ يزِيد بن الْمُهلب من الْحجَّاج لما هرب من حَبسه وَجَاء إِلَيْهِ فَأرْسلهُ مَعَ ابْنه أَيُّوب إِلَى أَخِيه الْوَلِيد بن عبد الْملك وَكتب إِلَيْهِ يشفع فِيهِ فَقبل شَفَاعَته.
وفاعل أوفى الثَّانِي: ضمير أبي ليلى تنازعه هُوَ وَقَامَ. وَابْن ديهث: فَاعل يُنَادي. وصرمته: مُبْتَدأ وكالمغنم: خَبره والمتنهب: صفته حَال من ابْن.
والصرمة بِالْكَسْرِ: الْقطعَة من الْإِبِل مَا بَين الْعشْرين إِلَى الثَّلَاثِينَ أَو إِلَى الْخمسين وَقيل غير ذَلِك.
والمغنم: الْغَنِيمَة. والمتنهب: اسْم مفعول.
وَأَبُو ليلى: كنية الْحَارِث بن ظَالِم وَهُوَ جاهلي. وَالْقِيَام هُنَا هُوَ الْعَزْم على الشَّيْء والإتيان بِهِ)
على أكمل هيئاته.
وَالْمعْنَى: قَامَ لِيَنْصُرهُ وَيَأْخُذ بساعده. وَجُمْلَة: وَكَانَ إِذا مَا يسلل إِلَخ معطوفة على قَامَ أَو إِنَّهَا اعتراضية أَفَادَ بهَا أَن شَأْنه كَانَ كَذَا. وَاسم كَانَ ضمير أَبُو ليلى وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خبر كَانَ.
وَجُمْلَة: وَمَا كَانَ جَار إِلَخ حَال من أَبُو ليلى. وَالْجَار هُنَا المستجير وَهُوَ اسْم كَانَ وَغير دلوٍ خَبَرهَا. وَالْقد بِالْكَسْرِ: السّير يقد من جلد غير مدبوغ. والمستحصد اسْم مفعول من استحصد الْحَبل إِذا استحكم فتله أَو ربطه. والمكرب: اسْم مفعول من أكرب الدَّلْو إِذا شدها بالكرب بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ حَبل يشد فِي وسط عرقوة الدَّلْو ليلِي المَاء فَلَا يعفن الْحَبل الْكَبِير. وَيُقَال أَيْضا: كربها وكربها كَمَا يُقَال: أكربها.
والمصدق كمحدث: آخذ الصَّدقَات. ومضامة: اسْم مفعول من الضيم وَهُوَ الْجور. ومجامع والْحَارث بن ظَالِم المري جاهلي ضرب الْمثل بفتكه فَقيل: أفتك من الْحَارِث بن ظَالِم.
فَمن خير فتكه مَا رَوَاهُ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ والزمخشري فِي أمثالهما أَن الْحَارِث بن ظَالِم قتل خَالِد بن جَعْفَر بن كلاب وَكَانَ جاراً للأسود بن الْمُنْذر أخي النُّعْمَان بن الْمُنْذر وهرب فَقيل لَهُ: لن تصيبه بشيءٍ كسبي جاراتٍ لَهُ من بلي وَهُوَ حَيّ من قضاعة فَفعل فَسمع ذَلِك الْحَارِث فكر رَاجعا من مهربه وأتى مرعى إبلهم إِذا ناقةٌ لَهُنَّ تدعى اللفاع تحلب فَقَالَ يُخَاطب الْإِبِل:
إِذا سَمِعت حنة اللفاعفادعي أَبَا ليلى وَلَا ترتاعي
ذَلِك راعيك فَنعم الرَّاعِي فَعرفهُ الْبَائِن فحبق خوفًا وَأنْكرهُ المستعلي فَقَالَ الْحَارِث: است الْبَائِن أعلم ثمَّ استنقذهن وأموالهن وأتى أُخْته سلمى وَقد تبنت شُرَحْبِيل بن الْأسود الْملك فمكر بهَا وَأَخذه مِنْهَا وَقَتله فَضرب بِهِ الْمثل فِي الفتك.
والبائن: الَّذِي يكون عِنْد يَمِين الحلوبة. والمستعلي على يسارها. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قَوْلهم: است الْبَائِن أعلم مثلٌ يضْرب لمن ولي أمرا وَصلي بِهِ فَهُوَ أعلم بِهِ من غَيره. وَقيل يضْرب لكل مَا يُنكر وَشَاهده حَاضر.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع