تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد الْخَمْسمِائَةِ

فيه ٣ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

شربن بِمَاء الْبَحْر ثمَّ ترفعتمَتى لجج خضرٍ لَهُنَّ نئيج

على أَن مَتى عِنْد هُذَيْل حرف جر بِمَعْنى من أَو فِي أَو اسمٌ بِمَعْنى وسط.

قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: فِي قَوْله مَتى لججٍ قَولَانِ: قيل: أَرَادَ من لجج كَمَا قَالَ صَخْر الغي: مَتى أقطارها علقٌ نفيث أَرَادَ: من أقطارها. وَقيل: مَتى بِمَعْنى وسط. وَحكى أَبُو معاذٍ الهراء وَهُوَ من شُيُوخ الْكُوفِيّين: جعلته فِي مَتى كمي. انْتهى. ومَتى هُنَا فِيمَا نَقله أَبُو معاذٍ لَا تحْتَمل غير معنى وسط بِخِلَاف مَا نَقله الشَّارِح الْمُحَقق عَن أبي زيد فَإِنَّهُ يحْتَملهُ وَيحْتَمل معنى فِي كَمَا قَالَ الشَّارِح.

وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: إِن مَتى عِنْد هُذَيْل اسمٌ مرادف للوسط وحرفٌ بِمَعْنى من أَو فِي.

يَقُولُونَ: أخرجهَا مَتى كمه أَي: مِنْهُ. وَاخْتلف فِي قَول بَعضهم: وَضعته مَتى كمي فَقَالَ ابْن سَيّده: بِمَعْنى فِي وَقَالَ غَيره: بِمَعْنى وسط. وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي قَول أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ يصف السَّحَاب: شربن بِمَاء الْبَحْر ثمَّ ترفعت.............. الْبَيْت فَقيل بِمَعْنى من وَقَالَ ابْن سَيّده: بِمَعْنى وسط. انْتهى.

وَالْبَاء فِي قَوْله: بِمَاء الْبَحْر قيل على بَابهَا وشربن مضمن معنى روين. وَقَالَ جمَاعَة: هِيَ للتَّبْعِيض مِنْهُم الْأَصْمَعِي وَابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب وَأَبُو عَليّ وَغَيره.

وَقَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب:

الْبَاء زَائِدَة أَي: شربن مَاء الْبَحْر وَإِن كَانَ قد قيل إِن الْبَاء هُنَا بِمَعْنى فِي وَالْمَفْعُول مَحْذُوف مَعْنَاهُ شربن المَاء فِي جملَة الْبَحْر. وَفِي هَذَا التَّأْوِيل ضربٌ من الإطالة والبعد.

وَقَالَ فِي سر الصِّنَاعَة أَيْضا: الْبَاء فِيهِ زَائِدَة إِنَّمَا مَعْنَاهُ شربن مَاء الْبَحْر. هَذَا

هُوَ الظَّاهِر من الْحَال والعدول عَنهُ تعسف. وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ شربن من مَاء الْبَحْر فأوقع الْبَاء موقع من.

انْتهى.)

وَسَبقه الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: يشرب بهَا من سُورَة الدَّهْر قَالَ: يشرب بهَا وَقد أَنْشدني بَعضهم: شربن بِمَاء الْبَحْر ثمَّ ترفعت.............. الْبَيْت وَمثله: إِنَّه ليَتَكَلَّم بِكَلَام حسنٍ وَيتَكَلَّم كلَاما حسنا. انْتهى.

وَالْحَاصِل أَن فِي هَذِه الْبَاء أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا للتعدية. ثَانِيهَا: أَنَّهَا للتَّبْعِيض بِمَعْنى من. ثَالِثهَا: أَنَّهَا بِمَعْنى فِي. رَابِعهَا: أَنَّهَا زَائِدَة.

وَهَذَا على مَا فِي كتب المؤلفين. وَأما الثَّابِت فِي شعر أبي ذُؤَيْب من رِوَايَة أبي بكر الْقَارئ وَغَيره فَهُوَ:...

تروت بِمَاء الْبَحْر ثمَّ تنصبتعلى حبشياتٍ لَهُنَّ نئيج
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «صبا صبوة بل لج وهو لجوج»

قَالَ الْقَارئ: تروت: يَعْنِي الحناتم. وتنصيت: ارْتَفَعت. وَعلي حبشيات: على سحائب سود.

ونئيج: مر

وعَلى هَذِه الرِّوَايَة لَا شَاهد فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

وَالْبَيْت بعد مطلع قصيدةٍ لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ عدتهَا تسعةٌ وَعِشْرُونَ بَيْتا وَهَذَا مطْلعهَا عِنْد أبي بكر الْقَارئ وَأبي حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات: قَالَ الْقَارئ: الحناتم: السَّحَاب فِي سوَاده. والحنتمة: الجرة الخضراء. شبه السَّحَاب بهَا.

والحناتم: الجرار الْخضر. وثجيج: سَائل. انْتهى.

وَقَالَ الدينَوَرِي: الحنتم من السَّحَاب: الْأَخْضَر وَهُوَ الْأسود. وثجيج: متدفق.

وَقَالَ ابْن السَّيِّد: الحناتم: سحابٌ سود وَاحِدهَا حنتم وأصل الحناتم جرار خضر وَلَكِن الْعَرَب تجْعَل كل أَخْضَر أسود وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِك لِأَن الخضرة إِذا اشتدت صَارَت سواداً وَلذَلِك قَالُوا لِليْل: أَخْضَر.

قَالَ ذُو الرمة: فِي ظلّ أَخْضَر يَدْعُو هامه البوم وَأم عمرٍ ومفعول مقدم وحناتم فَاعل مُؤخر وكل آخر لَيْلَة ظرف. قَالَ الْأَصْمَعِي: يُرِيد أبدا.

وَمثله: لَا أُكَلِّمك آخر اللَّيَالِي أَي: لَا أُكَلِّمك مَا بَقِي عَليّ من الزَّمن لَيْلَة.)

والثج والثجيج: السَّيْل الشَّديد فَيجوز أَن يكون معنى ثجيج بِمَعْنى ثاج وَيجوز أَن يكون أَرَادَ ذُو ثجيج فَحذف الْمُضَاف وَيجوز أَن يكون أوقع الْمصدر

موقع اسْم فَاعل مُبَالغَة فِي الْمَعْنى.

قَالَه ابْن السَّيِّد.

وَجعل الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي هَذَا الْبَيْت بعد الْبَيْت الشَّاهِد وَقَالَ:

صَحا قلبه بل لج وَهُوَ لجوجوزالت بِهِ بالأنعمين حدوج

وَهَذَا الْبَيْت غير موجودٍ فِي القصيدة. وَرَوَاهُ الْعَيْنِيّ: صبا صبوةً بل لج وَهُوَ لجوج وَأورد بعد أَرْبَعَة أبياتٍ أخر إِلَى قَوْله: سقى أم عَمْرو الْبَيْت الَّذِي ذَكرْنَاهُ مطلعاً. وَلَيْسَت هَذِه الأبيات فِي تِلْكَ القصيدة وَلَا هِيَ من نسجها وَمَا أَدْرِي من أَيْن أَتَى بهَا. وَالله أعلم.

وَقَوله: شربن بِمَاء الْبَحْر النُّون ضمير الحناتم.

وَقَالَ الْعَيْنِيّ: ضمير السحب. مَعَ أَنه لم يتَقَدَّم للسحب ذكر وَلَا فِي الأبيات الَّتِي جعلهَا أول القصيدة.

قَالَ ابْن السَّيِّد: هذيلٌ كلهَا تصف أَن السَّحَاب تستقي من الْبَحْر ثمَّ تصعد فِي الجو. وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْحُكَمَاء من أَن السَّحَاب ينْعَقد من البخار أَعنِي الْأَجْزَاء الهوائية المائية المتحللة بالحرارة من الْأَشْيَاء الرّطبَة وَذَلِكَ أَن البخار الْمَذْكُور إِذا تصاعد وَلم يتلطف بتحليل الْحَرَارَة أجزاءه المائية حَتَّى يصير هَوَاء فَإِنَّهُ إِذا بلغ الطَّبَقَة الزمهريرية تكاثف فَاجْتمع سحاباً وتقاطر مَطَرا إِن لم يكن الْبرد شَدِيدا.

واللجج: جمع لجة وَهُوَ مُعظم المَاء. ووصفها بخضر لصفائها يُقَال: مَاء

أَخْضَر أَي: صافٍ.

ونئيج: على فعيل مَهْمُوز الْعين: المر السَّرِيع بصوتٍ من نأجت الرّيح تنأج نئيجاً: تحركت فَهِيَ نؤوج. وللريح نئيج أَي: مر سريع. وَجُمْلَة: لَهُنَّ نئيج فِي مَوضِع الْحَال من فَاعل ترفعت الْعَائِد على حناتم بِمَعْنى سحائب.

وترجمة أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ من أَوَائِل الْكتاب.

وأنشده بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»