من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
لَو عد قبرٌ وقبرٌ كنت أكْرمهممَيتا وأبعدهم عَن منزل الذام
على أَن تعاطف المفردين فِيهِ لَيْسَ من قبيل مَا تقدم من كَونه للضَّرُورَة بل لقصد التكثير إِذْ المُرَاد: لَو عدت الْقُبُور قبراً قبراً. وَلم يرد قبرين فَقَط وَإِنَّمَا أَرَادَ الْجِنْس مُتَتَابِعًا وَاحِدًا بعد وَاحِد. يَعْنِي: إِذا حصلت أَنْسَاب الْمَوْتَى وجدتني أكْرمهم نسبا وأبعدهم من الذَّم.
وَالْبَيْت من أَبْيَات أَرْبَعَة أوردهَا أَبُو تَمام والأعلم الشنتمري وَصَاحب الحماسة البصرية فِي
أبلغ أَبَا مسمعٍ عني مغلغلةًوَفِي العتاب حياةٌ بَين أَقوام
أدخلت قبلي قوما لم يكن لَهُمفِي الْحق أَن يلجوا الْأَبْوَاب قدامي
لَو عد قبرٌ وقبرٌ كنت أكْرمهممَيتا وأبعدهم عَن منزل الذام
فقد جعلت إِذا مَا حَاجَتي نزلتبِبَاب دَارك أدلوها بِأَقْوَام
قَوْله: أبلغ أَبَا مسمع إِلَخ هُوَ بِكَسْر الْمِيم الأولى وَفتح الثَّانِيَة.
والمغلغلة: الرسَالَة لِأَنَّهَا تغلغل إِلَى الْإِنْسَان حَتَّى تصل إِلَيْهِ من بعد من قَوْلهم: تغلغل المَاء إِذا دخل بَين الْأَشْجَار. وأصل الغلغلة دُخُول الشَّيْء فِي الشَّيْء.
وَجُمْلَة: وَفِي العتاب حَيَاة إِلَخ مُعْتَرضَة بَين أبلغ وَبَين أدخلت. والعتاب: اللوم والتوقيف على الذَّنب.
يَعْنِي مَا دَامَ الْقَوْم يلوم كلٌّ مِنْهُم صَاحبه على مَا صدر مِنْهُم من التَّقْصِير لصَاحبه يُرْجَى صَلَاحهمْ وارتباط موداتهم. وَإِن لم يتعاتبوا انطوت ضمائرهم على الأحقاد.)
وَقَوله: أدخلت قبلي قوما إِلَخ أَي: قدمتهم عَليّ فِي الْإِذْن وَإِن لم يكن من حَقهم أَن يتقدموا عَليّ إِذا وردنا الْأَبْوَاب. ويلجوا: يدخلُوا. وَرُوِيَ: أَن يدخلُوا. وَدخل يتَعَدَّى فِي الأَصْل بِحرف جر ثمَّ يحذف الْجَار
وَقَوله: لَو عد قبر وقبرٌ إِلَخ قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: لم يرد لَو عد قبران اثْنَان وَإِنَّمَا أَرَادَ لَو عدت الْقُبُور قبراً قبراً. وَلَو قَالَ: عد قبر قبر فَرفع لم يجز ذَلِك كَمَا جَازَ لَو عدت الْقُبُور قبراً قبراً. وَذَلِكَ أَن هَذَا من مَوَاضِع الْعَطف فَحذف حرفه لضربٍ من الاتساع.
وَهَذَا الاتساع خَاصَّة إِنَّمَا جَاءَ فِي الْحَال نَحْو: فصلت حسابه بَابا بَابا ودخلوا رجلا رجلا أَي: مُتَتَابعين. وَلَو رفعت فَقلت: فصل حسابه بابٌ بابٌ وأدخلوا رجلٌ رجلٌ على الْبَدَل لم يجز.
وعَلى هَذَا قَالُوا: هُوَ جاري بَيت بَيت ولقيته كفة كفة فاتسعوا بِالْبِنَاءِ على الْحَال. وَنَحْوهَا فِي ذَلِك الظّرْف نَحْو قَوْلك: كَانَ يأتينا يَوْم يَوْم وَلَيْلَة لَيْلَة وأزمان أزمان وصباح مسَاء.
فَلَو خرجت بِهِ عَن الظَّرْفِيَّة لم يجز فِيهِ هَذَا الْبناء. أَلا تراك تَقول: هُوَ يأتينا كل صباح مساءٍ فِي ليلةٍ ليلةٍ فتعرب الْبَتَّةَ. انْتهى.
وَقَالَ الطبرسي: يُرِيد لَو عدت الْقُبُور قبراً قبراً إِلَّا أَنه اقْتصر وَحذف الْقُبُور وَجعل الْقَبْر فَاعِلا وأزاله عَن سنَن الْحَال. وَقيل: مَعْنَاهُ: لَو عد قَبْرِي وقبر الدَّاخِل قبلي لَكُنْت أكْرم مِنْهُ مَيتا. انْتهى.
والذام: لُغَة فِي الذَّم بتَشْديد الْمِيم.
وَقَوله: فقد جعلت إِذا إِلَخ هُوَ بالتكلم. قَالَ الطبرسي: أَي: طفقت وَأَقْبَلت إِذا نزلت حَاجَتي بِبَاب دَارك يُرِيد إِذا ألجأتني إِلَيْك حَاجَة أدلوها أَي: أتنجرها بغيري واستشفعت أَقْوَامًا فِي قَضَائهَا وَلم أقْربك بنفسي. انْتهى.
قَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات الدَّلْو: الاستقاء بالدلو من العمق. يُقَال أدلى الدَّلْو: إِذا حدرها للاستقاء يدليها إدلاء. ودلاها إِذا اجتذبها إِلَيْهِ يدلوها دلواً.
قَالَ تَعَالَى: فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه فَهَذَا من الإدلاء وَهُوَ إلقاؤها فِي الْبِئْر.
وَقَالَ الشَّاعِر فِي دلوت: فقد جعلت إِذا مَا حاجةٌ عرضت.............. الْبَيْت)
أَي: أَبْتَغِي شُفَعَاء يستخرجون لي حَاجَتي. انْتهى. وعِصَام بن عبيد: شَاعِر جاهلي. وَعبيد: مصغر عبد بالتذكير. وزمان بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الْمِيم: أحد أجداد الشَّاعِر وَهُوَ من بني حنيفَة.
وَأنْشد بعده:
هما نفثا فِي فِي من فمويهماعلى النابح العاوي أَشد رجام
وَتقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْعِشْرين بعد الثلثمائة.
وَضمير التَّثْنِيَة لإبليس وَابْن إِبْلِيس. ونفثا ألقيا على لساني. والنابح: هُنَا أَرَادَ بِهِ من يتَعَرَّض للهجو والسب من الشُّعَرَاء وَأَصله فِي الْكَلْب. وَمثله العاوي.
والرجام: مصدر راجمه بِالْحِجَارَةِ أَي: راماه. وراجم فلانٌ عَن قومه إِذا دَافع عَنْهُم. جعل الهجاء فِي مُقَابلَة الهجاء كالمراجمة لجعله الهاجي كَالْكَلْبِ النابح.
وَالْبَيْت آخر قصيدة للفرزدق قَالَهَا فِي آخر عمره تَائِبًا إِلَى الله تَعَالَى مِمَّا فرط مِنْهُ من مهاجاته النَّاس وذم فِيهَا إِبْلِيس لإغوائه إِيَّاه فِي شبابه.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع