تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد التَّاسِع بعد الْخَمْسمِائَةِ

فيه ٧ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

بَينا تعنقه الكماة وروغهيَوْمًا أتيح لَهُ جري سلفع

على أَنه يجوز إِضَافَة بَينا دون بَيْنَمَا إِلَى الْمصدر كَمَا فِي الْبَيْت. والأعرف الرّفْع على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر أَي: تعنقه حاصلٌ.

أَقُول: الأولى أَن يَقُول: حاصلان لِأَن قَوْله: وروغه مَعْطُوف على تعنقه.

وَقَوله: يجوز إِضَافَة بَينا إِلَى الْمصدر يَعْنِي إِلَى الْأَسْمَاء المفردة إِذا كَانَ فِيهَا معنى الْفِعْل حملا على معنى حِين كَقَوْلِك: بَينا قيام زيدٍ أقبل عَمْرو أَي: حِين قيام هَذَا أقبل ذَاك. فَإِن وَقع بعْدهَا اسْم جوهرٍ لم يكن إِلَّا رفعا نَحْو: بَينا زيدٌ

فِي الدَّار أقبل عَمْرو لِأَنَّهَا تُضَاف إِلَى جثة وَالْبَيْت لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ من قصيدته الْمَشْهُورَة الَّتِي رثى بهَا أَوْلَاده وَكَانُوا خَمْسَة وهلكوا فِي عَام وَاحِد أَصَابَهُم الطَّاعُون وَكَانُوا فِيمَن هَاجر إِلَى مصر.

وَقد تقدم شرح بعض مِنْهَا فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ.

قَالَ الإِمَام المرزوقي فِي شرح هَذِه القصيدة: روى الْأَصْمَعِي: بَينا تعنقه وروغه مجروراً.

وَكَانَ يَقُول: بَينا يُضَاف إِلَى المصادر خَاصَّة. والنحويون يخالفونه وَيَقُولُونَ: بَينا وبينما عبارتان للحين وهما مبهمتان لَا تضافان إِلَّا إِلَى الْجمل الَّتِي تبينها. فَإِذا قلت: بَينا أَنا جَالس طلع زيد فَالْمَعْنى: حِين أَنا جَالس أَو وَقت أَنا جَالس طلع زيد. وَذكر سِيبَوَيْهٍ خَاصَّة أَن إِذْ تقع بعدهمَا للمفاجأة تَقول: بَيْنَمَا نَحن نسير إِذْ أقبل زيد.

وَكثير من النَّحْوِيين والأصمعي يُنكرُونَ هَذَا وَيَقُولُونَ: لَا حَاجَة إِلَى إِذْ أَلا ترى أَنَّك تَقول: حِين زيدٌ جَالس قَامَ عَمْرو. وبَيْنَمَا بِمَنْزِلَة حِين. قَالُوا: وأشعارهم وَردت بِلَا إِذْ. وَمِمَّا اسْتشْهدُوا بِهِ بَيت أبي ذُؤَيْب هَذَا وَغَيره. وَمِمَّا يستشهد بِهِ لسيبويه قَوْله:

بَيْنَمَا نَحن بالكثيب ضحىإِذْ أَتَى راكبٌ على جمله

فَأَما الْخلاف الأول فَمن شَرط الْأَزْمِنَة أَن تُضَاف إِلَى الْجمل وتشرح بهَا. وَرِوَايَة النَّحْوِيين وَالنَّاس: بَينا تعنقه الكماة فيرتفع تعنقه بِالِابْتِدَاءِ وَيكون خَبره مضمراً كَأَنَّهُ قَالَ: بَينا تعنقه وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: أنْشد ثعلبٌ أَحْمد بن يحيى قَول الشَّاعِر:

بَينا كَذَاك رَأَيْتنِي متلفعاًبالبرد فَوق جلالة سرداح

)

أضَاف بَينا إِلَى الْكَاف كَمَا يُضَاف إِلَى الْمصدر فِي قَوْله: بَينا تعنقه الكماة وروغه.............. الْبَيْت وكما أضيفت مثلٌ إِلَيْهَا فِي قَوْله: فصيروا مثل كعصفٍ مَأْكُول وَلَا يكون الْكَاف حرفا لِأَن الِاسْم لَا يُضَاف إِلَى الْحَرْف وَيَنْبَغِي أَن يَجْعَل الْكَاف بِمَنْزِلَة مثل فِي أَنَّهَا تدل على أَكثر من واحدٍ كَمَا أَن مثلا كَذَلِك فِي نَحْو قَوْله ﷿: إِنَّكُم إِذا مثلهم لِأَن بَين تُضَاف إِلَى أَكثر من وَاحِد وَيجوز أَن تكون الْكَاف زَائِدَة كزيادتها فِي قَوْله ﷿: لَيْسَ كمثله شَيْء وَذَاكَ منجرةٌ وَالْمعْنَى الْإِضَافَة إِلَى ذَاك. وَقد أضيفت بَين إِلَى الْمُبْهم الْمُفْرد فِي نَحْو قَوْله سُبْحَانَهُ: عوانٌ بَين ذَلِك.

فَإِن قدرت الْإِضَافَة إِلَى الْفِعْل الَّذِي هُوَ رَأَيْتنِي كَمَا أَضَافَهُ الآخر إِلَيْهِ فِي قَوْله:

بَينا أنازعهم ثوبي وأجذبهمإِذا بَنو صحفٍ بِالْحَقِّ قد وردوا

وكما أضيف إِلَى الْجُمْلَة الاسمية فِي قَوْله:

وفصلت بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بالظرف فَهُوَ وَجه. انْتهى.

وَهَذِه القصيدة أوردهَا الْمفضل فِي آخر المفضليات. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرحها: وروى أَبُو عُبَيْدَة: فِيمَا تعنقه الكماة وروغه جعل مَا زَائِدَة صلَة فِي الْكَلَام أَي: بَينا يقتل ويراوغ إِذْ قتل. وعَلى هَذَا لَا شَاهد فِي الْبَيْت وَيكون تعنقه مجروراً بفي. وَضمير تعنقه رَاجع للمستشعر فِي بيتٍ قبل هَذَا بِسِتَّة أَبْيَات وَهُوَ:

والدهر لَا يبْقى على حدثانهمستشعرٌ حلق الْحَدِيد مقنع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

والدهر مُبْتَدأ وَجُمْلَة لَا يبْقى إِلَخ خبر الْمُبْتَدَأ. وعَلى بِمَعْنى مَعَ والْحدثَان بِالتَّحْرِيكِ: مصدرٌ بِمَعْنى الْحَدث والحادثة ومستشعر فَاعل يبْقى أَي: فارسٌ مستشعر وَهُوَ اسْم فَاعل من استشعر الثَّوْب والدرع إِذا لبسه شعاراً. والشعار بِالْكَسْرِ: الملبوس الَّذِي يَلِي شعر الْجَسَد.

وروى: متسربل أَي: يَتَّخِذهُ سربالاً. وَحلق الْحَدِيد: مفعول مستشعر وَأَرَادَ بِهِ الدرْع.

وَالْمقنع بِفَتْح النُّون الْمُشَدّدَة: الَّذِي على رَأسه المغفر أَو بَيْضَة الْحَدِيد قَالَه المرزوقي.

وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الْمقنع: اللابس المغفر. والمغفر: ثوبٌ تغطى بِهِ الْبَيْضَة. والْمقنع: الشاك)

السِّلَاح التامه. وَحلق الْحَدِيد: حلق الدرْع. ويروى: سميدع: وَهُوَ السَّيِّد. انْتهى.

وَقَوله: بَينا تعنقه كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات وَوَقع فِي الشَّرْح وَفِي جمل الزجاجي وَغَيرهمَا: تعانقه بِالْألف.

قَالَ ابْن السَّيِّد وَاللَّخْمِيّ: هُوَ خطأ وَالصَّوَاب تعنقه لِأَن تعانق لَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول إِنَّمَا يُقَال تعانق الرّجلَانِ والمعانقة والاعتناق. والتعنق هِيَ المتعدية وَمعنى الْجَمِيع الْأَخْذ بالعنق.

والاعتناق: آخر مَرَاتِب الْحَرْب لِأَن أول الْحَرْب الترامي بِالسِّهَامِ ثمَّ المطاعنة بِالرِّمَاحِ ثمَّ المجالدة بِالسُّيُوفِ ثمَّ الاعتناق وَهُوَ أَن يتخاطف الفارسان فيتساقطا إِلَى الأَرْض مَعًا. وَقد ذكر زُهَيْر بن أبي سلمى فِي قَوْله:

يطعنهم مَا ارتموا حَتَّى إِذا اطعنواضَارب حَتَّى إِذا مَا ضاربوا اعتنقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

أَرَادَ: أَنه يزِيد على مَا يَفْعَلُونَ.

والكماة بِالنّصب مفعول تعنقه جمع كمي وَهُوَ الشجاع الَّذِي ستر درعه بِثَوْبِهِ. قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره: الكمي: الشَّديد الشجاع من كل دَابَّة.

وَقَوله: وروغه: مَعْطُوف على تعنقه إِن جراً وَإِن رفعا وَهُوَ بالغين الْمُعْجَمَة وَهُوَ حيدته عَن الأقران يَمِينا وَشمَالًا للتحفظ.

قَالَ اللَّخْمِيّ: وَمن روى بِالْعينِ الْمُهْملَة فَمَعْنَاه الْفَزع.

بَينا هم بِالظّهْرِ قد جَلَسُوايَوْمًا بِحَيْثُ تنْزع الذّبْح

وَقد تقدم بَيَانه قَرِيبا فِي شرح الْبَيْت الَّذِي قبل هَذَا. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: الْعَامِل فِي يومٍ تعنقه وَيحْتَمل أَن يكون الروغ وَيحْتَمل أَن يكون أتيح وَالْأول أقوى لترك تكلّف التَّقْدِيم. هَذَا كَلَامه.

وَقَوله: أتيح: هُوَ جَوَاب بَينا وَهُوَ الْعَامِل فِيهِ بِمَعْنى قدر مَجْهُول أتاح الله لَهُ الشَّيْء أَي: قدره لَهُ وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة. وجريء بِالْهَمْز: فعيل من الجراءة. والسلفع كجعفر: الجريء الْوَاسِع الصَّدْر. وَيُقَال: للْمَرْأَة إِذا كَانَت جريئةً سلفع.

وَقَالَ المرزوقي: وَأكْثر من يُوصف بِهِ النِّسَاء وَيسْتَعْمل فِيهِنَّ بِغَيْر هَاء وَالْمعْنَى: أَن هَذَا المستشعر الدرْع حزماً وَقت معانقته للأبطال ومراوغته للشجعان قدر لَهُ رجلٌ هَكَذَا وقيض لَهُ فارسٌ شُجَاع مثله فاقتتلا حَتَّى قتل كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه. وَمرَاده أَن الشجاع لَا تعصمه جراءته من الْهَلَاك وَأَن كل مَخْلُوق فالفناء غَايَته.) وَأَبُو ذُؤَيْب شاعرٌ إسلامي مخضرم تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»